ثمن البقاء في سنار أثناء سيطرة الدعم السريع: سنتان من الاعتقال بسبب الوقود والزراعة

أمستردام: الإثنين 2 نوفمبر 2026م: راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري
تتواصل حملات استهداف الناشطين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان من قبل السلطات في بورتسودان، الخرطوم أو نيالا، بذات النهج والآليات وبذريعة أو جريمة واحدة هي “التعاون” مع الطرف الآخر، أياً منهما، في حين تستقبل حكومة بورتسودان المنشقين من قوات الدعم السريع وتقيم لهم الاحتفالات بادعاء تحقيق انتصار بشق صفوف الخصم، بينما يُزج بالأبرياء في السجون والمعتقلات.
ثمة تحايل على القانون تقوم به السلطات في الخرطوم أو بورتسودان، بينما لا نسمع في نيالا عن محاكم، وما زالت مراكز الاحتجاز تعج بالأبرياء من المعتقلين والأسرى، مع ارتفاع حالات الوفيات أسبوعياً بسبب الازدحام وتفشي الأمراض والأوبئة.
ومن بين النشطاء المعتقلين والذين يُحاكمون بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع، الناشط الرشيد خالد الذي ظل حبيساً يتنقل بين المعتقلات في القضارف، كسلا وأخيراً بورتسودان، لتبدأ إجراءات محاكمته بعد أكثر من عام مع تأجيل متكرر ومماطلات وتسويف واضح.
الاعتقال بسبب الزراعة
وفي هذا الصدد، تقول زوجة المعتقل الرشيد خالد، امتنان الفاضل الناير أحمد لـ “راديو دبنقا” إنه سلَّم نفسه للخلية الأمنية في القضارف في يناير 2025م جراء تعرضه لمضايقات وإدراج اسمه ضمن قائمة من المطلوبين، مبينةً أن استجواب المتحري كان يدور حول زراعته في المنطقة أثناء فترة سيطرة الدعم السريع.
وتضيف قائلة: “نعم، الرشيد كان قد زرع في تلك الفترة ليطعم أهله، خاصة وأن المنطقة كانت مهددة بالمجاعة مع انعدام السلع وارتفاع أسعارها، والرشيد لم يكن قادراً على فعل شيء لأنه كان مهموماً بأمه وأبيه المريض بالسكر، كما كان خائفاً على حياتي من الإجهاد والتعب وقد كنت حاملاً في الشهر الثالث. بعدها نزحنا إلى ثلاث مناطق قريبة من منطقة الدالي في ظل ظروف قاسية جداً خلال فترة موسم الخريف، ولم نجد الاستقرار والراحة في أي مكان، وبعدها عدنا إلى منطقتنا”.
وتشير إلى أن الخلية الأمنية عقب نشر اسم زوجها الرشيد قامت بالبحث عنه؛ فحَضَرت إلى المنزل بعد انتقالهم إلى القضارف، ضمن رحلة نزوح استمرت لعدة أيام، حيث استقر بهم المقام في ولاية القضارف. وهناك تم اعتقال زوجته امتنان وشقيقتها وتُركتا في الحجز كرهائن لحين تسليم زوجها الرشيد نفسه للسلطات، وبالفعل تم ذلك في اليوم نفسه.
وبدت امتنان متحسرة وهي تذرف الدموع لعدم مرافقة زوجها الرشيد لوالده طيلة فترة المرض، كما لم يحضر مناسبة قدوم طفله الأول، وتابعت قائلة: “وحتى الآن لم يرَ الرشيد طفله الأول ولم يحمله بين يديه.. وأين العدالة هنا؟”.
وناشدت السلطات بالإفراج عن زوجها الرشيد في أسرع وقت، وقالت: “ثقتنا في الله كبيرة في أن المحكمة بإذن الله ستنصف الحق، ونحن نطالب الجهات المختصة بأن تطلق سراح الرشيد عاجلاً غير آجل”.
تهم ملفقة
وتقول هويدا خالد محمد أحمد، شقيقة المعتقل الرشيد: “أضيف إلى حديث الأخت امتنان زوجة الرشيد، أن الرشيد ظل في المعتقل لفترة ما يقارب العامين، وحتى تاريخ اليوم لم يجد أي إنصاف أو عدالة تحقق له الحرية.. الرشيد معتقل بسبب تهم كاذبة وملفقة”.
