خبر ⁄سياسي

المحاماة.. رسالة العدالة وحصن الحقوق.. الحلقة الثامنة: المحامي شريك في تحقيق العدالة

نشر:آخر تحديث:

المحاماة.. رسالة العدالة وحصن الحقوق

 الحلقة الثامنة: المحامي شريك في تحقيق العدالة

ميرغني الحبر/ المحامي

حين يُذكر المحامي، تتجه الأذهان غالباً إلى قاعة المحكمة؛ حيث يقف ممثلاً لموكله، يعرض الوقائع، ويناقش الأدلة، ويتمسك بالدفوع، ويسعى إلى حماية الحقوق. وهذه صورة أصيلة من صور عمل المحامي، لكنها لا تستوعب وحدها الدور الذي تؤديه المحاماة في منظومة العدالة.

فالمحامي لا يحضر إلى المحكمة لمجرد عرض وجهة نظر أحد أطراف النزاع، وإنما يسهم، من خلال دفاعه وما يقدمه من حجج ودفوع، في تمكين المحكمة من الإحاطة بوقائع القضية، وفهم أبعادها القانونية، والوصول إلى حكم يقوم على معرفة كافية بحقوق الأطراف وادعاءاتهم.

ومن هذه الزاوية، فإن المحاماة ليست مجرد مهنة تمثيل قانوني، بل إحدى الوسائل التي تتكامل بها أدوار العدالة، ويُتاح من خلالها للحق أن يجد من يعرضه، وللدفاع أن يؤدي وظيفته، وللقضاء أن يمارس سلطته على أساس من المواجهة القانونية بين الخصوم.

فالمحامي يدافع عن موكله، لكنه، من خلال هذا الدفاع، يسهم أيضاً في خدمة العدالة.

 الدفاع عن طرف… وخدمة العدالة

قد يبدو للوهلة الأولى أن هناك تعارضاً بين التزام المحامي بالدفاع عن مصالح موكله وبين مسؤوليته في خدمة العدالة؛ فالموكل يريد حماية حقه أو دفع اتهام عنه، بينما تتطلب العدالة النظر في حقوق الأطراف جميعاً، والتحقق من الوقائع، وتطبيق القانون على ما يثبت أمام المحكمة.

لكن هذا التعارض يزول حين نفهم طبيعة دور المحامي وحدوده.

فالمحامي ليس قاضياً حتى يتولى الفصل في النزاع، وليس مطلوباً منه أن يحل محل المحكمة في تقدير الأدلة أو تقرير المسؤولية. إنما تتمثل مهمته في تقديم دفاع جاد عن موكله، وكشف ما قد يشوب ادعاءات خصمه من ضعف، وإبراز ما يتوافر في القضية من وقائع أو مستندات أو دفوع قد تؤثر في النتيجة.

وقد يقود هذا الدفاع إلى تأكيد حق المدعي، أو إلى رفض دعواه، أو إلى تبرئة متهم، أو إلى إعادة النظر في تقدير واقعة أو دليل. وفي جميع هذه الحالات، لا يُقاس دور المحامي بمجرد النتيجة التي يريدها موكله، وإنما بقدرته على عرض القضية عرضاً قانونياً يساعد على الوصول إلى قرار عادل.

ولهذا، فإن الدفاع عن شخص متهم لا يعني الحكم ببراءته مسبقاً، كما أن تمثيل أحد أطراف النزاع المدني لا يعني أن المحامي يتبنى كل ما يقوله موكله بوصفه حقيقة نهائية. فلكل طرف حق في أن يُسمع دفاعه، وتظل مهمة الفصل في النزاع من اختصاص الجهة القضائية المختصة.

إن وجود المحامي في منظومة العدالة يضمن ألا تتحول سلطة الادعاء إلى حكم نهائي، وألا يصبح الاتهام بديلاً عن الإثبات، وألا يُحرم صاحب الحق من وسيلة قانونية للدفاع عنه.

ومن هنا، فإن الدفاع ليس عقبة أمام العدالة، بل ضمانة من ضماناتها.

 العدالة لا تبدأ عند باب المحكمة

إذا كان المحامي يؤدي دوراً مهماً في قاعة المحكمة، فإن إسهامه في تحقيق العدالة قد يبدأ قبل أن يصل النزاع إليها.

