خبر ⁄منوعات

بعد ربع قرن.. ماذا فعلت أمريكا فى العالم نتيجة هجمات 11 سبتمبر ملف خاص

بعد ربع قرن.. ماذا فعلت أمريكا فى العالم نتيجة هجمات 11 سبتمبر ملف خاص

كانت أحداث 11 سبتمبر ضربة موجعة للولايات المتحدة، أكبر هجوم إرهابى على الأراضى الأمريكية، سقوط أحد رموز الرأسمالية الأمريكية ممثلا فى رجى مركز التجارة العالمى فى نيويورك، ومحاولة للمساس بمقر وزارة الدفاع لأقوى بلد فى العالم، ناهيك عن سقوط آلاف القتلى فى يوم واحد.

لكن الخسائر التى منيت بها أمريكا لم تقتصر على هذا اليوم فقط. فقد شهد الربع قرن التالى لهجمات سبتمبر خسائر أخرى فادحة سواء مادية ممثلة فى الثمن الباهظ للحروب التى خاضتها الولايات المتحدة، أو إنسانيا بفقدان الآلاف من جنودها فى تلك الحروب، فضلا عن الإضرار بسمعتها ومكانتها العالمية، لكنها فى الوقت نفسه حققت مكاسب أمنية ومؤسسية مهمة بعد الهجمات، وتمكنت من إعادة بناء منظومة الأمن الداخلى وملاحقة تنظيم القاعدة وقياداته، ونجت حتى الآن من تكرار ما حدث فى 11 سبتمبر.


 

 

وكان أول مكاسب الولايات المتحدة بعد الهجمات هو إعادة بناء منظومة الأمن الداخلى بالكامل تقريبا، فقد أدت هجمات 11 سبتمبر إلى إنشاء وزارة الأمن الداخلى الأمريكية عام 2003، فى أكبر عملية إعادة تنظيم للحكومة الفيدرالية منذ الحرب العالمية الثانية، بعدما جرى دمج 22 وكالة ومكتبا فى كيان وزارى واحد بهدف منع الهجمات الإرهابية والاستعداد لها والاستجابة للكوارث.


حرب بالعراق

 

كما تغيرت قواعد أمن الطيران بصورة جذرية، إذ أصبحت إجراءات التفتيش والتدقيق أكثر صرامة، وتأسست إدارة أمن النقل الأمريكية، وأصبح أمن المطارات جزءا أساسيا من منظومة الأمن القومي. ويشعر الأمريكيون بالرضا عن هذه الإجراءات، فوفقا لاستطلاع حديث أجرته رويترز وإبسوس، قال 60% منهم إنهم يرون أن الإجراءات الأمنية التى اتخذتها الحكومة بعد 11 سبتمبر كانت فعالة، كما لا يزال هناك تأييد واسع لتدابير أمن المطارات.
من ناحية أخرى، طورت الولايات المتحدة قدراتها فى جمع المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة تمويل التنظيمات الإرهابية، وتعقب القيادات المسلحة، وتبادل المعلومات بين الأجهزة الفيدرالية والمحلية.


وعلى الصعيد العسكرى، تمكنت واشنطن فى النهاية من قتل رمز الإرهاب فى تلك الحقبة أسامة بن لادن وتفكيك أجزاء كبيرة من البنية القيادية لتنظيم القاعدة، قبل أن تظهر عشرات التنظيمات الإرهابية الأخرى. ولعبت العمليات الأمريكية دورا رئيسيا فى إضعاف تنظيم داعش بعد سيطرته على مساحات واسعة من العراق وسوريا.


لكن هذه المكاسب الأمنية جاءت أيضا مصحوبة بتكلفة سياسية وقانونية، إذ أثارت برامج المراقبة الواسعة بعد 11 سبتمبر جدلا مستمرا حول حدود صلاحيات الدولة وحماية الخصوصية والحريات المدنية.


وإذا كان الأمن الداخلى يمثل أبرز ما كسبته الولايات المتحدة، فإن التكلفة الاقتصادية للحروب تمثل أحد أكبر ما خسرته.
فوفقا لمشروع «تكاليف الحرب» التابع لجامعة براون، بلغ إجمالى تكلفة الحروب الأمريكية بعد 11 سبتمبر نحو 8 تريليونات دولار حتى السنة المالية 2022، ويشمل ذلك الإنفاق العسكرى والالتزامات المستقبلية المتعلقة برعاية المحاربين القدامى وتكاليف الاقتراض والفوائد. كما يقدر المشروع أن تكلفة رعاية هؤلاء المحاربين قد تصل إلى ما بين 2.2 و2.5 تريليون دولار بحلول عام 2050.