وتشير إلى أن شقيقها الرشيد عانى هو نفسه معاناة كبيرة من شدة القسوة والظروف القاهرة خلال فترة الحرب؛ حيث نُهبت أمواله من قبل أفراد قوات الدعم السريع، وصادروا هاتفه المحمول وهاتف زوجته بالإضافة إلى خمس أبقار، كما تعرض للتهديد والسب والإهانة داخل منزله من قبل هذه الميليشيا، متسائلة: “فكيف بعد كل هذا يكون متهماً بالتعاون مع جهة تضرر منها؟”.
وتضيف: “بالإضافة إلى ذلك، فإن أسرة الرشيد عانت في غيابه؛ فأمه وأبوه لا ينامان الليل، لدرجة أن والده بعد أن أصيب بجلطة وبُترت ساقه اليسرى زادت معاناته وهو الآن طريح الفراش، ووالدته أيضاً تعاني من مرض السكري وأصيبت بجلطة كذلك”. وتابعت: “كل هذه الأحداث ترتبت على الآثار الناتجة عن اعتقال ابنهما الرشيد، ونحن كأسرته نطالب الجهات الرسمية ونناشدهم بأن يتم الإفراج عنه حتى تتحقق العدالة وينال الحرية”.
اعتقال لأكثر من مرة
من جهته، يقول الناشط وعضو لجان المقاومة محمود الزين، وهو محامٍ وصديق للمعتقل الرشيد خالد، إنه معتقل منذ سبتمبر عام 2024م بسبب نشاطه في المجال العام والسياسي والثقافي، مشيراً إلى أن الرشيد كانت له مبادرات عديدة في منطقته بالدالي والمزموم لرفع الوعي السياسي وتنمية المجتمعات المحلية ونشر الثقافة.
ويضيف الزين في حديثه لـ “راديو دبنقا” أن صديقه الرشيد عمل على بناء وتهيئة الكثير من المعالم الثقافية والمكتبات وتأسيس الأندية، وخاصة أندية القراءة والاطلاع بمدينة الدالي.
ويؤكد أن الرشيد أحد الشباب الفاعلين في ثورة ديسمبر، وتعرض للاعتقال أكثر من مرة إزاء نشاطه المناوئ لحكومة الجبهة الإسلامية في السودان، ودفع ضريبة مواقفه هذه قبل الثورة وبعدها وما زال.
ويشير الزين إلى أن الرشيد نشط في منطقته بشكل مكثف في العمل الإنساني وقاد مجموعة من المبادرات في العديد من النزاعات ذات الطابع القبلي بالمنطقة، لتقديم المساعدات للمحتاجين وللأسر المتعففة وأيضاً للنازحين بإمدادهم بالمواد الغذائية والاحتياجات الأساسية الضرورية خلال فترة الحرب.
رحلة نزوح طويلة
ويعود الناشط الحقوقي محمود الزين للحديث عن تفاصيل ملابسات اعتقال صديقه الرشيد، فيقول: “بدأت قصة الرشيد بعد اجتياح قوات الدعم السريع للولاية، وكان برفقة والده وزوجته في مدينة الدالي. والمدينة أساساً لا توجد فيها طرق تربط بينها وبين باقي مدن ومحليات الولاية، خاصة في فصل الخريف حيث تنقطع الحركة بشكل كبير عن أقرب المدن إليها مثل مدينة سنجة عاصمة الولاية، وذلك بعد اجتياح الدعم السريع للولاية وانتشاره السريع وسيطرته على محلياتها”.
ويتابع: “إن الرشيد استمر في نشاطه الإنساني بتقديم الخدمات للمحتاجين، لكنه رأى أن اليد الواحدة لا تصفق؛ بالتالي قرر أن يغادر المدينة هو وزوجته، وخاضا رحلة نزوح طويلة استمرت لعشرات الأيام نسبة لوعورة الطرق وهطول الأمطار. وبعد أن وصل إلى مدينة القضارف، فوجئ بأن اسمه منشور في قائمة صادرة عن النيابة العامة ومطلوب منه تسليم نفسه”.
