خبر ⁄سياسي

Epiphany ـــ يوم التجلي

نشر:آخر تحديث:
Epiphany ـــ يوم التجلي

سرديات..
-الزاكي عبد الحميد أحمد-

Epiphany ـــ يوم التجلي

هذه الكلمة الانجليزية لها مدلول ديني يحتفي به اخوتنا المسيحيون ويعدونه شعيرة دينية ينبغي الالتزام بها كعقيدة، وتعني لغةً *يوم التجلي* اي يوم ظهور الحق الذي لا يشوبه باطل..

وتعني الكلمة حرفيا *عيد الغطاس* وهو الانغماس الكامل في الماء، في إشارة إلى تعميد السيد المسيح في نهر الأردن. يعرف العيد أيضاً بعيد *الظهور الإلهي* أو *عيد العماد* ويرمز إلى التطهر من الذنوب وبداية حياة جديدة يجددون فيها العهد الروحي، بالاحتفال بذكرى ظهور المسيح..

اما شاعر انجلترا الأكبر شكسبير ، فقد جعل هذه الكلمة محورا لواحدة من أشهر مسرحياته الساخرة..

اعياد الكريسماس في زمن شكسبير كانت تبدأ من الخامس والعشرين من ديسمبر وتنتهي في الخامس من يناير، ليكون اليوم السادس من الشهر، هو يوم *التجلي* أو يوم ظهور الحقيقة..

ويقول السرد الانجيلي إن الحكماء الثلاثة قادتهم نجمة سماوية في رحلة استغرقت إثتي عشر يوما، حتى بلغوا بيت لحم حيث ظهرت لهم الحقيقة وبانت حول مولد المسيح..

طوال الأيام الإثني عشر هذه، كانت حياة الناس في تأرجح فوضوي بين الحق والباطل بالمفهوم الكنسي؛ إلى أن بانت الحقيقة في اليوم السادس من يناير وهو ما يعرف لدى المسيحيين بيوم التجلي *Epiphany* ..

وعنه كتب شكسبير مسرحيته الساخرة التي أسماها الليلة الثانية عشرة The Twelfth Night ..ويقصد بها الليلة الأخيرة من الأيام التي سبقت يوم التجلي وظهور الحقيقة..

استقى شكسبير فكرة الليلة الثانية عشرة من الانجيل وصورها كليلة للمرح بشرب الخمر والرقص والتنكر الذي يتيح فيه القانون للشخص بان يلعب دورا غير دوره الحقيقي في الحياة:
الخادم يلعب دور الملك والنبيل يكون وضيعا والمراة تلعب دور الرجل والرجل يلبس ملابس النساء و يتصرف كأنه واحدة منهن..

وربما كان وجه الشبه موجودا-في بعده المستحدث-بين هذه الليلة التي تجيء خاتمة للأيام الإثنى عشر؛ والليلة التي عرفت في موروثنا الشعبي ب *خم الرماد*..

وخم الرماد في موروثنا الشعبي يعني النفير الذي تطلقه السودانيات في آخر يوم من شعبان لجمع الرماد من مواقد صناعة الابري والحلو مر؛ غير أن العبارة يلبسها بعض اهلنا لبوسا غير الذي نعرف؛ لتعني لهم الاحتفاء بشرب الخمر في الليلة الأخيرة قبل الانقطاع عنها لمدة شهر خلال الشهر الفضيل…

شكسبير في مسرحيته يركز على الفوضى التنكرية الني يلعب فيها الشخص دورا غير دوره الحقيقي في الحياة بقصد المرح..

وكان جانب من هذا التنكر الفوضوي عقبة كأداء صعب عليّ اجتيازها وتمنيت لو أني اطلعت قبلها على قصيدة من خرائد شاعر الحقيبة الأسهر أبي صلاح سلط فيها الضوء على ما بدا لي عتمةً تزداد حلكة كلما خوّصتُ عيني…

*رويحتي قتيلة؛ قليبي يشابي حسب ترتيلا*..

