
لم تعد النهضة الكروية التي تشهدها المملكة المغربية مقتصرة على توهج اللاعبين وفنياتهم داخل المستطيل الأخضر، بل امتدت لتشمل قضاة الملاعب الذين باتوا يمثلون علامة جودة فارقة في المحافل الدولية الكبرى.
وفي المونديال الحالي لعام 2026، نجح سلك التحكيم المغربي في خطف الأضواء وفرض احترامه على أعتى المنتخبات العالمية، بفضل الكفاءة المهنيةوالشخصية القيادية الصارمة التي تميز بها الحكم الدولي جلال جيد وطاقمه المساعد، ليعيدوا إلى الأذهان العصر الذهبي للصافرة العربية والأفريقية في المونديال.

وجاء هذا التألق ليتوج مساراً طويلاً من التطوير الهيكلي الذي قادته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، لتثبت منظومة التحكيم الوطني أنها لا تقل كفاءة عن نظيرتها الأوروبية أو اللاتينية.
ولم تكن إدارة المباريات المعقدة في هذا المحفل العالمي مجرد تشريف، بل كانت تكليفاً أثبت فيه الحكم المغربي قدرته على ضبط الإيقاع، والتعامل مع الضغوطات الجماهيرية والإعلامية الحارقة بكثير من الهدوء والرصانة التكتيكية، ما جعله محط إشادة واسعة من قبل أعلى الهيئات الكروية في الاتحاد الدولي.
بصم الحكم المغربي جلال جيد على حضور استثنائي في هذه النسخة المونديالية بعدما أسندت إليه لجنة التحكيم بالـ«فيفا» إدارة 3 مواجهات كبرى، مكنته من دخول السجل الذهبي ومعادلة الرقم القياسي التاريخي لأسطورة التحكيم الراحل سعيد بلقولة كأكثر حكم ساحة مغربي قيادة للمباريات في نسخة واحدة، واستهل جيد مسيرته المونديالية بإدارة مواجهة ألمانيا وكوراساو التي تميزت بغزارة تكتيكية وأهداف بلغت ثمانية، أظهر خلالها مرونة عالية في مجاراة السرعة الفائقة لخطوط اللعب.

وتأكدت الثقة الدولية بمنحه مواجهة ثانية بارزة جمعت البرتغال بأوزبكستان وانتهت بخماسية نظيفة لأصدقاء كريستيانو رونالدو.

ومع دخول البطولة منعطف الأدوار الإقصائية الحارقة، بلغ التألق المغربي ذروته باختيار جلال جيد لقيادة قمة دور الاثنين والثلاثين بين ألمانيا وباراغواي في بوسطن، ليكون الحكم الأفريقي الوحيد الذي نال شرف قيادة مباراة كحكم ساحة في هذا الدور المعقد، وامتدت المواجهة الطاحنة على مدار مائة وعشرين دقيقة من الصراع البدني والتكتيكي الرفيع، قبل أن تحسمها ركلات الترجيح لصالح باراغواي، وسط إشادة دولية بقدرة الطاقم المغربي المتكامل على قيادة اللقاء برؤية موحدة وتنسيق مثالي قلل من هامش الخطأ البشري.

شهد الشوط الإضافي الأول من موقعة ألمانيا وباراغواي الاختبار الحقيقي لشجاعة وثبات الشخصية التحكيمية المغربية، وتحديداً عند الدقيقة الثالثة بعد المائة، حين نجح المدافع الألماني جوناثان تاه في هزّ الشباك.
ورغم الفرحة الألمانية العارمة، أظهر جلال جيد حزماً لافتاً بالتريث والعودة لمراجعة اللقطة عبر تقنية الفيديو المساعد (VAR)، ليقرر بكل شجاعة إلغاء الهدف لوجود خطأ وتعمُّد حجب للرؤية وإعاقة ضد حارس مرمى باراغواي، وهو القرار الذي فجّر احتجاجات ألمانية عنيفة داخل الملعب وخارجه.

هذا اللغط الإعلامي لم يدم طويلاً، إذ سارع الإيطالي المخضرم بييرلويجي كولينا، رئيس لجنة الحكام في الاتحاد الدولي لكرة القدم، لإصدار بيان قاطع عبر الموقع الرسمي للـ«فيفا» ينهي به الجدل ويدعم القرار المغربي بالكامل.
ووصف كولينا قرار جلال جيد بالصحيح والمثالي بنسبة 100 في المائة، مؤكداً أن اللقطة جسدت تماماً الصرامة المطلوبة لحماية حراس المرمى من تكتيكات التشويش البدني، ليمنح الصافرة المغربية صك الاعتراف الدولي والتميز في ليلة مونديالية ستبقى خالدة في أذهان عشاق كرة القدم.
aawsat.com