ولم تتوقف فاتورة حرب أفغانستان بانسحاب القوات الأمريكية عام 2021، فحتى بعد انتهاء العمليات العسكرية الكبرى، استمرت فاتورة الحروب من خلال الرعاية الصحية للمحاربين القدامى، والفوائد على الديون التى استخدمت لتمويل العمليات، والإنفاق العسكرى المرتبط بمواجهة التهديدات التى نشأت أو استمرت فى مناطق الحرب.


على المستوى السياسى والدولى، يرى كثير من المحللين أن الوحدة الوطنية التى أعقبت الهجمات مباشرة سرعان ما أفسحت المجال لانقسام حاد وحزبية متصاعدة، حتى وصف تحليل لهيئة الإذاعة الأسترالية أمريكا اليوم بأنها باتت أقرب إلى «كراهية متبادلة» منها إلى التضامن الذى ساد عقب الهجمات مباشرة. كما تراجعت مكانة واشنطن كقوة عظمى وحيدة لا يُنازعها أحد، مع تصدع بعض تحالفاتها التقليدية وبروز قوى دولية منافسة، لاسيما الصين، استغلت انشغال أمريكا بحروبها فى الشرق الأوسط لتعزيز نفوذها.


وإذا كانت الخسائر المالية فادحة، فالخسائر البشرية أشد فداحة. فبحسب أحدث بيانات مشروع تكاليف الحرب، قُتل ما لا يقل عن 940 ألف شخص بصورة مباشرة نتيجة العنف فى حروب ما بعد 11 سبتمبر، بينما يصل إجمالى الوفيات المباشرة وغير المباشرة إلى نحو 4.5 إلى 4.7 مليون شخص.
كما تسببت هذه الحروب فى نزوح نحو 38 مليون شخص فى أفغانستان وباكستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن والصومال وغيرها.
وفى الوقت الذى لا تزال فيه واشنطن تخوض مواجهة عسكرية مع إيران، فإن السؤال الذى طرحته تجربة أفغانستان والعراق يعود مرة أخرى: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تحقق أهدافها بالقوة العسكرية دون أن تجد نفسها أمام حرب جديدة أطول وأكثر تكلفة من الحرب التى سبقتها.

 

حروب أمريكا مستمرة

أفغانستان

الأطول بعقدين من القتال

العراق
الأكثر دموية فى الشرق الأوسط

إيران
آخر ميادين القتال بتوقيع ترامب

مع مرور 25 عاما على هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، تبدو الولايات المتحدة وكأنها لم تغادر بالكامل العالم الذى تشكل فى أعقاب ذلك اليوم الدامى، فالهجمات التى أودت بحياة أكثر من ثلاثة آلاف شخص لم تغير فقط شكل الأمن والسياسة الداخلية الأمريكية، وإنما أطلقت مسارا عسكريا وحروبا طويلة امتدت من أفغانستان إلى العراق، مرورا بحملات عسكرية محدودة فى سوريا واليمن والصومال ومناطق أخرى، وصولا إلى المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران فى عام 2026.


ولا تمثل الذكرى الـ25 لأكبر حدث إرهابى فى القرن الحادى والعشرين مجرد محطة لاستعادة ما جرى فى ذلك اليوم، وإنما لحظة لإعادة تقييم ربع قرن من السياسة الخارجية الأمريكية؛ تحولت خلاله «الحرب على الإرهاب» من حملة عسكرية محددة إلى منظومة عالمية من العمليات والتدخلات، لا تزال تكلف واشنطن تريليونات الدولارات، وتترك آثارا بشرية وسياسية وأمنية تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من ساحات القتال.

 

أفغانستان.. الحرب الأطول والعودة إلى نقطة البداية

كانت أفغانستان المحطة الأولى فى سلسلة الحروب الأمريكية التى أعقبت 11 سبتمبر 2001. جاء التحرك العسكرى سريعا، بعد أقل من شهر على الهجمات الإرهابية، بهدف ملاحقة تنظيم القاعدة الذى خطط ونفذ الهجمات، وإسقاط نظام طالبان الذى كان يؤوى قيادات التنظيم، وبدأت الولايات المتحدة فى أكتوبر حملتها العسكرية بعدما رفضت طالبان تسليم زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، الذى كان العقل المدبر للهجمات.


