القياس الفاسد من اجل التطبيل للجيش
القياس الفاسد من اجل التطبيل للجيش
رشا عوض
حكاية ان الايرانيين كلهم بمن فيهم المعارضة وقفوا مع دولتهم في الحرب لانهم وطنيين ، بينما لم يقف السودانيون خلف دولتهم في حرب ١٥ ابريل لانهم لا يميزون بين الوطن والنظام الحاكم ولا يحرصون على مؤسسة الدولة، ولا يدركون قيمتها ، هذه الحكاية عبارة عن هراء تام وقياس فاسد !
ايران تخوض حربا ضد دول اخرى في اطار توسيع نفوذها الاقليمي والايدولوجي في المنطقة، إذ ان لها اذرعا مسلحة في لبنان وسوريا واليمن، وتدعم فصائل المقاومة المسلحة في فلسسطين، وتعلن انها ترغب في محو ازرائيل من الوجود ، بسبب هذا الموقف شنت ازرائيل وامريكا حربا مدمرة على ايران دمرت بنيتها التحتية ومقدراتها العسكرية وبرنامجها النووي الذي كلف مليارات الدولارات، واستنزفت مواردها وفقد الاف الايرانيين ارواحهم وممتلكاتهم بايدي دول اجنبية ، مفهوم جدا ان يتوحد الايرانيون في رفض الحرب المدمرة على بلادهم خصوصا انهم دولة ذات ماضي امبراطوري ، وقومية متماسكة، ويرغبون في الاحتفاظ ببنية الدولة التحتية ومواردها ومنشآتها الحيوية من التدمير، هذا منطق الايراني الذي يعارض الحرب ضد بلده .
وهذا لا ينفي ان هناك ايرانيين يحملون النظام الحاكم مسؤولية كل هذه الويلات، وينتظرون الوقت المناسب للتخلص منه ، ويرونه مجرما لا بطلا، ولا يمكن الجزم بأن الشعب الايراني لم يتحرك لاسقاط النظام أثناء الحرب لأنه اختار ” توحيد الجبهة الداخلية” ضد الاجانب، فالشعب الايراني رازح تحت وطأة قمع رهيبة زاد عنفها وجبروتها اثناء الحرب ، فالشعب الايراني ليس حرا في ترتيب اولوياته السياسية ومن حاول ترتيب الاولويات ضد ما يريده النظام سيكون الثمن حياته ببساطة! والنظام يمتلك اذرعا للاغتيالات حتى في الخارج ، والذي يؤكد ان حكاية الجبهة الداخلية الموحدة غير صحيحة هو حجم اختراقات الموساد للنظام التي افتضحت خلال الحرب ، وحتى قبل الحرب تمكن الموساد في فبراير ٢٠١٨ من سرقة الارشيف النووي الايراني بالشاحنات من داخل ايران! وهذا يدل على ان الجبهة الداخلية للنظام الحاكم نفسه غير متماسكة ناهيك عن جبهة الشعب بتنوعه الكبير ، والدرس المستفاد من ذلك هو ان قمع الداخل لا ينتج سوى الهشاشة والضعف البنيوي تجاه الاعداء الخارجيين ! نظام مخترق لدرجة سرقة ارشيفه النووي ! ولدرجة اغتيال قيادات صفه الاول الامنية والعسكرية والسياسية وعلمائه المتميزين داخل غرف نومهم بدقة فائقة ! من الغريب جدا ان يتحدث شخص عن ان الجبهة الداخلية في ايران توحدت طوعا واختيارا خلف نظام هو نفسه غير موحد ومخترق لهذه الدرجة ! ان عدم سقوط النظام الايراني حتى الان ليس دليلا على تماسكه او التفاف الشعب حوله ، وليس مستبعدا ان يسقط النظام الايراني بعد هذه الحرب مباشرة او يصمد لسنوات ، ولكن على كل حال سقوطه مسألة وقت لا اكثر.
