سودان اندبندنت
خبر ⁄منوعات

أعرف عميلك.. من وراء رسالة بنكك التي أربكت الناس

أعرف عميلك.. من وراء رسالة بنكك التي أربكت الناس

كتب- عزمي عبد الرازق- وصلت من تطبيق بنكك الرسالة إلى ملايين الهواتف بعبارة: «رحلتنا معاك مستمرة والجاى دائماً أحلى، حدّث بياناتك لدى أقرب فرع وكمل معانا المشوار». عبارةٌ لطيفة في ظاهرها، لكنها فتحت باباً من الأسئلة يدخل منه القلق: هل التحديث إلزامي؟ وما البيانات المطلوبة تحديداً؟ وهل ثمة موعد نهائي؟ وماذا يحدث لحسابي إن لم أفعل؟ وماذا عن شخص يعيش في مدينة لا يتوفر فيها الفرع المطلوب، أو في بلد آخر بعيد، كيف يذهب إلى «أقرب فرع»؟

 

أسئلة كلها تحتاج إلى إجابات واضحة، ولذلك قمتُ بالتواصل مع بنك السودان المركزي. الجهة التي صدر منها التوجيه، لكافة المصارف، لمعرفة الهدف من الرسالة.

 

خلاصة ما فهمته من الإفادة أن تحديث بيانات العملاء ليست قراراً يخص مصرف بعينه، ولا هو إجراءً استثنائياً استُحدث هذا العام. وإنما هو متطلب رقابي قائم يندرج تحت ما يُعرف مصرفياً بـمبدأ «أعرف عميلك» (KYC)، وامداده الزمني «العناية الواجبة المستمرة» — أي أن معرفة العميل التزام متجدد يستمر ما استمرّت العلاقة، يعني بصريح العبارة ” عملية تفتيش دورية”، وهو صادر في إطار منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ونافذ أمره على كافة المصارف، ولا يقتصر على مصرف واحد. فأيّ مصرف يُرسل إليك مثل هذه الرسالة يُنفّذ تعليمات البنك المركزي، وهذا وحده ربما كافٍ لتهدئة نصف القلق.

 

بحثت أيضاً عن تجارب مماثلة، وتوصلت إلى أن هذا الإجراء يجري في العالم كلّه، وبصورة أشدّ صرامة في المراكز المالية الكبرى. وربما في بلادنا تأخر كثيراً، فمن له تجربة مع مصرف في الخليج أو أوروبا يعرف رسائل «مراجعة البيانات الدورية».

 

قد تُقيَّد الخدمة أو يُجمَّد التعامل حتى يستكمل العميل ما طُلِب منه. والمعيار الذي تستند إليه هذه الممارسة معيار دولي واحد تصدره مجموعة العمل المالي (FATF)، تُقاس به الدول جميعاً، فما يُطلب من العميل في الخرطوم اليوم هو نفسه الذي يُطلب من نظيره في لندن ودبي والقاهرة. الفرق أن الناس هنالك تعودوا على مثل تلك الرسائل تقريباً، وهنا وصلتهم الرسالة في ظرف صعب فقرأوها بعين القلق.

 

وحتى تكون الصورة كاملة، فإن ما يُطلب في التحديث هو بياناتك التعريفية وسكنك، وطبيعة نشاطك ومصدر أموالك، ووسائل التواصل المرتبطة بحسابك. وهذه الأخيرة هي بيت القصيد في زمن الاحتيال. فأكثر ما يُروى من حوادث الاستيلاء على الحسابات يبدأ من رقم هاتف قديم لم يُحدَّث، أو شريحة صارت في يد أخرى، أو عنوان لم يعد صحيحاً، وحين تكون بياناتك محدَّثة، يصبح كشفُ الحركة غير المعتادة أسرع، والوصول إليك عند الاشتباه أيسر. أي أن التحديث — على خلاف ما يُفهم — إجراء في مصلحتك أنت أولًا، لا قيد عليك.

 

هنالك فائدة أكبر من حساب الفرد، تمسُّ البلد كلَّه. فالمدفوعات السودانية_ لا تعمل في جزيرة معزولة_ تحتاج مصارف مراسلة في الخارج لتمرّ الحوالات والاعتمادات وتجارة الاستيراد والتصدير. وهذه المصارف العالمية تُدقق في جودة سجلات العناية الواجبة قبل أن تقبل التعامل، وضعفُ تلك السجلات من أبرز أسباب ما يُعرف بـ«إنهاء العلاقات المصرفية»، الذي أضرّ باقتصادات كثيرة في دول نامية. وبالمقابل، فكلّما اطمأن الطرف الخارجي إلى سلامة البيانات، انخفضت كلفة التحقق وتَقلَّصت مدّة تنفيذ الحوالة — وهو مكسب يشعر به فوراً، كلّ مغترب يرسل إلى أهله، وكلّ تاجر يفتح اعتماداً، إذ أن الورقة التي تُحدّثها في الفرع اليوم هي، في التحليل الأخير، خطوة مهمة في تصنيف الجهاز المصرفي السوداني كلّه.