حققت القوات الأمريكية وحلفاؤها نجاحا سريعا، فتمكنت من الإطاحة بحكومة طالبان وتراجع تنظيم القاعدة. لكن الحرب تحولت تدريجيا من عملية لملاحقة تنظيم إرهابى إلى مشروع طويل لبناء دولة ومؤسسات أمنية وسياسية جديدة.


ويقول معهد بروكينجز البحثى فى تقرير له إن الهدف الأمريكى الضيق المتمثل فى مكافحة الإرهاب حقق نجاحات مهمة، لكن مشروع بناء دولة أفغانية مستقرة وقادرة على البقاء ظل موضع شك منذ سنوات الحرب الأولى.


وعلى مدار 20 عاما، لم تنجح الولايات المتحدة فى إنهاء التمرد وإقامة دولة أفغانية مستقرة قادرة على البقاء، لتغادر قواتها البلاد فى أغسطس 2021، وتعود حركة طالبان إلى كابول، رغم الثمن الباهظ لهذه الحرب.


فوفقا لمشروع «تكاليف الحرب» التابع لجامعة براون، أنفقت الولايات المتحدة نحو 2.313 تريليون دولار على حرب أفغانستان والعمليات المرتبطة بها فى باكستان حتى عام 2022، بينما قُدّر عدد من قتلوا بصورة مباشرة جراء الحرب بنحو 243 ألف شخص.
غزو العراق.. نقل حروب أمريكا إلى قلب الشرق الأوسط


 

كان الرئيس الأمريكى جورج دبليو بوش مهووسا بصدام حسين، على حد تعبير بروس ريدل، المستشار السياسى لأربعة رؤساء أمريكيينمنه بوش نفسه. وبطريقة أو بأخرى، أصبحت أحداث 11 سبتمبر فرصة أمام إدارته لملاحقة الرئيس العراقى، عبر مزاعم تحولت لاحقا إلى واحدة من أكثر عمليات التضليل المثيرة للجدل فى تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية الحديث.


فحتى قبل انطلاق حرب أفغانستان، كان بوش عازما على ربط العراق بملف الإرهاب وتهديداته الأمنية، فزعمت إدارته منذ الأيام الأولى بعد 11 سبتمبر أن نظام صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل، وأنه يمثل خطرا على الولايات المتحدة وحلفائها.


صدام حسين


ورغم أن الأمم المتحدة ضغطت على العراق لتفكيك برامجه النووية والبيولوجية والكيميائية بعد حرب الخليج عام 1991، فإن الرئيس جورج دبليو بوش زعم أن الزعيم العراقى صدام حسين استمر فى تطويرها، وهدد مجلس الأمن الدولى العراق بـ«عواقب وخيمة» فى أواخر عام 2002 إذا لم يتعاون مع عمليات تفتيش الأسلحة، لكنه لم يمنح تفويضا صريحا باستخدام القوة لغزو العراق.


وردت الولايات المتحدة بتشكيل «تحالف الراغبين» لغزو العراق والإطاحة بصدام حسين، وبدأ الغزو فى مارس 2003، وسقطت بغداد فى أبريل من العام نفسه، لكن عمليات التفتيش اللاحقة لم تجد دليلا على وجود برامج عراقية نشطة لأسلحة دمار شامل، وهو ما ألقى بظلال ثقيلة على المبررات التى قدمتها إدارة بوش للحرب.


بشار الاسد


ولم تتوقف المأساة هنا، فعلى مدار نحو 8 سنوات، تورطت الولايات المتحدة فى حرب احتلال وصراع مسلح واسع، تزامن مع تصاعد العنف الطائفى بين السنة والشيعة، ما ساهم فى زعزعة استقرار المنطقة.


وصنف مؤرخون وباحثون فى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية غزو العراق باعتباره واحدا من أسوأ القرارات فى تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية، لما سببه من تكاليف باهظة وإضرار بسمعة الولايات المتحدة عالميا، فضلا عن أنه عزز قوة القوى المعادية لواشنطن فى الشرق الأوسط.


وفى مقاله بدورية فورين أفيرز الأمريكية عن تكلفة الحرب على الإرهاب بالنسبة لأمريكا، يقول الكاتب فيليب جوردون إن أكبر أخطاء الحرب على الإرهاب لم تكن تكتيكية، بل تمثلت فى قرار تحويل مكافحة الإرهاب إلى مشروع عسكرى عالمى، ويشير إلى أن إدارة بوش بالغت فى ردها على 11 سبتمبر، عندما غزت العراق رغم عدم وجود دليل يربط نظام الرئيس صدام حسين بالهجمات.