وعبر الزين عن أسفه الشديد لكون الرشيد ظل معتقلاً لأكثر من سنتين دون أي ذنب سوى أنه ناشط في منطقته كمدافع عن حقوقه الأساسية، ورافع للوعي الثقافي، ومساهم في حركة التغيير ضمن شباب ثورة ديسمبر المجيدة.
وخلص إلى أن اعتقال الرشيد الهدف منه تصفية حسابات سياسية من قبل النظام الإسلامي العسكري الذي يحاول تشويش سمعة أي خصم سياسي وتفريغ غضبه السياسي تجاهه.
ويرى أن هناك مماطلات في إجراءات محاكمة الرشيد، مشيراً إلى أن الجلسات دائماً ما تكون في فترات متباعدة؛ جلسة تنعقد بعد شهر، وأخرى بعد شهرين، وعزا هذا التلكؤ إلى عدم وجود بينة كافية أو أدلة دامغة تدينه، معتبراً أن كل ما يُقال عنه مجرد كلام.
ويؤكد الزين أن الرشيد لا يزال صامداً على موقفه ومبدئه، ورفض الانحياز في هذه الحرب الحالية لأي طرف؛ لذلك فهو يدفع ثمن رفضه هذا وتتم محاكمته بجريرة وقوفه ضد الحرب ودعوته لإيقافها، معرباً عن أمله في أن تجد قضية الرشيد اهتمام المنظمات الدولية الحقوقية والمهتمة بحقوق الإنسان والحريات.
تغيب المتحري
ومن جانبها، أطلقت لجان المقاومة بولاية سنار حملة واسعة لإطلاق سراح الناشط الرشيد خالد، عضو لجان مقاومة الدالي والمزموم، مبينة أن التهمة الكيدية الموجهة إليه هي “التعاون”، استناداً إلى استنتاجات تتعلق بقيامه بالزراعة في منطقته بالدالي أثناء خضوعها لسيطرة الدعم السريع، وكان “الدليل غريباً” وهو: (من أين أتيت بالجاز الذي زرعت به؟).
وأوضحت اللجان في بيان اطلع عليه “راديو دبنقا” أن المتحري تغيب عن ثلاث جلسات للمحكمة، ما دفع القاضي إلى إصدار أمر بالقبض عليه، ثم أرسل المتحري ملف التحري مصوراً بدلاً من تقديم أصله (“دفتر يوميات التحري”)، فتأجلت الجلسة مجدداً، في واقعة تثير تساؤلات جدية حول أسباب تعطيل الإجراءات وإطالة أمد احتجازه. وقد وصل الأمر بالرشيد خالد إلى الإضراب عن الطعام احتجاجاً على استمرار احتجازه وتعطيل إجراءات محاكمته.
وأكدت لجان مقاومة سنار أن احتجاز مواطن طوال هذه المدة مع تكرار تعطيل المحاكمة أمر بالغ الخطورة؛ فلا يجوز أن يتحول الاعتقال إلى عقوبة مفتوحة أو أن يُترك المعتقل رهينة لغياب المتحري والمماطلة في تقديم المستندات، معتبرة أن القيام بالزراعة في منطقة خاضعة لسيطرة أحد أطراف الحرب لا يثبت في حد ذاته جريمة التعاون؛ فالعدالة تقوم على الأدلة لا على الافتراضات أو الاتهامات الملفقة والكيدية.
وطالبت اللجان بالإفراج الفوري عن الرشيد خالد وإنهاء هذا الاحتجاز المطوّل دون إبطاء، مع ضمان انعقاد جلسة 5 نوفمبر 2026م دون تأجيل، وإلزام جهة الاتهام بتقديم أصل ملف التحري وأدلتها وتمكين الدفاع من الاطلاع عليها كاملة.
وحذرت لجان مقاومة سنار من أنها لن تقبل أن تُهدر حرية الرشيد خالد خلف أبواب السجون، وأن تصبح الإجراءات القانونية غطاءً لاحتجاز بلا نهاية، محمّلةً السلطات القضائية والجهات المختصة مسؤولياتها كاملة، ومطالبة بوضع حد لهذه المماطلة وضمان عدالة حقيقية لا انتقائية فيها.
dabangasudan.org