
بقلم: احمد النوش
«حينما حصد المنتخب الإسباني بطولة كأس العالم، لفت انتباه المتابعين مشهدٌ دالّ: لم يكتفِ اللاعبون برفعة العلم الوطني الجامع، بل رفَعَ كلُّ لاعبٍ علمَ إقليمه؛ فهذا يتوشح بعلم كاتالونيا، وذاك بعلم بلاد الباسك، وآخر بعلم جزر الكناري. والغريب في الأمر—بمنظورنا نحن—أن أحداً هناك لم يرمِ هؤلاء اللاعبين بالخيانتين أو الانفصال، ولم يتهِمْهم بسعيٍ لتمزيق الوطن أو إثارة الفتنة.
لماذا تعاطوا مع الأمر بهذه الأريحية؟
لأن تلك مجتمعاتٌ متحضرة استوعبت أن تعبير الفرد عن هويته الإقليمية أو جهته الجغرافية لا يتناقض بالضرورة مع انتمائه الوطني، بل يُعدّ إثراءً للتنوع لا تهديداً للوحدة.
أما في واقعنا السوداني، فما إن يرفع أحدهم صوتَه مطالباً بالعدالة لإقليمه، أو معبراً عن ظُلمٍ تاريخي، أو منادياً بحقوق المناطق المبتعدة عن محور «البحر والنهر»، حتى تثور ثائرة النخب التقليدية وصنّاع الخطاب الإقصائي. سرعان ما تُستلّ الاتهامات الجاهزة: الانفصال، العنصرية، تنفيذ أجندات خارجية، السعي لتفكيك البلاد، وهدم السلم الاجتماعي!
لقد أصبح خطاب التخوين والمداهنة يُستغلّ لإسكات كل صوتٍ ينادي بفك احتكار السلطة والثروة أو يعيد التذكير بتباينات الهوية السودانية الثرية. وبدلاً من معالجة جذور التهميش والاستجابة لمطالب الأقاليم بالعدالة والمواطنة المتساوية، يُصار إلى شيطنة الحركات المطالبة بالحقوق ورميها بكل نقيصة.
ولا يقتصر هذا الفهم القاصر للتنوع على واقعنا المحلي وحده؛ إذ تشهد عدة تجارب في عالمنا العربي والإسلامي حالة مشابِهة من التوجس والتخوين تجاه المكونات الثقافية والإقليمية—كما هو الحال مع المسألة الأمازيغية في المغارب، أو الهويات الكردية والآشورية والجنوبية في الشرق الأوسط—حيث يُصنَّف التعبير الطبيعي عن الهوية الذاتية فوراً كتهديدٍ للوحدة الوطنية بدلاً من اعتباره جزءاً من النسيج الجامع.
إن الفرق بين الدول التي تبني استقرارها والدول التي تظل غارقة في الصراعات، يكمن في كيفية إدارة التنوع: فالمجتمعات الراقية تجعل من تنوعها الإقليمي والتاريخي مصدر قوة وثراء، بينما العقول المنغلقة ترى في كل نداءٍ للعدالة أو اعتزازٍ بالهوية المحلية "وحشاً" يتهدد وجودها، فتمارس التخوين بدلاً من المراجعة والاحتواء.