ويضيف أن حل الجيش العراقى وإقصاء عشرات الآلاف من مسؤولى حزب البعث بعد الغزو أسهما فى خلق مقاومة مسلحة غذّت سنوات من العنف، قبل أن يؤدى الاضطراب فى العراق لاحقا إلى توفير بيئة ساعدت فى صعود تنظيم داعش.

 

باكستان واليمن.. حروب بلا جيوش

بالتوازى مع الحرب فى أفغانستان، وسعت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية إلى باكستان، خصوصا المناطق القبلية التى اعتُبرت ملاذا لتنظيم القاعدة وحركة طالبان باكستان.


وشنت واشنطن عشرات الضربات بطائرات مسيرة على أهداف يُشتبه فى انتمائها إلى التنظيمات المسلحة، فى تحول مهم داخل الاستراتيجية العسكرية الأمريكية من نشر قوات برية بأعداد كبيرة إلى الاعتماد على الضربات الجوية وعمليات الاستهداف المحددة.


وامتدت هذه الاستراتيجية لاحقا إلى اليمن، حيث بدأت الولايات المتحدة تنفيذ ضربات ضد تنظيم القاعدة فى شبه الجزيرة العربية، ثم كثفت عملياتها ضد جماعات مسلحة أخرى.


وهكذا، لم تعد الحرب الأمريكية بعد 11 سبتمبر مرتبطة بجبهات تقليدية، وإنما بدأت تأخذ شكل عمليات عسكرية محدودة وضربات جوية وطائرات مسيرة تستهدف جماعات مسلحة فى دول لا تخوض واشنطن معها حربا شاملة.

 

سوريا والصومال.. جبهات جديدة للحرب على الإرهاب

ومع صعود تنظيم داعش فى سوريا والعراق عام 2014، فتحت الولايات المتحدة جبهة جديدة، فبدأت حملة جوية واسعة ضد التنظيم فى سوريا، إلى جانب دعم قوات محلية تقاتله على الأرض، بينما واصلت واشنطن وجودها العسكرى فى سوريا رغم اختلاف طبيعة المهمة عن حرب العراق.


وفى الصومال، حافظت الولايات المتحدة على عمليات عسكرية ضد حركة الشباب وتنظيمات مرتبطة بالقاعدة، مستخدمة الضربات الجوية والطائرات المسيرة.
وبهذه العمليات، تحولت الحرب على الإرهاب تدريجيا إلى شبكة واسعة من التدخلات العسكرية المحدودة والمستمرة، بدلا من حرب واحدة ذات جبهة واضحة، وهو تحول جعل الوجود العسكرى الأمريكى يمتد إلى ساحات جديدة بعد سنوات من هجمات 11 سبتمبر.

 

الطريق من 11 سبتمبر إلى حرب إيران

رغم أن العداء بين واشنطن وطهران يعود إلى نهاية سبعينيات القرن الماضى مع اندلاع الثورة الإسلامية فى إيران، فإن المواجهة المباشرة بين البلدين ظلت غائبة. ولم تبدأ الولايات المتحدة تصعيد الضغوط على إيران بسبب برنامجها النووى إلا فى عام 2002، مع الكشف عن منشآت نووية لم تكن معلنة.


وأصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية يوم 12 سبتمبر 2003 قرارا يلزم إيران بـ«الوقف الفورى والكامل» لكل نشاطاتها المتعلقة بتخصيب اليورانيوم، وبتوقيع البروتوكول الإضافى الخاص بمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، والسماح الفورى بتفتيش المنشآت النووية الإيرانية «دون قيد أو شرط».
بعدها عرضت إيران التفاوض دون الوصول إلى اتفاق، مما أسفر عن حملة من العقوبات الاقتصادية عليها لسنوات، وفى عام 2013، بدأت طهران وواشنطن مفاوضات مباشرة، ليتم التوصل إلى الاتفاق النووى الإيرانى عام 2015 فى عهد أوباما، إلا أن الرئيس ترامب أعلن الانسحاب منه فى عام 2018، وعادت سياسة العقوبات.


وعلى مدار سنوات المواجهة، لم يقدم أى من الطرفين على التصعيد العسكرى المباشر. فمن ناحية، كانت الولايات المتحدة مستنزفة فى حربى العراق وأفغانستان، ومن ناحية أخرى كانت إيران تدرك الثمن الباهظ لأى حرب مباشرة فى ظل العقوبات والضغوط الاقتصادية المفروضة عليها.


ومع التغييرات التى حدثت فى الشرق الأوسط بعb