البرلمان الجزائري يجيز نشر قوات في النيجر وسط تساؤلات بشأن الأهداف الاستراتيجية

صوّت البرلمان الجزائري، الأحد، على «التماس رئاسي» يجيز إرسال وحدة عسكرية إلى النيجر، بعد أن كان الرئيس عبد المجيد تبون قد أكد، مطلع الشهر الحالي، أن هذا البلد «يواجه تهديداً من جماعة مسلحة» تموّلها، بحسب قوله، «دولة من خارج منطقة الساحل».
وجرى التصويت خلال جلستين مغلقتين منفصلتين، خُصّصت إحداهما لكل غرفة من غرفتي البرلمان، وسط تكتم شديد، إذ مُنعت وسائل الإعلام من متابعة الحدث. وفي حين أيّدت أحزاب الموالاة هذه الخطوة، التزمت أحزاب المعارضة الصمت.
وقال برلمانيون إنهم صوّتوا على «إخطار» وصلهم من الرئيس تبون يخص إرسال وحدة من الجيش إلى النيجر قصد حماية المشروعات الاستثمارية لـ«شركة سوناطراك الدولية للاستكشاف والإنتاج»، وذلك بناءً على طلب من السلطات النيجرية.

وأكد صحافيون تجمعوا خارج «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا) وسط العاصمة، أنهم شاهدوا وزير الخارجية أحمد عطاف، وهو يدخل إلى المبنى صباحاً، حيث ألقى خطاباً شرح فيه أسباب التفويض الذي طلبه الرئيس من النواب، بخصوص إيفاد الجيش خارج الحدود، وتحديداً إلى النيجر، بحسب ما ذكرته مصادر برلمانية لـ«الشرق الأوسط»، دون تقديم تفاصيل عن مضمون خطاب عطاف.
وأفادت المصادر بأن كل النواب تسلموا، قبل 24 ساعة من جلسة التصويت، «أرضية، تتضمن الخطوط العريضة لقرار محتمل يخص تحرّك القوات المسلحة لشن أو المشاركة في عملية عسكرية في النيجر».
غطاء دستوري
وغادر أعضاء «مجلس الأمة» المكان بمجرد أن انتهت عملية التصويت، التي تمت بإجماع الكتل الحزبية وكتلة «الثلث الرئاسي» المؤيدة لرئيس البلاد، حيث أظهروا حرصاً واضحاً على تفادي طلبات الصحافيين للتصريح. وشهد «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة السفلى)، نفس «السيناريو» بعد الظهر، حيث أيدت الأغلبية قرار إيفاد قوات إلى النيجر.
وبتصويت الغرفتين باتت الخطوة تحظى بغطاء قانوني يتماشى مع «المادة 91» من الدستور التي تعطي لرئيس البلاد، بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة ووزير الدفاع الوطني، صلاحية إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى خارج البلاد، بعد مصادقة البرلمان بأغلبية ثلثي أعضاء كل غرفة.

وإن كانت السلطات لم تذكر بشكل رسمي سبب نقل وحدة من الجيش إلى الجارة الجنوبية، ولا الإعلان عن هذه الخطوة، فقد لمّح إلى هذه القضية عمار بلاني المتحدث باسم وزارة الخارجية وسفير الجزائر ببروكسل سابقاً، المحال على التقاعد قبل أشهر قليلة، حيث ذكر، في منشور بحسابه بالإعلام الاجتماعي، أن الجزائر استجابت لـ«طلب سيادي من السلطات النيجرية، وضمن إطار اتفاق ثنائي للتعاون الأمني».
ولفت بلاني إلى أنه من «المرتقب أن تتمركز القوات الجزائرية في قاعدة ماداما العسكرية، الواقعة شمال النيجر بالقرب من الحدود الليبية». موضحاً أن هذه القاعدة كانت نقطة ارتكاز عسكرية فرنسية جرى تطويرها في إطار عملية عسكرية شنّتها فرنسا عام 2013 ضد معاقل جماعات دينية متشددة في مالي.
وتكتسي هذه المنشأة أهمية استراتيجية لمراقبة منطقة الساحل والمحاور العابرة للحدود، حسب الدبلوماسي السابق.

وتقع قاعدة «ماداما» العسكرية في شمال النيجر على بُعد نحو 263 كيلومتراً بخط مستقيم من قاعدة «الويغ» في إقليم فزّان الليبي، وهي موقع عسكري مرتبط بقوات المشير خليفة حفتر، ويُستخدم نقطة إسناد في جنوب غربي ليبيا.
وعلى إثر هذا الخيار غير المألوف في تعامل الجزائر مع التحديات الواقعة خارج حدودها، تُطرح تساؤلات عدة بشأن أهداف نشر قوات من جيشها على امتداد الحدود المشتركة مع النيجر وموريتانيا.
دوافع التموضع الاستباقي
ويأتي ذلك في سياق إقليمي معقّد، خصوصاً في ظل الخلاف الحاد بين الجزائر والمشير خليفة حفتر، الذي لا تعترف به الجزائر سلطةً شرعية في ليبيا، وتتعامل رسمياً مع الحكومة في طرابلس.
حول هذا التطور اللافت في السياسية الخارجية الجزائرية، قال وزير سابق مفضلاً عدم نشر اسمه لـ«الشرق الأوسط»: «بلادنا لم تعد تكتفي بملء الفراغ الدبلوماسي الذي خلّفه الانسحاب الفرنسي بالمنطقة، بل تسعى إلى بلورة تموضع استباقي على المستويات العسكرية والأمنية والاستثمارية، بما يحول دون تحوّل حزامها الجنوبي إلى مجال نفوذ استراتيجي لقوى إقليمية ودولية منافسة».
في أواخر أغسطس (آب) الماضي، أرسلت الجزائر 4 طائرات مقاتلة تابعة للقوات الجوية، عقب محاولة انقلاب فاشلة في نيامي. وكانت هذه المهمة الأولى من نوعها منذ الاستقلال عام 1962.
وصرّح الرئيس تبون مطلع الشهر الحالي أن محاولة الانقلاب التي استهدفت الرئيس عبد الرحمن تشياني نهاية أغسطس الماضي، عدّتها بلاده «استفزازاً، لأنها جاءت مباشرة بعد زيارة رئيس الوزراء النيجري، علي محمد لمين زين، إلى الجزائر». مؤكداً أن «لدينا مصالح، وقد أبرمنا اتفاقيات في مجالات النفط والمناجم وغيرها. ثم يأتي أحدهم ليُفسد كل شيء في ليلة واحدة. لا ينبغي، مع ذلك، الاستهانة بالأمور إلى هذا الحد. نحن قادرون على الدفاع، أولاً عن أصدقائنا، ثم عن المصالح المشتركة التي تجمعنا». وكان تبون يلمّح إلى جهة أجنبية عن المنطقة، من دون أن يذكر من هي.

وأطلقت الجزائر العديد من مشروعات التعاون مع النيجر، انطلاقاً من رؤيتها القائمة على أن الاستقرار والأمن في منطقة الساحل يمران أساساً عبر التنمية الاقتصادية. ومن أبرز هذه المشروعات إنجاز أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يُفترض أن ينقل الغاز من نيجيريا إلى أوروبا عبر النيجر والجزائر، إلى جانب الاستغلال المشترك، بين شركة «سوناطراك» الجزائرية وشركة النفط النيجرية «سونيديب»، لحقل «كافرا» النفطي الواقع شمال النيجر.
aawsat.com