
لم تبدأ قصة الشريحة الذكية داخل كرة القدم الرسمية مع مونديال 2026 الذي تستضيفه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. إنها نتيجة مسار طويل من التجارب والجدل، بدأ بمحاولة حسم سؤال بسيط: هل تجاوزت الكرة خط المرمى؟
في منتصف العقد الأول من الألفية، اختبرت «فيفا» و«أديداس» وشركاء تقنيون نماذج لكرة ذكية تساعد الحكام في تحديد ما إذا كانت الكرة قد عبرت خط المرمى بالكامل. كان الهدف وقتها معالجة ما يعرف في كرة القدم بـ«الأهداف الشبحية»، أي اللقطات التي تدخل فيها الكرة المرمى من دون أن يراها الحكم أو مساعده بوضوح.
قبل كأس العالم 2006 في ألمانيا، كان هناك حديث واسع عن إمكانية استخدام كرة مزودة بشريحة لمساعدة الحكام على قرارات خط المرمى. لكن التقنية لم تُعتمد رسمياً في البطولة. كانت لا تزال في مرحلة اختبار، ولم يكن الاتحاد الدولي لكرة القدم مستعداً لإدخالها إلى أكبر بطولة في العالم قبل التأكد الكامل من موثوقيتها.
كانت 2006 مرحلة مبكرة في النقاش حول «الكرة الذكية»، وليست بداية استخدامها الرسمي. أما التحول الحقيقي في موقف كرة القدم من التكنولوجيا فجاء لاحقاً، خصوصاً بعد كأس العالم 2010، عندما لم يحتسب الحكم هدف فرانك لامبارد مع إنجلترا أمام ألمانيا، رغم أن الكرة تجاوزت خط المرمى بوضوح. تلك اللقطة أصبحت نقطة ضغط كبرى على «فيفا» لاعتماد تقنية خط المرمى.
بعد ذلك، وافق مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم على استخدام تقنية خط المرمى عام 2012، وظهرت في كأس العالم 2014 بالبرازيل. لكن المهم هنا أن تلك التقنية لم تكن بالضرورة قائمة على شريحة داخل كرة المونديال، بل اعتمدت أنظمة مختلفة، من بينها الكاميرات عالية السرعة وأنظمة ترصد عبور الكرة للخط. كانت تلك مرحلة هدفها حسم سؤال واحد: هل دخلت الكرة أم لا؟
قد يحدث خلط بين هذه المراحل وبين كرة كأس العالم 2018 في روسيا، التي تضمنت شريحة «NFC»، لكن هذه الشريحة لم تكن أداة تحكيمية، بل كانت مخصصة للتفاعل مع الهواتف الذكية، ضمن تجربة جماهيرية وتسويقية، لا لإرسال بيانات إلى حكم الفيديو أو تحديد اللمسات والتسلل.
هذا التفريق مهم، لأن وجود شريحة داخل كرة لا يعني دائماً أنها تساعد الحكم. بعض الشرائح هدفها تجاري أو تفاعلي، وبعضها هدفه رياضي وتحكيمي. والمرحلة التي دخلت فيها الكرة فعلياً إلى منظومة القرار التحكيمي جاءت في مونديال قطر 2022.
في كأس العالم 2022، قدّمت «أديداس» كرة «الرحلة»، بوصفها أول كرة رسمية في كأس العالم تحمل تقنية الاتصال المخصصة لدعم حكم الفيديو. كانت الكرة تحتوي على وحدة قياس حركية داخلية، تعرف اختصاراً بـ«IMU» مثبتة في مركز الكرة من خلال نظام تعليق داخلي. وكانت هذه الوحدة ترسل بيانات حركة الكرة بمعدل 500 مرة في الثانية.
أهمية هذه التقنية لا تتعلق فقط بمعرفة اتجاه الكرة أو سرعتها، حيث إن قيمتها الأساسية في التحكيم تكمن في تحديد لحظة لمس الكرة أو لعبها بدقة زمنية عالية. وهذا أمر بالغ الأهمية في قرارات التسلُّل شبه الآلي؛ ففي التسلل، لا يكفي أن تعرف أين يقف اللاعب، بل يجب أن تعرف اللحظة الدقيقة التي خرجت فيها الكرة من قدم زميله.
بهذا المعنى، انتقلت الكرة من كونها جسماً يُراقَب بالكاميرات إلى مصدر بيانات داخل الملعب. أصبحت قادرة على تزويد حكام الفيديو بمعلومة دقيقة عن توقيت اللمسة، بينما تتولى الكاميرات وأنظمة التتبع تحديد مواقع اللاعبين. القرار النهائي لا يزال بيد الحكم، لكن البيانات أصبحت أكثر تفصيلاً وسرعة.
