خبر ⁄سياسي

كفاحي والإنجيل والقرآن في بيت الجاني.. هجوم تراب العنصري بفرنسا دوافعه وتداعياته

نشر:آخر تحديث:
كفاحي والإنجيل والقرآن في بيت الجاني.. هجوم تراب العنصري بفرنسا دوافعه وتداعياته

قُتل شاب فرنسي من أصول كونغولية وأصيب 5 أشخاص في هجوم مسلح بمدينتي تراب ولافيريير بضواحي باريس، ويحاول المحققون تحديد دوافع المشتبه به، بعد العثور على نسخة من كتاب "كفاحي" للزعيم النازي أدولف هتلر، إلى جانب نسختين من الإنجيل والقرآن، في منزله.

وبين فرضية التطرف العنصري والجدل حول الخطاب السياسي والإعلامي، أعادت الجريمة فتح النقاش بشأن تصاعد العنصرية والإسلاموفوبيا في فرنسا، وناقشت عدة صحف فرنسية هذه الحادثة بالتقارير والتحليلات.

قصص مقترحة

list of 4 itemsend of list

فقد أثار العثور على الكتب الثلاثة تساؤلات بشأن الخلفية الفكرية للمشتبه به (39 عاما) في إطلاق النار على المارة صباح الجمعة 23 أكتوبر/تشرين الأول، في تراب ولافيريير بمنطقة إيفلين.

لكن وجود هذه الكتب في المنزل لا يكفي وحده لتحديد معتقداته أو إثبات صلة مباشرة بينها وبين دوافع الهجوم، التي لا تزال موضع تحقيق.

فرق الطب الشرعي في موقع محطة وقود حيث أطلق رجل النار من سيارته، مما أسفر عن مقتل شخص واحد (الفرنسية)

وتتفق التقارير الفرنسية على أن المشتبه به أطلق النار من سيارته في مواقع عدة، مما أسفر عن مقتل بينغو بوسيو وانغي (26 عاما) وإصابة 5 أشخاص، بينهم طفلة في الـ12.

وأُلقي القبض عليه في بلدة كوانيير بعد نحو 20 دقيقة من بدء الهجوم.

وفتحت النيابة الوطنية الفرنسية لمكافحة الإرهاب تحقيقا في القتل العمد ومحاولات القتل المرتبطة بعمل إرهابي، مع ظرف مشدد يتعلق باستهداف الضحايا بسبب انتمائهم الحقيقي أو المفترض إلى عرق أو إثنية أو أمة أو ديانة معينة.

ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الهجوم بأنه عمل إرهابي عنصري مخطط له، استهدف أشخاصا بسبب لون بشرتهم أو الدين المنسوب إليهم.

شبهة الدافع العنصري

وبحسب المعلومات التي أوردتها الصحافة الفرنسية نقلا عن مصادر مطلعة، قال المشتبه به إنه أراد الانتقام لأصحاب المتاجر التي تعرضت للنهب خلال أحداث 17 أكتوبر/تشرين الأول، كما نُقلت عنه أقوال تفيد بأنه أراد استهداف أشخاص سود وعرب، وأنه كان يشعر بالضيق منهم.

إعلان

وتعزز هذه الأقوال، إذا تأكدت في التحقيق، فرضية أن اختيار الضحايا لم يكن عشوائيا، بل ارتبط بهويتهم العرقية المفترضة.

المشتبه به نُقلت عنه أقوال تفيد بأنه أراد استهداف أشخاص سود وعرب، وأنه كان يشعر بالضيق منهم

وفي هذا السياق، تكتسب نسخة "كفاحي"، التي عرض فيها هتلر أفكاره القومية المتطرفة والمعادية للسامية، أهمية في البحث عن خلفية المشتبه به، من دون أن تشكل بمفردها دليلا حاسما على دوافعه.

وعثر المحققون أيضا على الإنجيل والقرآن في منزله بمدينة بليزير، إلى جانب تجهيزات وصفت بأنها مثيرة للقلق، شملت عبوات غاز وأسلاكا كهربائية موصولة بجهاز توقيت، كما ضبط في سيارته رشاش وقنبلة مسيلة للدموع.

وكان المشتبه به غير معروف لأجهزة الاستخبارات، بحسب المعلومات المنشورة، ولم يكن معروفا بارتباطه بحركة اليمين المتطرف.

ويتضمن سجله القضائي 4 إدانات سابقة في قضايا عادية، كما خضع أفراد من محيطه العائلي والاجتماعي للتحقيق، من دون أن تكشف المعلومات المتاحة عن ثبوت تورطهم في الهجوم.

الهوية المفترضة

كان بينغو بوسيو وانغي، القتيل الوحيد في الهجوم، فرنسيا من أصول كونغولية، ومولعا برياضة الفنون القتالية المختلطة، وكان يأمل في احترافها، ووصفه أصدقاؤه وأفراد عائلته بأنه شاب مرح وكريم، في حين أشاد به مدربوه بوصفه موهبة رياضية صاعدة.