 

المتطلب سليم، والوسيلة أيضاً تحتاج تطويراً، فعبارة «أقرب فرع» تفترض وجود فرع قريب، وهذا ما لا يتوفّر لأعداد كبيرة من السودانيين اليوم، منهم من هاجر، ومنهم من يسكن مدينةً تعطّلت فيها الخدمة المصرفية. ولذلك فإن الطلب المشروع الموجّه إلى الجهة الرقابية والمصارف معاً هو إتاحة استكمال التحديث إلكترونياً بآليات معتمدة، ومتوافقة مع الضوابط. وليس في ذلك تجاوز للمتطلّب ولا إلغاء له، وإنما تنفيذه بوسيلة أرحم. والحكمة في هذا ظاهرة: إن تعثر الإجراء على الناس، لم يتركوا التعامل المالي، تركوا القناة الرسمية ومضوا إلى قنوات لا رقابة عليها ولا حماية فيها — فنخسر مرّتين.. نخسر الشمول المالي، ونخسر الرقابة التي من أجلها وُضع الإجراء.

 

وأمّا ما يُتداول من ربطٍ بين رسائل التحديث وحوادث الاحتيال، فالتفريق فيه واجب، لأن العمليات التي تبدأ من الاستيلاء على وسيلة الاتصال أو من إفشاء رمز التحقّق تجري خارج أنظمة المصارف، وليست اختراقًا لبنيتها التقنية. ومن أراد حماية حسابه فليحفظ ثلاثاً، رمز التحقّق الذي لا يطلبه موظف ولا جهة رسمية، وشريحة هاتفه التي هي عنوان وصول ذلك الرمز، وقناة التواصل الرسمية وحدها عند أي اشتباه.

 

ومن هذا الباب أوجّه مناشدة صريحة إلى بنك السودان المركزي وإلى المصارف التجارية كافّة، بأن يُعتمد للتحديث مسار إلكتروني رسمي يستطيع العميل أن يستكمل به بياناته من مكانه، أينما كان، عبر التطبيقات المصرفية أو المنصّات الإلكترونية المعتمدة أو أرقام تواصل مخصصة موثّقة، مع ما يتطلبه ذلك من تحقّق من الهويّة بالوسائل الرقمية المقبولة رقابياً.

 

​وللمناشدة سببٌ لا يحتاج طويل شرح. فالبلد مرّ بحربٍ فرّقت الأسر ونقلت مئات الآلاف من مدنهم، ومنهم من صار في بلدٍ آخر لا فرع لمصرفه فيه، ومنهم من بقي في مدينة لم تعد فيها خدمة مصرفية عاملة. وتكليف هؤلاء بالحضور شخصياً إلى فرع بعيد يشقّ على النفس والجيب. والأصل في الخدمة المصرفية أن تُيسّر حياة الناس لا أن تُثقلها، وأن تسعى إلى العميل حيث هو لا أن تنتظره حيث كان.

 

ثم إن في الأمر مصلحة أكبر من مصلحة الفرد، وهي حفظ الشمول المالي الذي بُنِي بجهد سنين. فمن لم يجد باباً مُيسراً لتحديث بياناته قد يجد حسابه معطلاً، عن بعض الخدمات، فيلجأ إلى معاملاته عبر حساب قريب أو صديق، أو ينصرف إلى وسائل نقل للمال لا سجل لها ولا حماية فيها ولا حقّ يُطالَب به إن ضاع ماله. وحينها لا يخرج هذا العميل من مصرف إلى مصرف، في واقع الأمر يخرج من النظام المصرفي كلّه.

 

عموماً فإن الرسالة التي أربكت الناس، وبحسب الخلاصة التي توصلت إليها، هي بابٌ رقابيّ معتاد في كلّ بنوك الدنيا، دخلناه نحن في وقتٍ حسّاس فبدأ غريبا، وهى خدمة مجانية وليست بمقابل مالي.. يبقى المطلوب من المصارف بياناً أوضح، ومن الجهة الرقابية بديلاً رقمياً أرحم، ومن العميل خطوة واحدة لا تُؤخَّر، بحيث يذهب ليُحدّث بياناته حين يستطيع، فتلك خطوة يحمي بها ماله، ويرفع بها — من حيث لا يشعر — سمعة نظام مصرفي نحتاج جميعاً أن يبقى موصولًا بالعالم.

WhatsApp

alzaawia.net