خبر ⁄سياسي

قول لحسين هناك في الشرفة

نشر:آخر تحديث:
قول لحسين هناك في الشرفة

قول لحسين هناك في الشرفة 

التقي البشير الماحي

مرّت قبل أيام الذكرى الثانية والستون لثورة أكتوبر، وبلادنا تمر بأسوأ أيامها فالسوداني أصبح بين نازح ولاجئ ومن بقي تحمل أهوال من العذاب بينما الحرب مازالت مستعرة تهدد بقاء الدولة السودانية على الخارطة.

وفي ذكرى الثورات التي تعاقبت على السودان يقف البعض ليستلهم منها الدروس والعبر ويستعرض حصادها وأوجه قصورها وقد وجدها “مفطوم اللبن الذي لن يُسكته اللولاي” السيد حسين خوجلي فرصة محاولا اخذها على أسوأ وجه للمقارنة بين أكتوبر وديسمبر للنيل من ديسمبر والتقليل منها.

أراد حسين النيل من ديسمبر بالمقارنة بين احتفاء جيل أكتوبر ممثلًا في محمد المكي إبراهيم الذي عُرف بشاعر الأكتوبريات وكان يساريّ الهوى، فهو من جيلٌ منتِج ومبدع وبين جيل ديسمبر، حيث اختار “دسيس مان” وأشعاره مثالًا للتقليل من هذه الثورة العظيمة.

ولو كان أمين مع نفسه لأحسن الإصغاء وأزهري محمد علي يناديه من على شرفة عار القيادة العامة يوم أن قال له قول لحسين هناك في الشرفة حمدا لله الوصلنا سلامة زي يوم الوقوف بي عرفة والنَّاس الهناك أياما شاهرين الهتاف سلمية رافعين الأيادي علامة اتنين بالكتير في المية والباقي بنتمو شهامة.

ولو استقبل حسين من أمره ما استدبر، لما قال مثل هذا الحديث إذ كيف يتسنى لمن ساهم في تجريف وعي أجيال كاملة وتدمير بنيان الوطن أن يوزع صكوك الصلاح على جيلٍ دفع فاتورة أخطائهم من دمه وعرقه؟.

فجيل أكتوبر لم يُقم “بروس” كما تقول عاميتنا بل هو جيلٌ تربّى في كنف الاستعمار فأحسن المستعمر التربية وتشرّبوا قيم الأخلاق على يد من يحسبهم خوجلي كفارًا بينما فعل الإخوان العكس وفي هذا المقام، تذكرت نكتة ذلك المزارع الذي شاهد بعض الخواجات داخل مشروع الجزيرة في رحلة بحثية، فظنّ أنهم قد عادوا وأسرع لهم مخاطبًا “الحمد لله أنكم رجعتوا، بعدكم ضقنا المر”.

لقد كان المستعمر ارفق بأهل السودان منكم لقد تعلم جيل أكتوبر ومعظمه من الطبقة الوسطى من عائد المشاريع التي أقامها المستعمر ورغم ذلك كان جيلًا مُشبعًا بالعلم والأخلاق والقيم.

أما جيل ثورة ديسمبر، فهو جيل “الإنقاذ” الذي تعلّم فقط أن يكرهها فقد تربّى علي مشاريعكم التي تجيد فقط سفك الدماء وإراقتها، ولم يرَ في الحياة تحت ظلال حكمكم غير الموت، ومن دينكم غير الكذب والنفاق وقشور الدين لذلك كان مبدئيًا أكثر من غيره و لم ينل ما ناله جيل أكتوبر، لقد تعلّم بدمائه ودموعه لذلك كان إيمانه أقوى وعزيمته كذلك خاض معركته وقدّم من الشهداء ما لم تقدّمه ثورتا أكتوبر وأبريل فقط من أجل أن يعيش حياة كريمة.

جيلٌ أراد الحياة بينما يريد حسين لهم الموت ويدفعهم لذلك دفعا، حسين الذي أقر يوما باستلام مبلغ كبير من المال نظير سمسرة في قطاع النفط، بنى بها بيته في الطائف وليست داره في الآخرة.

يقارن حسين خوجلي بين جيلين جيلٍ تربّى قبل أكتوبر فأحسنوا تربيته، وجيلٍ تربّى في عهد الإنقاذ فتعلّم فقط أن يُحسن كرهها من هول ما رأى من حروب وجوع وتجريف لكل ما هو جميل، لذلك هتف “الموت ولا الكيزان”.

حسين، لقد فاتك القطار، فما عادت الصحافة تحتاج إلى ميزانيات من “بنك التضامن” و”بنك فيصل” لترفع بها راية النفاق. جيل ديسمبر تغنّى بأشعار حميد ورددها أمام بوابة القيادة، وهتف لدارفور يا العنصري المغرور: “كل البلد دارفور”.

وإقرارًا من هذا الجيل بقلة حيلته وعجزه بفعل سياساتكم، كأني به يستعير قول أبي العلاء المعري (هذا جناه أبي عليّ وما جنيتُ على أحد) لذلك قال أحدهم (أريتو كان حميد شديد).

altaghyeer.info