مصاعب وتحديات العمل المشترك في ظل الكارثة الراهنة 2 2
مصاعب وتحديات العمل المشترك في ظل الكارثة الراهنة (2 – 2)
صديق الزيلعي
هذا هو الجزء الثاني والأخير، من حواري مع الصديق والزميل أمير الزين. ناقش المقال الأول تساءل الزميل أمير عن عدم الالتزام بالنصوص، وعن القواعد التي تنظم العمل المشترك. وأوضحت ان شعبنا وحركته السياسية راكم خبرات طويلة في العمل المشترك، وفي أسس تنظيمه، اما عدم الالتزام بالنصوص، فقضية عالمية، ولكن من السهل علاجها بالاتفاق على أسس واضحة، مثل العلنية في الممارسات، مما يعطي الرأي العام حق المراقبة، وكشف التجاوزات. وفي حالة التنكر من حق أي طرف الانسحاب وإعلان ذلك. ولكن الجوهري هو لا عاصم الا الحركة الجماهيرية ووعي شعبنا.
نواصل اليوم مناقشة بقية تساؤلات الزميل أمير:
يتساءل الزميل أمير عن مشاركة الحزب الشيوعي في ورشة نيروبي ويكتب:
” وفي هذا السياق، فإن تساؤل الزيلعي عن عدم مشاركة الحزب الشيوعي في ورشة نيروبي مشروع ويستحق الإجابة، لكنه يفتح بدوره سؤالاً موازياً عن شروط المشاركة وطبيعة الإطار الذي يُدعى إليه المختلفون: هل هو فضاء مفتوح لصياغة موقف مشترك، أم إطار يُطلب منهم الانضمام إلى مخرجاته؟ وما الضمانات التي تكفل حقهم في طرح بدائلهم والتحفظ على ما لا يتفقون معه؟”
هذا سؤال ممتاز، وأقول ما حدث حقا. فور وصولي سألت الجهة المسئولة عن الدعوة: هل تم توجيه دعوة للحزب الشيوعي؟ فجاء رد واضح انهم اتصلوا بالحزب الشيوعي، وأوضحوا له ان رغب في المشاركة فمرحبا، اما كانت له تحفظات فيمكنه المشاركة كمراقب، وله حق طرح رأيه للآخرين، وسماع رأيهم. وله حق عدم التوقيع، اذا قرر ذلك، ولن يظهر اسمه الا اذا وافق على ذلك. وبعد كل ذلك لم يشارك.
وهذه ليست المرة الأولى فقد دعت حركة تحرير السودان بقيادة الأستاذ عبد الواحد كل الأحزاب لاجتماع في كمبالا، ولم يشارك الحزب الشيوعي.
يوسع الزميل طرحه بهذه الفقرة:
وتستدعي تجربة الانتقال بعد ثورة ديسمبر مراجعة نقدية تتجاوز تحميل التحالفات الواسعة مسؤولية الإخفاق، إلى البحث في اختلال موازين القوى والضمانات السياسية والمؤسسية التي غابت أو عجزت عن منع انقلاب أكتوبر 2021، ثم اندلاع الحرب في أبريل 2023. فكيف نمنع تكرار تلك الاختلالات في أي تحالف جديد؟ وكيف نضمن ألا تتحول وحدة القيادات إلى بديل عن المشاركة الشعبية، وأن يكون للنازحين واللاجئين وغرف الطوارئ والتنظيمات النقابية والمجتمعية دور فعلي في صياغة القرارات ومراقبة تنفيذها، لا مجرد حضور رمزي في الوثائق والبيانات؟
أولا: نظمت جريدة الديمقراطي ورش لمراجعة نقدية لتجربة الفترة الانتقالية، وصدرت في كتاب به أكثر من 600 صفحة. وأعتقد انها مبادرة ممتازة، وعلينا ان نبني عليها، وتتحول لمنهج في العمل السياسي، يشمل جميع القوى السياسية، والا يكون النقد موجه للآخرين فقط، وانما بنقد الذات وبوضوح.
ثانيا: اما الحديث عن الفشل في منع انقلاب 25 أكتوبر، فهو أكثر تعقيدا من نقاشنا هذا. لأنه سبق ان فشلنا، كشعب، في منع انقلاب الاسلامويين في يونيو 1989.
ثالثا: منع الاختلالات لن يتم الا بالمشاركة ووضع أسس واضحة تتعلق بكل جوانب اصدار القرارات، والعلاقة الديمقراطية والمتساوية بين الأطراف المتحالفة، وحق الانسحاب أو الاعتراض، وأخيرا علنية العمل ورفض أساليب الغرف المغلقة.
