تصاعد حرب المسيرات في السودان: الكلفة الإنسانية الباهظة وتعقيدات المشهد العسكري والسياسي

القاهرة – 26 أكتوبر 2026 – راديو دبنقا
أكد الخبير العسكري، العميد دكتور جمال الشهيد، أن الطائرات المسيّرة أصبحت إحدى أبرز أدوات الحرب وأكثرها تأثيراً في العمليات العسكرية الجارية، مشيراً إلى أن خطورتها لا تقتصر على استهداف المناطق العسكرية فحسب، بل امتدت آثارها المدمرة لتشمل الأعيان المدنية، مما جعل المدنيين يدفعون أرواحهم ومعيشتهم ثمناً لهذه العمليات.
وأوضح الشهيد، في حديثه لراديو دبنقا، أن هناك عدة عوامل رئيسية أدت إلى تصعيد نشاط المسيّرات في الفترة الأخيرة؛ حيث يتمثل العامل الأول في رغبة كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في تحسين مواقعهما العسكرية وفرض معادلات ميدانية جديدة، لا سيما في ظل اتساع جبهات القتال وامتدادها من كردفان إلى النيل الأزرق ودارفور، وهي مساحات شاسعة تتطلب أسلحة فعالة قادرة على الوصول إلى كل مكان وتتيح تنفيذ ضربات من مسافات بعيدة، فضلاً عن توفير قدرات استطلاعية متقدمة دون الحاجة لتحريك قوات برية ضخمة.
ويكمن العامل الثاني في سعي الأطراف المتنازعة للتأثير على خطوط الإمداد والتحركات العسكرية والبنية التحتية للخصم، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى تأثر المناطق المدنية والحيوية، وتحوُّل مسار العمليات العسكرية إلى مصدر دائم لمعاناة المواطنين.
وأضاف أن العامل الأهم يتعلق بحسابات أطراف الصراع، حيث يسعى كل طرف لتحقيق مكاسب ميدانية تحسّن موقفه التفاوضي قبيل الدخول في أي هدنة مرتقبة، مشيراً إلى أن قوات الدعم السريع تكثف من ضرباتها بالمسيّرات نتيجة معاناتها من ضعف في العنصر البشري، في محاولة لتغطية تراجعها الميداني وإثبات وجودها عبر القصف في كل الاتجاهات.
فجوة حقيقية
وفيما يتعلق بدور المجتمع الدولي والضغوط الدبلوماسية، يرى العميد الشهيد أن الفجوة الحقيقية تكمن في التباين بين التحركات الدبلوماسية المتسارعة والميدان العسكري على الأرض، حيث يضغط المجتمع الدولي باتجاه إقرار هدنة إنسانية بينما تراهن أطراف الحرب على حسم الميدان لفرض واقع تفاوضي دون تقديم أي تنازلات. وأوضح أن الأمم المتحدة حذرت في آخر اجتماعاتها من خطورة استمرار استخدام المسيّرات، مشدداً على أن الضغوط الدولية وحدها لن تفلح في وقف الضربات دون التزامات واضحة وآليات دقيقة لمراقبة التنفيذ.
وحول المقترحات المطروحة للتهدئة، أشار الشهيد إلى أن الهدنة التي تحدث عنها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، خلت من التفاصيل الدقيقة، وأن الجيش السوداني لم يرفضها بشكل مطلق بل وضع اشتراطات صارمة تتمثل في خروج الدعم السريع من الأعيان المدنية وتجميع القوات في معسكرات محددة، بينما ترفض قوات الدعم السريع ذلك، مما يضاعف من مخاوف الجيش ويؤدي إلى انسداد الطريق.
المساءلة والحل السياسي
وإزاء التساؤل المستمر حول الجهة التي تتحمل فاتورة هذه الحرب الباهظة، شدد العميد جمال الشهيد على أن المواطن السوداني هو الضحية الوحيدة التي تدفع ثمناً فادحاً جراء استهداف الأعيان المدنية بالمسيّرات، مذكّراً بأن القانون الدولي الإنساني يلزم جميع المقاتلين بالتمييز الحاسم بين الأهداف العسكرية والأعيان المدنية واتخاذ كافة الاحتياطات الضرورية لحماية المدنيين، ومبيناً أن استخدام الطائرات المسيّرة لا يعفي أي طرف من المساءلة القانونية ويستوجب فتح تحقيقات مستقلة في كل وقائع الانتهاكات.
وأكد في ختام حديثه أن المطلوب عاجلاً هو الانتقال من دائرة الدعوات العامة للتهدئة إلى خطوات عملية تبدأ فعلياً بالوقف الفوري لاستهداف المدنيين، وتحديد المسؤوليات، ومنع التدخلات الخارجية، مشدداً على أن إنهاء مأساة الحرب لا يتطلب مجرد هدنة مؤقتة بل إرادة سياسية حقيقية تضع حداً لدموع الإنسان السوداني، وتؤسس لتسوية سياسية شاملة تضع وزر الحرب خلف الظهر.
dabangasudan.org