محاكمة ليندسي كلانسي.. هل أسهمت الأدوية النفسية فى مأساة مقتل أطفالها

تتصدر قضية جنائية صادمة المشهد فى الولايات المتحدة، بعدما بدأت هيئة محلفين النظر في محاكمة الممرضة السابقة ليندسي كلانسي من ولاية ماساتشوستس ، والمتهمة بقتل أطفالها الثلاثة داخل منزل الأسرة عام 2023، قبل أن تقفز من نافذة بالطابق العلوي فى محاولة للانتحار، ما أدى إلى إصابتها بالشلل من الخصر إلى أسفل.
وتقر هيئة الدفاع بأن كلانسي هى من قتلت أطفالها، لكنها تدفع بعدم مسؤوليتها جنائيًا بسبب إصابتها باضطراب عقلي شديد، بينما يتركز جزء أساسي من القضية على احتمال معاناتها من ذهان ما بعد الولادة، إلى جانب التساؤلات حول الدور المحتمل للأدوية النفسية التى وصفت لها فى الأشهر السابقة للجريمة، حسبما نشر موقع ديلي ميل.
مأساة داخل منزل الأسرة
تعود أحداث القضية إلى 24 يناير 2023، عندما كانت كلانسي فى منزلها مع أطفالها الثلاثة، كورا، البالغة من العمر 5 سنوات، ودوسون، البالغ 3 سنوات، وكالان، الذي كان يبلغ من العمر 8 أشهر.
وبحسب القضية، خنقت كلانسي أطفالها الثلاثة فى قبو المنزل، ثم قفزت من نافذة فى محاولة لإنهاء حياتها، لتنجو لكنها أصيبت بشلل دائم، وتقول كلانسي إنها كانت فى ذلك الوقت تمر بحالة ذهانية شديدة، وإنها سمعت صوتًا رجاليًا يأمرها بقتل أطفالها ثم الانتحار.
ووصف طبيب نفسي شرعي شهد فى القضية حالتها بأنها كانت "مصابة بالذهان بوضوح" وقت ارتكاب الجريمة، مشبهًا حالتها بشخص يتحرك وكأنه دمية بينما يتحكم شخص آخر في خيوطها.
ويبقى السؤال أمام هيئة المحلفين هو ما إذا كانت كلانسي ارتكبت الجريمة وهي مدركة لأفعالها، أم أنها كانت تعانى من اضطراب عقلي بالغ أفقدها القدرة على التحكم في تصرفاتها أو إدراك طبيعة ما تفعله.
ذهان ما بعد الولادة في قلب الدفاع
يركز الدفاع بصورة أساسية على احتمال إصابة كلانسي بذهان ما بعد الولادة، وهو اضطراب نفسي نادر وخطير يمكن أن يحدث بعد الولادة، وقد يتضمن الهلاوس والأوهام واضطراب التفكير والسلوك، لكن القضية لا تتوقف عند هذا الاحتمال، إذ يحاول الدفاع كذلك تسليط الضوء على سلسلة الأدوية النفسية التي حصلت عليها كلانسي خلال فترة قصيرة قبل وقوع الجريمة.
ففي سبتمبر 2022، بدأت باستخدام مضاد الاكتئاب سيرترالين للمساعدة في التعامل مع القلق والأرق، وبعد زيادة الجرعة ظهرت عليها أعراض شديدة، من بينها عدم النوم لمدة 48 ساعة وتسارع الأفكار وتفاقم القلق.
وبعد ذلك، وخلال الفترة الممتدة من أكتوبر 2022 حتى يناير 2023، وُصفت لها 13 تركيبة دوائية نفسية مختلفة، شملت مضادات الاكتئاب ومضادات الذهان والأدوية المهدئة والمنومة.
هل كان للأدوية دور في تدهور حالتها؟
حاول محامي الدفاع كيفن ريدينجتون إقناع المحكمة بالسماح لهيئة المحلفين بالنظر في مفهوم "التسمم غير الإرادي"، على أساس أن الأدوية الموصوفة لها، إلى جانب آثار تغييرها أو التوقف عنها، ربما أسهمت في تغيير حالتها العقلية، إلا أن القاضي رفض السماح بهذا الدفاع بصورة مستقلة، ومع ذلك، ظلت الأدوية جزءًا رئيسيًا من حجج الدفاع، إذ قال ريدينجتون في مرافعته الختامية إن المأساة ارتبطت جزئيًا بما وصفه بـ"الأدوية السيئة والرعاية الطبية السيئة" التي تلقتها كلانسي.
كلانسي تحدثت عن تغيرات مخيفة
استمعت هيئة المحلفين إلى أن كلانسي نفسها تحدثت مرارًا عن شعورها بأن الأدوية تؤثر عليها بصورة سلبية، وفي إحدى الملاحظات التي كتبتها على هاتفها قبل أسابيع من مقتل أطفالها، وصفت نفسها قبل العلاج الدوائي بأنها كانت أمًا صحية وسعيدة، قبل أن تقول إن الأدوية الموصوفة جعلتها تشعر وكأنها انفصلت عن جسدها.