*صدير هزاز، وضميرو فتيلا؛ وليها وريد أريل في نتيلا..*

*وضيبها زميلا؛ تقوده يتاكى القامة يميلا..*

*كتيفو نزل؛ طاوع ترسيلا؛ من الأرداف ما لاقي وسيلهْ..*

*خديرة كحيلة؛ ضهيرها ينع؛ غالباهو الحيلهْ..*

*ضمير أهيف؛ صفحاتو نحيلة، صدير يرجع؛ وأرداف رِحِّيِلهْ..*

لو ظلت أغنية الحقيبة هذه؛ بصوت عمر البنا او من بعده؛ عوض الجاك؛ حين ظهرت أول مرة؛ لما انتبه كثيرون وانا منهم؛ لجمال المفردة ومغازيها وظلال معانيها..ولكن حين شدا بها الراحل المقيم الفنان الكبير عبد الكريم الكابلي؛ بصوته الباذخ البهاء؛ كانت الأغنية اسرع وقعاً إلى قلبي من أذني لسماعها..

في مسرحية “الليلة الثانية عشرة” (Twelfth Night)، لشكسبير؛ استوقفت عدداً من المترجمين؛ كلمةٌ وصف بها شاعر انجلترا الأعظم؛ مشيةَ الشخصية الرئيسية *فيولا*؛ حين تنكرت في زي رجل..

في المسرحية، تتنكر *فيولا* في زي شاب وتخدم الدوق، وفي هذا التنكر؛ تتعرض لمواقف كوميدية نتيجة للخلط بين هويتها الحقيقية والهوية المزيفة؛ لا سيما حين تمشي بدلال وتكسر أعطاف؛ وهي تقوم بدور شاب..

مسرحية شكسبير قبل ان تسدل الستار، تظهر الحقيقة للمشاهد/القاريء حين يعود كل من شارك في المسرحية، لدوره الحقيقي في حياته لترتدي بذلك كلمة Epiphany عباءتها اللغوية غير الانجيلية..

قروب واتساب يضم مترجمين عرب ومستشرقين؛ يستعرضون من وقت لآخر؛ ترجمات لاعمال كلاسيكية؛ بالنقد والتحليل والترجمة إلى الانجليزية من العربية او العكس؛ إلى جانب ترجمة الشعر العربي الحديث إلى الإنجليزية او من الشعر الرومانتيكي الانجليزي الى العربية..

عرض أحد الأعضاء ذات مرة؛ مسرحية *الليلة الثانية عشرة* لشكسبير لترجمة اجزاء منها.

كان الجزء الذي كُلّفت بترجمته “شعرا متى امكن” يشتمل على الدور الذي تلعبه الشخصية الرئيسية *فيولا* في زي شاب..في هذا التنكر تتعرض *فيولا* لمواقف كوميدية..فتنكرها في هيئة الشاب *سيشو* يتطلب منها ان تظهر مشية تناسب الرجل أكثر من المرأة؛ ولكن انوثتها تخذلها فتمشي بدلال وتكسر اعطاف..

كلمة swagger التي استخدمها شكسبير في هذه الجزيئية من المسرحية؛ وصفا لهذه المشية؛ لم اجد لها كلمة عربية بنفس المعنى..

In this context, “swagger” conveys a sense of showy confidence or bravado in one’s manner or movement-often arrogant or pompous way.
أي مشية غنج..

لم يوفق أحد من أعضاء القروب حينها؛ في ايجاد مفردة عربية (كفعل) بمعنى swagger..اللهم إلا عبارة بأكثر من كلمة كقولك مشية دلال او غنج وما إليها..

ثم كان *أبو صلاح* ورائعته *وصف الخنتيلة*!

كنت أظن أن ابا صلاح يقصد بالخنتيلة وصفاً لملهمته إلى أن وقعت عيني ذات مرة، على مقال-لم يذكر صاحبه اسمه- مع انه مقال شائق؛ وثر بالمعلومات..

ذكر هذا المقال للكاتب المجهول؛ معنىً لكلمة *خنتيلة* خلافا لما ظننت واهما؛ أنه الصواب الذي لا يرقى إليه شك..

*وصف الخُنْتيلة جمال تاجوج الما في مثيلا/ هاك يا زميل..*

أي هاك يا زميل وصف الخُنتيلة، بمعنى إليك وصف الخُنتيلة كما صغته أنا شعراً هكذا يقول أبو صلاح..

قال صاحب المقال إن أول من تغنى بهذه الأغنية هو شاعر الحقيبة المعروف *عمر البنا* ثم من بعده تغنى بها عدد من المطربين أشهرهم *عوض الجاك*.

أكد صاحب المقال؛ ورضيت بما قال؛ بأن الخُنتيلة اسم للمشية وليس صفة للموصوف.