ومن بين المصابين طفلة تبلغ من العمر 12 عاما، تعرضت لـ8 إصابات بالرصاص، وفق ما نقلته تقارير فرنسية عن رئيس بلدية لافيريير، وبعد خضوعها لعملية جراحية ونقلها إلى العناية المركزة، أفادت تحديثات لاحقة بتحسن حالتها.

وأصيب أيضا رجلان يعملان في خدمات النظافة، في حين تعرضت امرأة لصدمة بعد مواجهتها المشتبه به في محطة وقود.

وأثارت الواقعة تساؤلات لدى عائلة القتيل بشأن إذا ما كان بالإمكان منع الهجوم، خصوصا في ضوء حيازة المشتبه به أسلحة خطرة، وأعلن محامي الأسرة أنها تحتفظ بحق المطالبة بمساءلة إدارية إذا ثبت وجود تقصير من جانب السلطات.

الكتب والكراهية

لم يتوقف الجدل عند دوافع المشتبه به، بل امتد إلى المناخ السياسي والإعلامي المحيط بمدينة تراب، التي كانت لسنوات محور سجالات بشأن الهجرة والإسلام والاندماج.

وأعادت الحادثة إلى الواجهة تصريحات سابقة لقيادات في اليمين الفرنسي وصفت المدينة بأنها رمز لإخفاق الاندماج أو لانتشار ما تسميها "الطائفية"، ومن أبرزها تصريحات جوردان بارديلا، رئيس حزب التجمع الوطني، الذي وصف مدينة تراب في مقابلة تلفزيونية عام 2022 بأنها "جمهورية إسلامية"، وفق ما أوردته صحيفة ميديا بارت.

وبعد تصريحاته، طرح عليه هذا السؤال: "لقد وصفتَ مدينة تراب بأنها ’جمهورية إسلامية‘. هل تندم على هذه التصريحات؟". فجاء الرد قاطعا: "لا".

وتابع بارديلا موضحا، وهو واثق تماما مما يقول: "تتشكل على الأراضي الفرنسية مناطق لم تعد تمثل فرنسا، ولا تُطبَّق فيها قوانين الجمهورية، بل نظام قانوني آخر. أنا متمسك بتصريحاتي".

ورأى مسؤولون من اليسار أن تكرار تصوير المدينة وسكانها بوصفهم تهديدا للمجتمع الفرنسي يسهم في ترسيخ صور نمطية عدائية.

بارديلا وصف تراب بأنها "جمهورية إسلامية" (رويترز)

وطالب بعض النواب باتخاذ إجراءات أشد لمواجهة الخطاب العنصري، ووصلت مطالباتهم إلى الدعوة لإغلاق قناة "سي نيوز"، التي يتهمها منتقدوها بإتاحة المجال لخطابات معادية للمهاجرين والمسلمين.

إعلان

لكن إثبات مسؤولية خطاب سياسي أو إعلامي عن جريمة بعينها يتطلب أدلة، ولا يغني عن تحديد المسؤولية الجنائية لمرتكبها، ويتمثل جوهر الجدل في احتمال أن يؤدي التكرار المستمر لخطاب يصور جماعات بعينها بوصفها خطرا إلى تهيئة بيئة تتقبل استهدافها.

وفي مقال بصحيفة لوموند، اعتبر الباحث والكاتب رشيد بنزين، وهو من سكان تراب، أن ما حدث ليس تحولا مفاجئا، بل نتيجة مسار متراكم من الخطابات العدائية، ورأى أن المدينة صُوّرت لسنوات على أنها الخاصرة الرخوة للجمهورية، محذرا من أن الكلمات قد تسهم في نزع شعور الانتماء عن مواطنين، وتحويلهم إلى أهداف في نظر المتطرفين.

ووفقا للصحيفة، فقد أكد المتهم في منشورات له رغبته الصريحة في استهداف "السود" و"العرب" لأنه "سئم رؤيتهم".

وفي المقابل، سلط تحقيق لصحيفة ليبراسيون الضوء على خطر آخر أعقب الهجوم، بعدما تداول مستخدمون على وسائل التواصل الاجتماعي صورا ومعلومات شخصية لرجل يحمل اسما مشابها لاسم المشتبه به، قبل أن يتبين أنه شخص آخر، وتعرض الرجل وأفراد من عائلته للتشهير والتهديد، في مثال على مخاطر نشر اتهامات غير موثقة.

وبينما ينتظر الفرنسيون نتائج التحقيق في دوافع الهجوم، تتجاوز الأسئلة المطروحة تحديد خلفية المشتبه به أو تفسير وجود كتاب "كفاحي" والإنجيل والقرآن في منزله، لتشمل قدرة البلاد على مواجهة العنصرية والإسلاموفوبيا، ومنع تحول الاختلاف في الأصل أو لون البشرة أو الدين المفترض إلى مبرر للعنف والإقصاء.

aljazeera.net