كما أخبر زوجها باتريك أحد مقدمي الرعاية الصحية بأن حالة زوجته أصبحت أسوأ بكثير منذ بدء العلاج، واقترح التوقف عن الأدوية والبدء من جديد، وفي برنامج متخصص للصحة النفسية في الفترة المحيطة بالولادة، رأى أطباء أن بعض أعراضها قد تكون مرتبطة بالأدوية بصورة أكبر من ارتباطها بالاكتئاب وحده، وأبدوا مخاوف بشأن حصولها على عدد كبير من الأدوية.
التوقف عن بعض الأدوية زاد تعقيد الصورة
تظهر سجلات القضية أن كلانسي توقفت عن تناول دواء كويتيابين، وهو أحد مضادات الذهان، في يناير 2023 بعد استخدامه بجرعة مرتفعة نسبيًا، وبعد إيقافه، تدهورت حالتها وظهرت لديها أفكار انتحارية وأفكار بشأن إيذاء أطفالها.
كما كانت تتناول أدوية أخرى خلال الأسابيع الأخيرة، بينها ترازودون ولورازيبام، قبل أن يتم تغيير الأخير إلى ديازيبام مع خطة لتقليل الجرعة تدريجيًا، وفي اليوم السابق لمقتل الأطفال، زادت جرعة دواء أميتريبتيلين من 10 إلى 20 ملليجرامًا، ويرى الدفاع أن سلسلة البدء في الأدوية وإيقافها وتغيير الجرعات ربما كان لها دور في اضطراب حالتها، بينما يجادل الادعاء بأن مستويات الأدوية في جسدها وقت الجريمة لا تدعم القول بأنها كانت السبب في تصرفاتها.
تحذيرات معروفة بشأن بعض الأدوية
تحتوي النشرات الدوائية لبعض مضادات الاكتئاب على تحذيرات بشأن أعراض نفسية وسلوكية محتملة، من بينها الأفكار الانتحارية والهلاوس والعدوانية والبارانويا، وإن كانت هذه الآثار غير شائعة، كما يمكن أن يؤدي التوقف المفاجئ عن بعض الأدوية النفسية إلى أعراض مثل القلق والأرق والاضطراب، وهو ما يجعل تغيير هذه الأدوية أو إيقافها بحاجة إلى إشراف طبي.
لكن وجود هذه الآثار الجانبية في النشرات الدوائية لا يعني أن الدواء تسبب بالضرورة في سلوك عنيف أو جريمة بعينها، وهو ما يجعل إثبات العلاقة السببية في مثل هذه القضايا مسألة طبية وقانونية معقدة.
قضية تثير سؤالًا أوسع
تفتح محاكمة كلانسي بابًا لنقاش أوسع حول العلاقة بين الاضطرابات النفسية والأدوية المستخدمة لعلاجها، خصوصًا عندما يتعرض المريض لتغيرات سريعة في نوع العلاج أو الجرعات.
وفي الوقت نفسه، يؤكد المختصون أن الأدوية النفسية يمكن أن تكون منقذة للحياة وفعالة بصورة كبيرة بالنسبة إلى كثير من المرضى، وأن أي حديث عن آثارها الجانبية يجب ألا يتحول إلى تخويف عام من العلاج أو دفع المرضى إلى إيقاف أدويتهم دون استشارة الطبيب.
وتبقى القضية أمام هيئة المحلفين مختلفة عن النقاش الطبي العام؛ إذ يتعين عليها تحديد ما إذا كانت الحالة العقلية لكلانسي وقت الجريمة وصلت إلى درجة تمنع تحميلها المسؤولية الجنائية.
مأساة تتجاوز قاعة المحكمة
حتى مع استمرار المحاكمة، تظل مأساة أطفال كلانسي في قلب القضية، بينما يحاول القضاء تحديد ما حدث داخل عقل والدتهم في الساعات التي سبقت وفاتهم، ولا تزال النتيجة النهائية معلقة على تقييم الأدلة الطبية والنفسية وشهادات الخبراء، وعلى قرار هيئة المحلفين بشأن ما إذا كانت كلانسي كانت مدركة لأفعالها وقادرة على التحكم فيها، أم أن حالتها العقلية جعلتها غير مسؤولة جنائيًا عن الجريمة.
وفي جميع الأحوال، تطرح القضية سؤالًا بالغ الحساسية حول ضرورة التعرف المبكر على علامات الذهان واضطرابات ما بعد الولادة، والتعامل معها باعتبارها حالات طبية طارئة تستدعي تدخلًا متخصصًا وسريعًا.
youm7.com