في كرة «تريوندا» الرسمية لكأس العالم 2026، تعود تقنية الكرة المتصلة، لكن مع تغيير هندسي مهم. لم تعد شريحة الاستشعار موضوعة في مركز الكرة، كما في نظام 2022، بل أصبحت داخل طبقة خاصة في إحدى اللوحات الأربع التي تكوّن الكرة. وللحفاظ على التوازن، أضيفت أثقال موازنة في اللوحات الثلاث الأخرى.
هذا التغيير ليس تفصيلاً صغيراً بسبب كون كرة القدم جسماً حساساً جداً في الحركة، وأي اختلاف في توزيع الوزن قد يؤثر على الإحساس بها أو مسارها في الهواء. لذلك، فإن نقل الشريحة من المركز إلى أحد الجوانب يتطلب معالجة هندسية دقيقة حتى لا تصبح الكرة غير متوازنة. كما أن وجود أثقال موازنة يشير إلى أن «أديداس» تعاملت مع الشريحة كجزء من تصميم الكرة، لا كإضافة تقنية بسيطة.
الأسباب الدقيقة وراء هذا التغيير لم تُشرح رسمياً على أنها نتيجة مشكلة معينة في كرة 2022. ربما لم يكن سبب نقل الشريحة يعود لخلل سابق، بل ربما الأدق أن كرة 2026 تستخدم جيلاً جديداً من تقنية الكرة المتصلة، مع نظام جانبي للشريحة بدلاً من النظام المركزي المعلّق، بما يتناسب مع بنية الكرة الجديدة المكونة من أربع لوحات.
القصة الأوسع هنا أن التكنولوجيا داخل الكرة انتقلت من سؤال «هل دخلت الكرة؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً: «متى لُعبت الكرة؟» في الماضي، كان الجدل حول عبور خط المرمى. اليوم، أصبحت اللقطة التحكيمية أكثر تعقيداً. قد يتعلق الأمر بتسلل بفارق بسيط أو لمسة غير واضحة أو انحراف يغيّر مسار الكرة أو لحظة دقيقة تحدد صحة قرار.
في هذه الحالات، لا تكفي الكاميرا التي ترى وحدها لأنها قد لا تحدد بدقة لحظة التلامس في كل زاوية وكل سرعة. هنا تضيف الشريحة داخل الكرة طبقة زمنية شديدة الدقة، يمكن دمجها مع بيانات اللاعبين والصورة التلفزيونية ومراجعة حكم الفيديو.
لكن ذلك لا يعني أن التكنولوجيا تحسم كل شيء وحدها. لا تعتمد قوانين كرة القدم فقط على وجود لمسة أو لحظة لعب، بل على السياق أيضاً. هل كان اللاعب متداخلاً في اللعب؟ هل أثّر في الخصم؟ هل كانت اللمسة متعمدة؟ هذه أسئلة تبقى مرتبطة بتفسير الحكم والقانون. لذلك، تبقى الشريحة أداة مساعدة لا بديلاً عن الحكم.
كلما دخلت التكنولوجيا أكثر إلى كرة القدم، تغير نوع الجدل. في السابق، كان السؤال: هل رأى الحكم اللقطة؟ لكنه اليوم أضحى: كيف فُسّرت البيانات؟ هذا لا يلغي الجدل، لكنه يجعله ينتقل من مستوى المشاهدة إلى مستوى القياس والتحليل.
كرة «تريوندا» في 2026 تمثل هذه المرحلة الجديدة، ورغم أنها ليست أول محاولة لوضع تقنية داخل كرة القدم، لكنها واحدة من أكثر النسخ تطوراً في تاريخ المونديال. فهي تجمع بين التصميم الرياضي، والرمزية البصرية للدول الثلاث المضيفة، وشريحة ترسل بيانات لحظية إلى منظومة حكم الفيديو.
بهذا المعنى، لم تعد الكرة مجرد مركز اللعب، بل أصبحت جزءاً من البنية الرقمية للمباراة. من خط المرمى إلى التسلل شبه الآلي، ومن الشريحة المركزية إلى الشريحة الجانبية، تتحول كرة كأس العالم تدريجياً إلى شاهد تقني داخل الملعب. قد لا يراها المشجع، لكنه قد يرى أثرها في أكثر لحظات البطولة حساسية.
aawsat.com