الفنان التشكيلي وليد محمود يوثق الذاكرة السودانية عبر الفن من نيروبي
نيروبي : 7 نوفمبر 2026 :راديو دبنقا
يحاول الفنان التشكيلي السوداني وليد محمد توثيق الذاكرة السودانية واستعادتها من خلال أعمال فنية تستلهم الصور التاريخية والألبومات العائلية، مستندًا إلى تجربته الشخصية مع الحرب والنزوح، وتشتت أفراد أسرته، ومن مرسمه في العاصمة الكينية نيروبي، يوظف الفنان وليد الرسم والخامات المتنوعة والوسائط المتعددة للتعبير عن التحولات التي طرأت على حياة السودانيين منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 وذكريات ما قبلها
البداية:
بدأت علاقة وليد محمد بالرسم منذ طفولته، قبل أن يقرر دراسة الفنون الجميلة والتخصص فيها، وتخرج في مارس، قبل اندلاع الحرب بفترة قصيرة، بعد رحلة دراسية طويلة، غير أن الأحداث التي شهدها السودان دفعته إلى مغادرة البلاد ومواصلة مسيرته الفنية في الخارج، حيث انتقل إلى نيروبي، وبدأ مرحلة جديدة من تجربته الإبداعية.
وتشكل الصور الفوتوغرافية القديمة والألبومات العائلية أحد أبرز مصادر إلهامه الفني، منذ طفولته ظل مهتمًا بالصور التي توثق تاريخ السودان وتفاصيل الحياة الاجتماعية، وهو ما انعكس على أعماله التي يسعى من خلالها إلى إعادة تقديم الذاكرة البصرية السودانية في قوالب فنية معاصرة، ويستفيد الفنان من أرشيفات المصورين السودانيين، من بينهم رشيد مهدي، وجاد الله جبارة إلى جانب مصادر فوتوغرافية أخرى، محاولًا نقل الصور من الألبومات إلى اللوحات، بحيث لا تظل مجرد وثائق تاريخية، بل تتحول إلى أعمال تحمل دلالات جديدة حول الهوية والتاريخ والذاكرة الجماعية.
مفهوم «ما بعد الذاكرة»
و يشتغل الفنان التشكيلي وليد في هذا الحانب على أرشيف الصورة الفوتوغرافية السودانية، من ألبومات العائلة وبورتريهات الاستوديو القديمة، فيستعيدها بالرسم بوصفها فعلَ استدعاءٍ تتقاطع فيه الذاكرة الفردية بالجرح الجمعي الذي خلّفته الحرب والنزوح وتشتّت الأسرة. وتتقاطع مقاربته مع مفهوم «ما بعد الذاكرة» (Postmemory) الذي صاغته ماريان هيرش (Marianne Hirsch) في دراستها لأبناء الناجين من المحرقة، وتعني به علاقة الجيل اللاحق بصدمةٍ لم يعشها مباشرة، تنتقل إليه عبر الصور والحكايات والصمت. ويصف المفهوم علاقة الجيل اللاحق بتجارب صادمة عاشها من سبقه، لا «يتذكرها» إلا عبر القصص والصور والسلوكيات، فتتوسطها المخيلة والإسقاط والإبداع لا الاسترجاع.
ويقوم عمل الفنان وليد على ثنائية لونية لافتة: أجساد ووجوه رمادية أحادية، تحيل إلى بهتان الفوتوغراف وتآكله بفعل الزمن، تقابلها حقول لونية مشبعة، كالأزرق النيلي العميق والأحمر القاني والأصفر الترابي. وتتحول الوجوه إلى مناطق ممحوّة أو مطموسة، فتارةً يغطيها نسيجٌ من الخيوط المطرّزة، وطورًا تذوب ملامحها في ضباب الفرشاة أو تتوارى خلف نظارات داكنة، فيصير المحو نفسه لغةً دالّة على هشاشة الذاكرة وفقدان الأحبّة. وتتجاور في السطح التصويري تقنيات متعددة، من الرسم والتطريز والكتابة بالخط العربي وآثار الفرشاة المتروكة عمدًا.
ولا يخلو المفهوم من رؤية نقدية، فتوسيعه يخاطر بإفراغه من قيمته، وأن تعميم الصدمة قد يزيح خصوصية تجارب الشهود وذكرياتهم وهوياتهم. وفي هذا الإطار، فإن الفنان وليد محمد، الذي يعيش الحرب والنزوح بنفسه، لا يقف في موقع الوريث البعيد للذاكرة بل في موقع الشاهد عليها، ولذلك نرى اعماله تتقاطع مع مقاربات ما بعد الذاكرة دون أن ينتمي إليها بمعناها الحرفي، وهو ما يمنح تجربته خصوصيتها. ويقول وليد في مقابلة مع راديو دبنقا من الاستديو الخاص في العاصمة الكينية نيروبي في هذا الخصوص (أن تجربته الفنية لا تنفصل عن تجربة المجتمع، وأن معاناة الناس والتحولات التي يعيشونها أصبحت جزءًا أساسيًا من الموضوعات التي يتناولها.)