فكم من خلاف يمكن احتواؤه قبل أن يتحول إلى دعوى، وكم من معاملة يمكن تنظيمها بصورة تمنع النزاع، وكم من حق يمكن صونه بتوضيح قانوني في الوقت المناسب، أو باتفاق يحدد الالتزامات ويمنع تضارب التوقعات.

في هذه المساحة، يؤدي المحامي دوراً وقائياً لا يقل أهمية عن دوره في التقاضي. فهو يساعد الأفراد على فهم حقوقهم والتزاماتهم، ويسهم في تنظيم المعاملات والعقود، ويقدم المشورة التي تعين أصحاب المصالح على اتخاذ قرارات أكثر وعياً، ويشارك في تسوية المنازعات متى كان ذلك مناسباً ومقبولاً من أطرافها.

ولا يعني هذا أن كل نزاع يمكن تجنبه، أو أن التسوية هي الخيار الأفضل في جميع الحالات؛ فثمة حقوق لا تُصان إلا باللجوء إلى القضاء، وثمة خصومات يتعذر حلها خارج ساحاته. لكن وجود المحامي في المراحل السابقة على النزاع قد يمنع كثيراً من الخلافات التي تنشأ عن الغموض أو سوء الفهم أو غياب المعرفة القانونية.

وهكذا تتجاوز المحاماة معالجة النزاع بعد وقوعه إلى الإسهام في الحد من أسبابه، وتنتقل من موقع الدفاع عن الحقوق المهددة إلى المشاركة في حماية الحقوق قبل أن تصبح موضع خصومة.

 حين يسهم المحامي في إصلاح العدالة

لا تقتصر مساهمة المحامي في العدالة على القضية التي يتولاها، بل قد تمتد إلى الملاحظات التي تكشفها الممارسة اليومية بشأن القوانين والإجراءات وطريقة تطبيقها.

فالمحامي، بحكم احتكاكه المباشر بالمواطنين والمحاكم والمؤسسات، يواجه صوراً متعددة من المشكلات العملية: نصوص قد يكتنفها الغموض، أو إجراءات قد تؤدي إلى تأخير غير مبرر، أو تعقيدات قد تجعل الوصول إلى الحق أكثر كلفة وصعوبة، أو فجوات بين ما تقرره القواعد القانونية وما يواجهه الناس في واقعهم.

وهذه الخبرة الميدانية تمنحه فرصة للإسهام في تطوير العدالة، لا بمجرد انتقاد أوجه القصور، وإنما بتحويل ما يرصده إلى مقترحات واضحة للإصلاح، تستند إلى الوقائع والخبرة المهنية، وتراعي حقوق الأفراد ومتطلبات المؤسسات.

وقد يكون ذلك من خلال الكتابة القانونية، أو المشاركة في النقاش العام حول التشريعات، أو تقديم المقترحات إلى الجهات المختصة، أو الإسهام في أعمال الجمعيات والمؤسسات المهنية المعنية بتطوير القانون.

ولا يعني هذا أن المحامي يحتكر معرفة مشكلات العدالة أو يملك وحده حلولها؛ فالإصلاح مسؤولية تشترك فيها مؤسسات متعددة وتخصصات مختلفة. لكن من المهم ألا تُهدر الخبرة التي يكتسبها المحامون من واقع الممارسة، وألا تظل المشكلات التي يرصدونها حبيسة ملفات القضايا والمذكرات.

فالمحاماة لا تكتفي بالتعامل مع نتائج الخلل حين يقع، بل تستطيع أن تسهم في كشف أسبابه واقتراح ما يساعد على معالجته.

 المحامي والوعي القانوني في المجتمع

من صور الإسهام في العدالة أيضاً نشر الوعي القانوني بين الناس، ومساعدتهم على إدراك حقوقهم وواجباتهم، وفهم الوسائل المشروعة لحماية مصالحهم.

فكثير من النزاعات لا تنشأ بالضرورة عن تعقيد القانون وحده، وإنما قد تسهم فيها قلة المعرفة بالحقوق، أو الجهل بالإجراءات، أو الاعتماد على معلومات غير دقيقة، أو التأخر في اتخاذ الخطوة القانونية المناسبة.

