إعدام الرأي العام في السودان

إعدام الرأي العام في السودان
صلاح شعيب
برغم كل هذه المآسي المدمرة، والأرواح التي أذاقها بواسطته، ما زال برهان الجيش مصراً على الحكم فوق جثث السودانيين. بل إنه يسعى للجلوس قريباً في القصر الجمهوري، وقد فرش له الطريق لهذا المجد الواهم بالجماجم: جماجم من قتلوا في فض الاعتصام، وجماجم من قضوا في أتون الحرب، وجماجم من يقتلون الآن لأنهم رفضوا استمرار هذه المذبحة الوطنية. والأكثر من ذلك انه يهدد الناقدين له بصورة إرهابية، ويضيف أنه سيصلهم في مكامنهم.
هذا ليس وصفاً مجازياً، بل هو المنطق الذي يحكم سلوك الرجل منذ أن قرر أن السلطة أغلى من دماء مئات الآلاف من السودانيينَ.
فالوضع الجديد الذي مهده وزير العدل عبدالله درف لصالح هذا المسار لم يكن إلا محاولةً لشرعنة سلطة مستبدة. لكنه – لا هو ولا مخدمه – يستطيعان أن يطمسا حجم الجريمةِ، أو أن يمحوا ذاكرة من شاهدوا كيف أنه أدار آلة القتل باسم الدولة بينما هي نفسها تُنهب، وتمزق، وتُهدد وحدتها بسياسة حلمه الكاذب للاستقرار بحكمه العضوض.
لقد أثارت وزارة العدل بتعديلها على المادة (51) من القانون الجنائي (إثارة الحرب ضد الدولة) جدلاً واسعاً حول ما يترتب عليه التعديل من انتهاك لحق التعبير. لقد جاء تضمين عبارة “بما في ذلك النشر في الوسائط الإعلامية والإلكترونية” في القانون المعني كمسوغٍ للتضييق على حرية الصحافة والإعلام الرقمي، ولكن الهدف الأكبر هو إسكات صوت المعارضين لانفراد بالبرهان عبر دعم الكيزان من خلفه.
وكانت نقابة الصحفيين السودانيين قالت “إن إدراج النشر عبر الوسائط الإلكترونية أو الإعلامية ضمن المادة (51)، التي تتعلق بأفعالٍ تمس أمن الدولةِ، يفتح الباب أمام توسيع نطاق التجريم ليشمل العمل الصحفي المشروع، في ظل عقوبات تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد”.
الأعجب من ذلك كله أن جيش البرهان، ومن يقفون خلفه في هذه الحرب، يحتضنون قتلة السودانيين في مدني والخرطوم والفاشر، ويمنحونهم الغطاء والحمايةَ، بينما توجه آلة الإعدام والحملات إلى كل صوت يجهر برفض استمرار إهدار الدماء. وهكذا من يعارض الحرب يُتهم، ومن يفضح المجازر يُستهدف، ومن يطالب بوقف النزيف يُعامل كأنه العدو الأول. أما من يقتلون في الشوارع والأحياء والملاجئ فيحتفى بهم أو يبرر لهم ومن ثم يستأنفون القتل من الاتجاه المعاكس أيضاً.
نقولها لجرائم المعلوماتية: هذه ليست حربا وطنيةً، ولا معركةً من أجل بقاء الدولة. إنها حرب الحركة الإسلامية التي تريد أن تستعيد ما فقدته بالقوة، ولو على أنقاض البلاد وشعبها. والبرهان ليس إلا الوجه العسكري لهذا المشروع، يمهد له الطريق بالجثث، ويحمي من ينفذون الإعدامات اليومية، ثم يطلب من الرأي العام أن يصمت، أو يموت.
فالبرهان ينوي إعدام الرأي العام في السودان اليوم مرتينِ: مرةً بالرصاص والقذائف، ومرةً بالصمت المفروض والتشويه المنظم. ومن يظن أن هذا الطريق سيؤدي إلى قصرٍ جمهوريٍّ آمن إنما هو واهمٌ. فالسلطة التي تبنى على الجماجم لا تدوم، والجيش الذي يحتضن القتلة لا يحمي وطناً، والحرب التي تدار باسم الإسلام السياسي لا تنتج إلا مزيداً من الخراب.
إلى الجحيم جيش البرهان، ومليشياته، وإلى الجحيم كل من يقف خلف هذه الحرب، ويغطي على جرائمها. فالوطن ليس غنيمةً، والشعب ليس وقوداً، والرأي العام ليس جثةً يدفن فوقها طموح حاكم، أو جماعة قررت أن تعود للسلطة بمشاركة ود الحلمان في حصد جماجم السودانيين.
altaghyeer.info