لوحات مميزة
أثرت الحرب وتشتت أفراد الأسرة في موضوعات وليد محمد الفنية، إذ أصبح أكثر اهتمامًا بالصور الشخصية والعائلية، باعتبارها وسيلة للاحتفاظ بصلته بأفراد أسرته الذين توزعوا في أماكن مختلفة، من بينها ليبيا، وتجسد لوحة “أواب” هذا الجانب من تجربته، إذ تحمل اسم ابن شقيقه الموجود حاليًا في ليبيا، ويوضح وليد في المقابلة مع دبنقا من أن اختياره اسم ابن شقيقه للوحة جاء تعبيرًا عن اشتياقه إليه، ورغبته في الاحتفاظ بحضوره من خلال العمل الفني، في ظل المسافات التي فرضتها الحرب، ومن خلال هذه التجربة الشخصية، يسعى الفنان إلى التعبير عن واقع أوسع يعيشه السودانيون الذين فرقتهم الحرب، واضطروا إلى مغادرة منازلهم والبحث عن حياة جديدة في أماكن مختلفة.
مساحات الهروب
على الحائط توجد لوحة لسيدة لافتة للانتباه وجهها مغطى استخدمت فيها خامات القطن لاحقا أخبرنا وليد أن اللوحة تنتمي إلى مجموعة من اللوحات رسمها في نيروبي بعد الحرب، هناك لوحة أخرى لسيدة جالسة من ذات المجموعة التي سماها “مساحات الهروب”، متأثرا بحركة النزوح والتهجير والتشتت التي شهدها السودان، واستخدم القطن في بعض أعمال المجموعة، ضمن محاولاته لتجربة خامات محلية جديدة، مع التركيز على المساحات الواسعة والفراغات، وإظهار الشخصيات بملامح غير مكتملة أو محجوبة جزئيًا، وتعكس هذه المعالجة الفنية، بحسب وليد، ما أحدثته الحرب من اضطراب في حياة الناس وعلاقاتهم الاجتماعية، بعدما أجبرتهم على ترك أماكنهم والبحث عن فضاءات جديدة، لأن المغادرة لم تعد مجرد هروب من الحرب، بل أصبحت محاولة لبناء حياة مختلفة في الأماكن التي وصل إليها النازحون.
“شيء مميز”
في إحدى زوايا المعرض تقبع لوحة مميزة قال وليد أنها لوالدته وهي واحدة من اللوحات المميزة التي تلهمه وتشعره بقربها، غير أنه مرتبط بهذه اللوحة التي رسمها العام الماضي في العاصمة اليوغندية كمبالا، لوحة أخرى تحمل اسم “شيء مميز” من إحدى صور الرشيد مهدي، وأضاف وليد “أن اللوحة قديمة تعود إلى العام كان قد رسمها 2022 للمشاركة في معرض جماعي متجول، جاب عدد من مدن أوروبا واعي من ضمن ثلاث لوحات، واستوقفتني الصورة الأصل لهذه اللوحة”.
وتعكس هذه المعالجة الفنية، بحسب وليد، ما أحدثته الحرب من اضطراب في حياة الناس وعلاقاتهم الاجتماعية، بعدما أجبرتهم على ترك أماكنهم والبحث عن فضاءات جديدة. فالمغادرة لم تعد مجرد هروب من الحرب، بل أصبحت محاولة لبناء حياة مختلفة في الأماكن التي وصل إليها النازحون.
الصور غير المكتملة واستعادة الذاكرة:
يمتد اهتمام وليد محمد بالذاكرة إلى استخدام تقنيات فنية متنوعة، من بينها الوسائط المتعددة وتقنية نقل الصور المعروفة باسم “فوتوكوبي ترانسفير”، التي تتيح نقل الصور إلى سطح اللوحة والعمل عليها يدويًا باستخدام خامات مختلفة، وفي عدد من هذه الأعمال، تظهر الصور بأجزاء غير مكتملة أو مساحات مفقودة، وهي معالجة مقصودة تهدف إلى جعل المشاهد يتأمل ما غاب عن الصورة وما لم تعد قادرة على إظهاره بالكامل، وتتقاطع هذه الفكرة مع استخدام القطن الذي قد يحجب بعض الملامح، أو يجعلها أقل وضوحًا، بما يفتح المجال للتفكير في معاني الغياب والذاكرة والتشتت.