ولكن قوله إن الخُنتيلة في اللهجة السودانية من الفعل (خَنْتَل) وأصله في الفصحى (خنثل) بالثاء وابدال الثاء تاءً من أبرز خواص اللهجة السودانية العربية: اتنين وتلاتة وتمانية وتوب وتور إلخ؛ قولٌ قد يجانب الصواب..

اعني أن قوله إن الخنتيلة مشتقة من (خنثل) العربية قد لا يكون صحيحا..

فالخنثل كما تقول المعاجم هو الرجل الضعيف وإمرأة خنثل هي المرأة *ضخمة البطن مسترخيتها*؛ هكذا قال أستاذنا بروف عون الشريف في سفره القيم قاموس اللهحة العامية في السودان..

والعرب تقول للضبع *أم خنثل* لضخامة بطنها بالمقارنة مع باقي اعضائها..وبالتالي تأثيل كلمة خنتيلة وارجاعها إلى المفردة العربية *خنثل* لا يتسق والاوصاف التي خص بها ابو صلاح ملهمته وهي اوصاف ليس من بينها ضخامة البطن بل العكس ربما كان أقرب للصواب!

ولكن الثابت أن الفعل (خَنْتَل) في لغتنا يعنى تبختر وقدل *تيها ودلالا* واعجابا بنفسه.

قالت الحكامة في أغنية الجراري:

“بمشي *بتخنتل* قدام شركة الشل”، والمعنى أمشي وأقدل و (اتجدع) في شوارع مدينة (الأبيض حيث شركة شل) كأني واحد من أهلها؛ خبير بمعالمها؛ ولست ذلك البدوي الغريب عنها.

الخنتيلة أشبه بقدلة خليل فرح في شوارع أم درمان: (من فتيح للخور للمغالق/ من علايل أب روف للمزالق/ قدلة يا مولاي حافي حالق بالطريق الشاقُه الترام)..ولكن لدى الانثى تكون الخنتيلة مصحوبة بغنج ودلال وليس تبخترا كما عناها خليل فرح في قدلته..

ويؤكد كاتب المقال المعنى ذاته في قول الشاعر الشعبي، يوسف حسب الله، حين وصف عروساً يوم زفافها:

*خلف التاج فريد عصرو باروهو وزايرو*..

*واتخنتل متل زرع الدرة الفي جزايرو*

*نهداً دابو قام فتّق عراوي زرايرو*

*قال للناس تراهو الموت يجيهو الدايرو*.

(عز الدين اسماعيل، الشعر السوداني القومي ص 90).

والشاعر هنا يصف العروس وحولها وصيفاتُها وعلى جبهتها تاج الذهب بقوله: “واتخنتل متل زرع الدرة الفي جزايرو”. أي أنها تتيه وتميس دلالا مثل ميسان وتمايل قصب الذرة الأخضر، الريان، النديان في حقوله..

عموما الخُنتيلة بالضم هي اسم (هيئة) لمشية التيه والدلال والتكسر والترجرج والتغنج؛ وليست وصفاً للموصوف كما كان فهمي لها؛ وهي ذات المشية التي عناها شاعر الحقيبة المفلق ود الرضي في قوله: “*تِيه واتاكا*”…

وما قاله شاعر من بادية الكبابيش بشمال كردفان في الرثاء يؤكد أن الخنتيلة هي صفة للمشية:

*تبكيك بناتاً يمشن الخُنتيل*..

قوله “*يمشن الخنتيل*” فيه تأكيد على أن الخنتيلة اسم للمشية.

ولو نظرنا في أبيات قصيدة أبو صلاح لوجدنا أن الأوصاف التي أوردها في القصيدة تدل دلالة واضحة على أنه يقصد وصف المشية (الخُنتيلة): اسمعه يقول:

*رويحتي قتيلة قليبي يشابي حسب ترتيلا*

*صدير هزاز وضميرو فتيلا وليها وريد أريل في نتيلا..*

لو كنت أعلم أن الخنتيلة هي وصف للمشية؛ يوم طلبوا مني ترجمة مشية فيولا swagger؛ لما ترددت في استخدم الفعل *خنتل* حتى لو كانت غير مفهومة لغير السودانيين..

سجن..سجن..غرامة غرامة..

تحياتي؛
-الزاكي عبد الحميد أحمد-

altaghyeer.info