وفي مجتمع يواجه ظروفاً استثنائية، وتتعرض فيه مصالح الناس وممتلكاتهم وعلاقاتهم لمخاطر متعددة، تصبح الحاجة إلى المعرفة القانونية أكثر إلحاحاً.

وهنا يستطيع المحامي أن يؤدي دوراً يتجاوز مكتبه وموكليه، من خلال الكتابة والتوعية، وتقديم المعلومات القانونية الموثوقة، والمشاركة في المبادرات التي تساعد الناس على فهم حقوقهم وسبل حمايتها.

لكن الوعي القانوني لا يعني مجرد إغراق الناس بالنصوص والمصطلحات، ولا تقديم إجابات عامة بمعزل عن ظروف كل حالة. إنه، في جوهره، تبسيط للمعرفة القانونية دون الإخلال بدقتها، ومساعدة للناس على التمييز بين الحق والادعاء، وبين الإجراء المشروع والممارسة التي قد تعرض مصالحهم للخطر.

فحين يعرف الإنسان حقوقه، ويدرك واجباته، ويفهم الطرق المشروعة للمطالبة بما له، يصبح أكثر قدرة على حماية نفسه، وأقل عرضة للاستغلال أو الوقوع في نزاعات كان يمكن تفاديها.

ومن ثم، فإن نشر الوعي القانوني ليس عملاً جانبياً منفصلاً عن رسالة المحاماة، بل أحد أوجه إسهامها في بناء مجتمع يحترم القانون ويحتكم إليه.

 المحاماة في السودان… مسؤولية تتجاوز حدود المهنه

وفي السودان، حيث ألحقت الحرب أضراراً واسعة بحياة الناس وممتلكاتهم ومؤسسات الدولة، تزداد الحاجة إلى دور المحامي في حماية الحقوق والمساهمة في استعادة الثقة في القانون.

فما خلّفته الحرب من فقدان للمستندات، ونزاعات حول الملكية، وتعقيدات في المعاملات، وتضرر للمصالح الخاصة والعامة، يضع أمام المحامين مسؤوليات تتجاوز إدارة الخصومات الفردية. فهناك حاجة إلى المساعدة في توثيق الحقوق، ومعالجة المنازعات بالوسائل القانونية، وتوضيح الإجراءات اللازمة لاستعادة المستندات أو إثبات الملكيات، والإسهام في النقاش حول ما تتطلبه مرحلة التعافي من حلول قانونية ومؤسسية.

كما أن إعادة بناء الثقة في العدالة لا تتحقق بمجرد عودة المحاكم إلى العمل أو استئناف الإجراءات؛ بل تحتاج إلى مؤسسات قادرة على أداء واجباتها، وإجراءات تتيح للناس الوصول إلى حقوقهم، وممارسة مهنية تسهم في ترسيخ احترام القانون.

وللمحامين في هذا السياق دور مهم، سواء من خلال عملهم المباشر مع المتضررين، أو عبر مؤسساتهم المهنية، أو بالمشاركة في تقديم المقترحات التي تعين على معالجة المشكلات القانونية التي أفرزتها الحرب.

غير أن هذا الدور لا ينبغي أن يُحمّل المحامي ما يتجاوز اختصاصه أو قدرته، ولا أن يُتخذ بديلاً عن مسؤوليات الدولة ومؤسسات العدالة. فالمحامي شريك في بناء العدالة، لكنه ليس بديلاً عن القضاء، ولا عن الجهات التشريعية والتنفيذية، ولا عن سائر المؤسسات التي يتوقف عليها استقرار الحقوق وسيادة القانون.

إن أهمية دوره تنبع من قدرته على أداء واجبه المهني، والمشاركة بخبرته في الإصلاح، والدفاع عن الحقوق في الظروف التي تكون فيها الحاجة إلى الحماية القانونية أشد إلحاحاً.

 شراكة لا تكتمل إلا بتكامل الأدوار

إن وصف المحامي بأنه شريك في تحقيق العدالة لا يعني منحه دوراً يتجاوز حدود مهنته، ولا تحميله مسؤولية إخفاقات لا يملك السيطرة عليها. بل يعني الاعتراف بأن العدالة لا تقوم بجهد مؤسسة واحدة، وإنما بتكامل أدوار متعددة، لكل منها اختصاصها ومسؤوليتها.