ولكن السؤال المهم في سياق دعوة القوى المدنية السودانية للاقتداء بالمعارضة الايرانية وفي هذا الاطار مساندة الجيش ، ما هو وجه المقارنة بين الحرب في ايران وهي حرب بين دولة ودول اخرى معادية لها ، وبين الحرب القذرة في السودان بين فصيلين عسكريين كانا يشكلان في الامس القريب جدا جناحين في مؤسسة عسكرية واحدة داخل دولة واحدة يمارسان القتل والنهب ضد مواطني هذه الدولة يدا بيد وكتفا بكتف ، وكل جناح منهما يتغزل في الاخر ؟ حرب محورها صراع السلطة بين جناحين عسكريين كانا تحت سيطرة نظام الحركة الاسلامية التي ثار ضدها الشعب، ثم خرج احدهما ( الد.عم السريع) عن طوع هذه الحركة واستقل باطماعه السلطوية ، فركبت الحركة الاجرامية فوق ظهر الجناح الاخر ( الجيش) وخاضت به حربها ضد الجناح المتمرد الذي يوجد داخله هو الاخر عناصر من نفس الحركة وعناصر من نفس الجيش! ، وخلف كل فصيل عسكري حواضن شعبية سودانية تؤيده وتمده بالمقاتلين ، فتطورت حرب السلطة هذه الى انقسام اداري واجتماعي في الوطن الواحد ، حكاية ان هذه حرب ضد الدولة ومؤسساتها باعتبار ان الجيش يمثل الدولة في حربها ضد المليشيا، وعدم الاصطفاف خلفه في هذه الحرب هو انحياز ضد الدولة وضد الوطن ، هي مجرد حكاية ، مجرد رواية رسمية ، مجرد سردية لاحد طرفي الحرب، وهي سردية لا تصمد امام الفحص الموضوعي، فلو كان السبب الذي يجعل الاصطفاف خلف الجيش واجبا وطنيا مرتبطا بحماية الدولة من الخطر المليشياوي فمن حقنا ان نتساءل ، هل يخوض الجيش حربا لانهاء الحالة المليشياوية في البلاد بشكل جذري وانطلاقا من قاعدة مشروع وطني ضد التمليش من حيث هو؟ ام انه بحربه هذه يسعى لخلق حالة مليشياوية جديدة ! يتسابق لحصد ثمارها كل من جماعة “البرهان- علي كرتي” وجماعة “نافع واخوانه”؟ وجماعة مناوي- جبريل ؟ كم عدد المليشيات التي تشكلت وتمددت وتضخمت عسكريا واقتصاديا وسياسيا اثناء هذه الحرب؟ وتبعا لذلك كم عدد الحروب التي تنتظرنا للقضاء على التمردات المتوقعة؟ وما هو المنطق الذي يجعلنا نستبعد ان تسلك المليشيات المساندة للجيش حاليا نفس سلوك الد.عم السريع وتشق عصا الطاعة لتنال ما تعتقد انها حقها في السلطة والثروة؟ خصوصا في ظل غياب اي مشروع وطني محترم للاصلاح الامني والعسكري ، واعادة بناء المنظومة الامنية والعسكرية على اسس وطنية ومهنية، مشروع يؤسس لسلطة مدنية ديمقراطية ويخرج الجيش من السياسة والاقتصاد، بل ان المشروع السياسي الموجود فعلا هو مشروع تناسب ظل السلطة طرديا مع ظل البندقية! مشروع اللغفيبة المحمية بالسلاح ! مشروع الجيش الذي يتفرغ للحكم والتجارة وحيازة الموارد بالقوة كوظيفة اساسية ، و يسند القتال لمليشيات من خلفيات عرقية وجهوية وقبلية متناقضة ومتنافسة، فيوظفها الجيش لمحاربة خصومه السياسيين لانه حزب سياسي مسلح، ويتلاعب بتناقضاتها ليضرب بعضها ببعضها الاخر اذا مدت رأسها الى مائدة السلطة والثروة ! وهذا نفس المنهج الذي قاد الى الحرب الحالية!
