خبر ⁄سياسي

عام على مأساة الفاشر.. ذاكرة المجازر ووجع النزوح ونداءات لا تتوقف من أجل السلام

نشر:آخر تحديث:

امستردام 26 اكتوبر 2026 راديو دبنقا

في السادس والعشرين من أكتوبر من العام الماضي، سيطرت قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بعد حصار امتد نحو عام كامل، لتدخل المدينة واحدة من أكثر محطات الحرب السودانية مأساوية، وسط مشاهد من القتل والانتهاكات والتهجير القسري، خلّفت جراحاً عميقة في ذاكرة الناجين وأسرهم.

في ذلك اليوم، أعلن الجيش السوداني والقوات المشتركة والقوات المساندة له انسحابهم من المدينة، التي بدت، بعد شهور طويلة من الحصار والمعارك، وكأنها تحولت إلى أطلال. وسرعان ما انتشرت مقاطع مصورة وثّقت مشاهد مروعة لعمليات قتل وإعدامات ميدانية، نُسبت إلى عناصر من قوات الدعم السريع، وأثارت موجة واسعة من الغضب والاستنكار، فيما وثّقت تقارير وشهادات انتهاكات واسعة بحق المدنيين.

ومع انهيار الأوضاع الأمنية، فرّ مئات الآلاف من سكان الفاشر في رحلة نزوح قاسية، تفرّقت خلالها الأسر، وفقد كثيرون ذويهم، وسلك الناجون طرقاً محفوفة بالمخاطر نحو الطينة وكبكابية والمالحة وقرني، فيما عبر آخرون الحدود إلى تشاد، وتوزع الباقون بين مناطق متفرقة ومعسكرات النزوح في شمال دارفور وشرقها. ووصلت أعداد كبيرة من الفارين إلى مدينة الدبة بالولاية الشمالية، بحثاً عن الأمان بعيداً عن أهوال الحرب.

وبعد مرور عام على تلك الأحداث، لا تزال آثار المأساة حاضرة في حياة الناجين، الذين يواجهون قسوة النزوح وفقدان الأحبة وشحّ الخدمات الأساسية، بينما تتواصل الدعوات إلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وحماية المدنيين، ووضع حد للحرب التي مزقت حياة ملايين السودانيين.

320 حالة اغتصاب في الفاشر

وفي سياق إحياء الذكرى السنوية الأولى لسقوط الفاشر، قال والي شمال دارفور الحافظ بخيت محمد،  من مقر إقامته في الخرطوم، إن ما شهدته المدينة من تدمير للبنية التحتية، بما في ذلك المدارس والجامعات والمستشفيات ومساكن المواطنين ومعسكرات النازحين، إلى جانب التهجير القسري والتصفيات الواسعة للمدنيين على أساس عرقي، يمثل جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية، على حد وصفه.

وانتقد الوالي صمت المجتمع الدولي إزاء ما حدث، متوعداً بمواصلة محاربة قوات الدعم السريع حتى خروجها من المدن والمناطق التي تسيطر عليها، كما وعد المواطنين بالعودة إلى مناطقهم.

أعلن والي شمال دارفور، حافظ محمد بخيت، أن قوات الدعم السريع ارتكبت 320 حالة اغتصاب جماعي بجامعة الفاشر.

وأوضح، في تصريحات أن أعمال الإبادة الجماعية أدت إلى إنشاء 140 مقبرة جماعية حول مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور.

لكن خلف التصريحات السياسية والعسكرية، تقف حكايات الناجين، بما تحمله من فقد ووجع وأسئلة لا تجد إجابات.

يوم كارثي

أبو حسن، أحد الناجين من مأساة الفاشر، وصف السادس والعشرين من أكتوبر بأنه يوم كارثي لن تمحوه الذاكرة الإنسانية، مستعيداً مشاهد النساء والأطفال وكبار السن وهم يغادرون مدينتهم تحت وطأة الخوف، ليجد كثيرون منهم أنفسهم في معسكرات وملاجئ تفتقر إلى مقومات الحياة الكريمة.

وقال إن معاناة النازحين لا تزال مستمرة، داعياً أطراف الحرب إلى وقف القتال والاحتكام إلى السلام، وضمان عودة المواطنين إلى ديارهم في أقرب وقت ممكن.

وتساءل أبو حسن: ماذا جنينا من هذه الحرب حتى الآن، غير الموت والخراب والدمار والتشرد والنزوح والكراهية؟

استمرار فصول المأساة

وفي معسكرات اللاجئين السودانيين بشرق تشاد، تتواصل فصول المأساة بعيداً عن الوطن، حيث تحاول أسر فقدت أبناءها وأقاربها أن تبدأ حياة جديدة في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.

إحدى الفتيات اللاجئات في شرق تشاد تقول إنها فقدت والدتها وأفراداً آخرين من أسرتها، واضطرت إلى اللجوء مع والدها إلى تشاد في مثل هذا اليوم من العام الماضي، ولا تزال تعاني وأسرتها أوضاعاً معيشية قاسية داخل المعسكرات، في ظل نقص الخدمات الأساسية.

وتطالب الفتاة بوقف الحرب، حتى يتمكن السودانيون من العودة إلى ديارهم والعيش في أمن وسلام.

أما فتاة أخرى من المعسكرات نفسها، فتختصر سنوات الخوف والانتظار في سؤال موجع: متى ينتهي هذا الكابوس حتى نعود إلى ديارنا؟

وتستعيد الفتاة ذكرى سقوط الفاشر بحسرة، معربة عن أسفها لما آلت إليه حياة المدنيين، ومناشدة المجتمع الدولي التدخل العاجل لوقف الحرب في السودان، التي ألحقت بالمدنيين أضراراً بالغة ودفعت الملايين إلى النزوح واللجوء.

عام كامل مرّ على سقوط الفاشر، لكن الزمن لم يطوِ صفحة المأساة. فما زالت أسر تنتظر عودة أبنائها، وأمهات يبحثن عن أخبار مفقودين، وأطفال حُرموا من مدارسهم وبيوتهم، وناجون يحملون في ذاكرتهم مشاهد لن تمحوها المسافات.

إن ذكرى سقوط الفرقة السادسة مشاة بالفاشر، وما أعقبها من تقارير عن مجازر وانتهاكات وعمليات تهجير واسعة، تظل شاهداً مؤلماً على الكلفة الإنسانية الباهظة للحرب السودانية، وعلى العجز عن حماية المدنيين من ويلات الصراع.

dabangasudan.org