فالقضاء يفصل في المنازعات، والنيابة تؤدي اختصاصاتها في إطار القانون، والجهات التشريعية تضع القواعد المنظمة للحياة العامة، والمؤسسات المعنية بإنفاذ القانون تضطلع بواجباتها وفق اختصاصاتها، بينما يسهم المحامي في حماية حقوق الأفراد، وضمان فاعلية الدفاع، وتقديم المعرفة القانونية، وكشف أوجه القصور التي تظهر في واقع الممارسة.

ولا تستقيم هذه الشراكة إذا حاول طرف أن يحل محل الآخر، أو إذا أُضعف دور من الأدوار التي تقوم عليها منظومة العدالة. كما لا تتحقق بمجرد الدعوة إلى التعاون، بل تحتاج إلى احترام الاختصاصات، والالتزام بالقانون، وتوفير الظروف التي تمكّن كل جهة من أداء واجبها.

وفي قلب هذا التكامل يظل المواطن هو الغاية؛ فالمؤسسات ليست غاية في ذاتها، وإنما تستمد مشروعيتها العملية من قدرتها على حماية الحقوق، وتحقيق الإنصاف، وإتاحة سبل قانونية فعالة لمعالجة النزاعات.

ومن هنا، فإن الدفاع عن مكانة المحاماة ليس مطلباً مهنياً ضيقاً، بل هو دفاع عن حق المجتمع في وجود مهنة قادرة على تمثيل أفراده، وإيصال أصواتهم إلى مؤسسات العدالة، ومساعدتهم على حماية حقوقهم بالوسائل القانونية.

 من الدفاع عن الحقوق إلى بناء العدالة

إن رسالة المحاماة أوسع من عدد القضايا التي يكسبها المحامي، وأعمق من قدرته على المرافعة أو صياغة المذكرات. فقيمة المهنة تظهر أيضاً في النزاع الذي تمنع وقوعه، والحق الذي تساعد على صونه، والمعرفة التي تنشرها، والخلل الذي تكشفه، والمقترح الذي يسهم في إصلاحه.

وهذا لا ينتقص من الدور الأساسي للمحامي في الدفاع عن موكله، بل يضع هذا الدور في إطاره الأوسع. فالمحامي الذي يؤدي واجبه بكفاءة يسهم في حماية حقوق الأفراد، والمحاماة التي تحافظ على قدرتها على أداء هذا الواجب تسهم في تعزيز الثقة في منظومة العدالة كلها.

ولذلك، فإن الحديث عن المحامي شريكاً في تحقيق العدالة ليس دعوة إلى توسيع شعارات المهنة، وإنما إلى توسيع إدراك مسؤوليتها، وإلى النظر في أثر العمل القانوني على المجتمع، وفي الدور الذي يمكن أن تؤديه الخبرة المهنية في حماية الحقوق وتطوير المؤسسات.

فالمحاماة لا تكتفي بأن تكون حاضرة حين يقع النزاع؛ إنها تستطيع أن تسهم في بناء الظروف التي تجعل احترام القانون وسيلة لحماية الحقوق، ومعالجة الخلافات، وصون كرامة الإنسان.

لكن هذه الرسالة، مهما اتسع مداها، تظل مرتبطة بقدرة المهنة على مواكبة التحولات التي يعيشها المجتمع، وعلى مراجعة أدواتها ومؤسساتها، وعلى الاستعداد للمستقبل دون التفريط في أصولها وقيمها.

وهنا يبرز سؤال الحلقة القادمة: كيف تستطيع المحاماة السودانية أن تطور نفسها، وتستعيد دورها، وتواجه تحديات المستقبل، دون أن تفقد هويتها ورسالتها؟

ذلك ما نناقشه في الحلقة التاسعة، ونحن نقترب من السؤال الأوسع الذي يرافق هذه السلسلة منذ بدايتها: كيف نحمي المحاماة لتظل حصناً للحقوق ورسالة للعدالة؟.

المحاماة.. رسالة العدالة وحصن الحقوق.. الحلقة السابعة: أخلاقيات المحاماة

altaghyeer.info