فأين هي ” مؤسسية الدولة” التي نحن مطالبون بالوقوف خلفها؟ منذ اندلاع هذه الحرب ما هو ملخص الخطاب السياسي للجيش الذي يجعلنا نطمئن انه حريص على الدولة؟ ما هي مواصفات الدولة التي يبشرنا بها الجيش وحلفاؤه الكيزان بعد القضاء على الد.عم السريع؟ اليست هي دولة الحكم العسكري الفاسد المستبد ! ودولة المليشيات المتناسلة المتنافسة! ودولة تجريم وتخوين اي حديث عن الاصلاح ولا سيما لو اقترب من الجيش ؟ اليست هي دولة بطبيعتها البنيوية تجلس على فوهة بركان نشط للحرب الاهلية يمكن ان ينفجر في اي لحظة حتى لو تم حسم الد.عم السريع عسكريا وطرده الى خارج الحدود ؟
لماذا عندما اندلعت هذه الحرب لم يتم التجنيد لها تحت مظلة الجيش مباشرة؟ حتى يكون لكل جندي ملف ، ولكل سلاح رقم متسلسل مسجل في سجلات القوات المسلحة، ولا يكون هناك تجنيد ولا تدريب ولا اوامر خارج الجيش؟
ما دام الجميع يزعمون ان هذه حرب من اجل الدولة ، وان الجيش هو الممثل الشرعي للدولة او هو الدولة ذات نفسها، فلماذا لا يبدأ تطبيق شعار “جيش واحد شعب واحد” من حلفاء الجيش انفسهم فيدخلون في مظلته زرافات ووحدانا ويندمجون في هياكله؟ لماذا هناك المشتركة ودرع السودان ودرع الشمال والبراء بن مالك والبرق الخاطف والنجم الساطع والبنيان المرصوص والزبير بن العوام وهيئة العمليات وعقار وطمبور ومليشيات الشرق ومليشيا موسى هلال وفي الطريق درع الغرب بقيادة النور القبة ومن سيأتي بعده من الجنجوويد الى حضن الوطن! ولكل مليشيا قيادتها المستقلة وميزانيتها وتسليحها الخاص واطماعها الخاصة التي برزت الى السطح بقوة حتى قبل ان تضع الحرب اوزارها ؟
الاجابة باختصار هي ان كل هؤلاء تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى! والدولة لا تعني لديهم سوى غنيمة! كل يرغب في افتراسها على طريقته، ولا احد فيهم يتحدث عن ضرورة استيفاء اهم شرط من شروط الدولة الوطنية الحديثة وهو احتكار العنف بواسطة جيش واحد وفي اطار قانوني ودستوري!
وحدها القوى المدنية التي يتهمونها زورا وبهتانا بالعداء للدولة وعدم التمييز بين النظام الحاكم والوطن هي من يتأسس خطابها السياسي على حزمة اصلاحات جوهرية لانقاذ الدولة من براثن المليشيات، وانقاذ الجيش من براثن الحركة الاسلامية اسما الاجرامية فعلا، واعادة بناء الجيش على اسس مهنية ووطنية، واخراجه من السياسة والاقتصاد ، ليكون جيشا حاميا لدولة مدنية ديمقراطية، فكيف يكون الحرص على الدولة ومؤسساتها ومؤسسيتها بدون رؤية واضحة لمعالجة اختلالاتها البنيوية التي تجعلها في حالة احتراب اهلي دائم ينذر بتقسيمها!
من الذي يجب اتهامه بعدم التمييز بين الوطن والنظام الحاكم وعدم الحرص على الدولة ؟ القوى المدنية التي تطالب بمخاطبة جذور الحرب الاهلية، ومعالجة العيوب الهيكلية في الدولة التي تنذر بانهيارها ، وتطالب بايقاف الحرب ام الاجنحة العسكرية التي تتصارع على السلطة بالاسلحة الثقيلة فوق رؤوس النساء والاطفال ووسط البيوت والمدارس والمستشفيات؟ ما هو المنطق الذي يتوج حكومة العسكر الانقلابية كحامية لحمى الدولة في الوقت الذي تتكسر الدولة طوبة طوبة نتيجة قتال شرس تدور رحاه بين فصائل العسكر! وليس بين فصائل المدنيين الذين ليس لهم في هذه الحرب دبابة ولا تاتشر؟
ان الذين لا يميزون بين النظام الحاكم والوطن بلسان حالهم ومقالهم هم الذين اختاروا احراق البلاد بالحرب على مغادرة مقاعد السلطة الانقلابية ! هم من قالوا : يا سودان بي فهمنا يا مافي سودان! هم من ردوا تحية الثورة السلمية بفض الاعتصام ثم بالانقلاب ثم بالحرب ! فكيف تنطلق مواعظ الحفاظ على الدولة والتمييز بين الوطن والنظام الحاكم من ابواق الكيزان و العسكر ؟! فهذه المواعظ هم الاولى بها بل يجب ان تصب في آذانهم ليل نهار ! هم المطالبون باثبات وطنيتهم وحرصهم على الدولة وتمييزهم بين الوطن والنظام الحاكم ! فلماذا نجد من يتواطأ مع العسكر في ترسيخ اكبر اكاذيبهم على الاطلاق وهي انهم يمثلون درع حماية للدولة وان معيار الوطنية هو مساندتهم؟!
altaghyeer.info