التجاني عبد القادر نجوم في سماء الفكرة

كتب: أ. د. إبراهيم أحمد محمد الصادق الكاروري
بعض الشخصيات لا تدخل التاريخ الفكري والحضاري دخول العابرين، بل تترك بصمتها بقوة ووضوح، حتى تكاد تلاحق التجريد في عالم الفكر، وتحرر الفكرة من قيد الضيق الأيديولوجي، ومن القطعيات الحزبية التي كانت وما زالت تمثل حجابًا أمام حرية الفكرة وانطلاقتها.
وربما تشير المسيرة الفكرية إلى بعض ذلك في حق البروفيسور التجاني عبد القادر؛ فالمشروعات الكبرى تحمل في طياتها تحديات كبرى، وهذه المشروعات غالبًا ما تفرض وجودها في الساحة لتصبح هي محور الفكر والعمل. فمن آمن بها وطّن نفسه على ذلك، ومن عارضها لم يعارضها بمشروع مكتمل، وإنما جعل مشروعه قائمًا على نقد ونقض هذا المشروع القائم.
في هذا الأفق يمكنك أن ترى ابن رشد والغزالي وابن تيمية، ولكل منهم مشروعه الفكري الذي لاحق التجريد، فتحرر من قيد الزمان والمكان والحال، ليصبح خطابًا: له من معه، وعليه من عليه، مع حضوره على كل حال.
والمشروعات الكبرى تخرج معارضتها ونقدها من داخلها؛ ذلك أن المشروع يتجاوز تصورات الآخر المعارض وقدراته، وهنا يصبح النقد الذاتي كأنه المعارضة الذاتية التي يحتاجها المشروع، وإلا تعطلت الحياة بين المشروع ومشروع على هامش المشروع! ويصبح النقد الذاتي ضرورة لتخصيب مفردات التجديد والإصلاح.
ومن الجدليات التي ما زالت وستظل: الجدلية بين ذرائعية السياسي وصرامة المفكر. وأخطر ما في ذلك أن تصبح السياسة بحثًا عن سلطة، وأن يصبح سقف السلطة هو سقف الفكرة؛ عندها تختنق الفكرة بموت السلطة، وهي حتمية لازمة، فتسقط السلطة وتسقط معها الفكرة.
ولحظة الموت هي لحظة المراجعات الكبرى عند الذين يعلمون: (تذكروا هاذم اللذات). والموت هو الإحرام الأكبر في الانتقال اليقيني من مقام إلى مقام، وهو تنبيه للأحياء، وإن كان انتقالًا للأموات.
والمشروع عندما يفقد القدرة على التفكير يفقد مبررات وجوده، ويصبح الفكر جهدًا خاصًا، ولكنه شعاع في سماء التجريد.
وأعتقد أن وفاة البروفيسور التجاني عبد القادر مدخل لطرح مجموعة من الأسئلة، من أهمها:
- كيف تصبح سماء الفكرة متصالحة مع نجوم التفكير؟
- وكيف يصبح شعاع الفكر دليل هداية لمسار السياسة، حتى لا تدخل السياسة جبل الظلمات ومفازة التيه، وذلك عندما تُقاد السياسة برسن الطاعة والخضوع لا شعاع المفاكرة والرشاد.