وبعد الحرب، عاد الفنان بصورة أكبر إلى أرشيفه العائلي، إلى جانب الصور التاريخية التي استلهمها في أعماله السابق، وأصبحت الصور الشخصية وسيلة لاستعادة الصلة بأفراد الأسرة، وفي الوقت نفسه للتعبير عن الذاكرة الجماعية للسودانيين من خلال التفاصيل اليومية والتجارب الفردية، كما تحمل بعض أعماله التي تصور الأطفال ذكريات من بدايات تجربته الفنية، إذ استلهمها من صور ومراجع قديمة، من بينها مواد وصور مرتبطة بمجلة الخرطوم، وكانت هذه الأعمال جزءًا من معرضه الفردي الأول، الذي أقامه في الخرطوم.
لوحة “ناجيات”
ومن الأعمال المرتبطة بتلك المرحلة لوحة “ناجيات”، التي انتقلت بعد انتهاء المعرض إلى ألمانيا، قبل أن يستعيدها الفنان قبل عدة أشهر، ويستعيد وليد تجربته مع مرسمه في الخرطوم بوصفها محطة مهمة في مسيرته، إذ عاد إلى المدينة بعد اندلاع الحرب ووجد أن المرسم لا يزال قائمًا، وأن كثيرًا من لوحاته وأعماله لم تُسرق.
وشكل بقاء هذه الأعمال بالنسبة إليه إحساسًا بأن جزءًا من ذاكرته وتجربته الفنية ما زال محفوظًا، رغم ما تعرض له السودان من دمار وما عاشه السودانيون من فقدان وتشتت.
الفن مساحة للتعبير عن التجربة الجماعية:
يقول وليد محمود في المقابلة مع راديو دبنقا أن تجربته الشخصية مع النزوح انعكست بصورة مباشرة على أعماله، وأن الفنان يحمل جانبًا من تجربة مجتمعه، ولا يستطيع التعبير عن معاناة الناس بصورة حقيقية إذا لم يتفاعل معها، لذلك أصبحت الموضوعات التي يتناولها مترابطة بين ما عاشه شخصيًا وما يواجهه السودانيون في ظل الحرب، ويؤكد أن رؤيته الفنية تغيرت بعد مغادرة السودان والانتقال إلى نيروبي، وأن التجارب والأحداث التي يمر بها الإنسان تؤثر في طريقة تفكيره والموضوعات التي يختارها، وبالنسبة إليه تظل الرسالة الفنية قابلة للتطور مع تغير الظروف والأسئلة التي تطرحها الحياة حول الذاكرة والمستقبل.
الفعاليات والمعارض الخارجية
وعلى الرغم من الظروف التي فرضتها الحرب، واصل وليد مشاركاته الفنية خارج السودان، بما في ذلك معارض وفعاليات في كمبالا وأوروبا والولايات المتحدة. كما أقام معرضًا فرديًا في كمبالا، وشارك في برامج للإقامة الفنية أتاحت له العمل في مرسم والتفاعل مع فنانين من خلفيات مختلفة.
ويعمل حاليًا على الإعداد لمشاركات في معارض وفعاليات فنية خلال العام المقبل، في إطار سعيه إلى مواصلة مسيرته الفنية، رغم التحديات التي فرضها النزوح.
“شلة” تجمع الفنانين السودانيين في نيروبي
أسس وليد محمد مع فنانين سودانيين آخرين مجموعة فنية في نيروبي تحمل اسم “شلة”، بعد نقاشات حول أهمية التعاون بين الفنانين الذين تفرقوا في دول مختلفة بسبب الحرب، وتهدف المجموعة إلى تجاوز عزلة التجارب الفردية، وإيجاد مساحة مشتركة للعمل والإبداع والتعبير عن القضايا السودانية من خلال الفن، وقد أنجزت المجموعة معرضين في نيروبي خلال الفترة الماضية، ويسعى أعضاء المجموعة إلى إبراز قدرة الفنانين السودانيين على الاستمرار في الإبداع رغم ظروف الحرب والنزوح، إلى جانب توعية الجمهور بما يحدث في السودان والتعريف بتجارب الفنانين السودانيين.
جائزة عالمية:
وفي هذا الشهر نوفمبر يتأهب وليد لاستلام جائزة مؤسسة الأمير كلاوس، التي تقدم سنوياً لمائة فنان من أنحاء العالم، وهي مؤسسة هولندية مقرها أمستردام، وعبر وليد في المقابلة مع راديو دبنقا عن سعادته بإعلانه واختياره بين (100) فنان من انحاء العالم لهذه الجائزة ، لكنه أشار أيضًا إلى مشاعره المتداخلة تجاه الإنجازات الشخصية التي تتحقق في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها السودان والسودانيون بسبب الحرب، يصادف أن المؤسسة تحتفل خذا الشهر بالذكرى الثلاثين
رسالة للسودانيين:
وفي رسالته إلى السودانيين، شدد وليد محمد في المقابلة مع راديو دبنقا على أهمية الحوار والعمل على حل الخلافات، وأن السودان بلد يجمع الجميع، وأن معالجة المشكلات تتطلب الجلوس معًا والتحاور قبل فوات الأوان.
الفنان وليد محمد في مرسمه:
dabangasudan.org