رابعا: هناك حديث مكرر ومجرد عن التحالف الشعبي والمشاركة الشعبية وليس القيادات (أحيانا تسمي النخب). ولكن لا يوجد بديل للتنظيمات التي انشأتها الجماهير وتتمثل في الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني المختلفة (تشمل منظمات الشباب والنساء والنازحين والمبدعين الخ). وكل هذه التنظيمات لها تمثيل في اجتماعات نيروبي. أما نسب التمثيل أو ضعفها، فقضايا يمكن حسمها بالنقاش والاتفاق حول أسس التمثيل، في الانقسامات الواسعة، التي طالت كل منظمات المجتمع المدني السوداني.
خامسا: مشاركة تلك القوي في تشكيل وصياغة واجازة القرارت مسألة ترجع لها، ولا توجد قوة تمنع مشارك من ابداء رأيه.
يطرح الزميل أمير نقطة هامة، كررتها كثيرا في مقالاتي، واتفق بأنها من الممكن أن تكون خطوة نحو الامام، كتب:
” انطلاقاً من هذه المشتركات، أقترح، تجسيراً للمسافة بين موقفينا، التمييز بين التحالف السياسي القائم على برنامج شامل، والتنسيق العملي حول أهداف عاجلة يمكن أن تجمع قوى تختلف في رؤيتها لمستقبل السلطة والاقتصاد، لكنها تتفق على ضرورة إنهاء الحرب وحماية المجتمع من تداعياتها”.
وأضاف اقتراحا محددا، أوافق عليه بوضوح وادعمه بشدة، وهو:
“وفي هذا الإطار، يمكن أن تشكل المطالب التالية أجندة دنيا للعمل المشترك:
- الوقف الفوري لإطلاق النار وحماية المدنيين، مع دعم آليات مستقلة وفعالة لمراقبة الالتزام بوقف القتال ومنع استهداف السكان والمرافق المدنية.
- ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وفتح الممرات الآمنة للإغاثة، وحماية غرف الطوارئ والمبادرات الإنسانية المستقلة والعاملين فيها.
- وقف التدخلات الخارجية التي تغذي الحرب، والضغط لوقف تدفق السلاح والتمويل والدعم العسكري إلى طرفي القتال، مع الاستفادة من الجهود الإقليمية والدولية التي تسهم فعلياً في إنهاء الحرب.
- الحفاظ على وحدة السودان وسيادته، ورفض مشاريع التقسيم والسلطات العسكرية المفروضة بقوة السلاح، ومناهضة خطاب الكراهية والتحريض القبلي والجهوي.
- التمسك بالعدالة والمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، وضمان التحقيق المستقل في الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق المدنيين، دون تحويل العدالة إلى ورقة للمساومة السياسية.”
ولكنه يضع تحفظا، اتفق معه، وهو حق مشروع. لكل تنظيم ان يحافظ على رؤيته ويطورها ويطرحها من منابره الخاصة:
” وبهذا المعنى، فإن الاتفاق على أجندة دنيا لوقف الحرب ليس تنازلاً عن مشروع التغيير الجذري، ولا انضماماً إلى مشروع سياسي آخر، بل ممارسة للعمل المشترك في المساحة التي تسمح بها المصالح الوطنية والإنسانية المتلاقية، مع الاحتفاظ بحق الاختلاف حول ما عداها”.
الخص ما اتفقنا عليه وهو: الآن آن أوان العمل لتشكيل جبهة واسعة، بعد الاتفاق على أسس تنظيمها، ومناهج عملها، وتمثيلها لكل قطاعات شعبنا، وان تبدأ، فورا، بعمل جاد لإيقاف الحرب. يتم ذلك بالصوت الموحد الذي يخاطب شعبنا، كما يخاطب العالم الخارجي ومنظماته، ويكشف خطاب الكراهية، ويحاصر مشعلي الحرب ودعاتها. مع احتفاظ كل تنظيم برؤيته، الخاصة، لمستقبل السودان وكيفية تحقيق التغيير المنشود.
الخاتمة:
العمل السياسي ليس شركة، لن تشارك فيها، أو تشتري أسهمها، حتى تضمن انها شركة تحقق أرباحا. والواقع الاجتماعي، معقد، ولا يمكن ان يدار بمعادلات رياضية، صارمة الدقة، مثل نتائج الخلطات الكيمائية، المعروفة النتائج سلفا. انها معقدة، حسب تغير الظروف المتغيرة أصلا، وعلينا خوض معاركها، والعمل الجاد لتغيير تلك الشروط، لصالح تقدم البشرية.
اختم بما قاله جوته:” النظرية رمادية والحياة في اخضرار دائم”
altaghyeer.info