خبر ⁄منوعات

عزمي عبد الرازق يكتب.. من جنقول إلى آمنة ميرغني.. ماذا يدور في بنك السودان المركزي

عزمي عبد الرازق يكتب.. من جنقول إلى آمنة ميرغني.. ماذا يدور في بنك السودان المركزي

كتب- عزمي عبد الرازق- من جنقول إلى آمنة ميرغني.. ماذا يدور في عقل بنك السودان المركزي؟– في 14 مايو 2023، وبعد أقل من شهر على اندلاع الحرب، أعفى رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان محافظ بنك السودان حسين يحيى جنقول، وعيّن نائبه برعي الصديق خلفاً له، وتزامن القرار مع توجيه بتجميد الحسابات المصرفية لقوات الدعم السريع والشركات التابعة لها.

 

ولم يذكر البيان الرسمي سبباً لإعفاء جنقول، لكن مما توفر من معلومات وقرائن فإن جنقول كان أحد معاول إسناد انقلاب ميليشيا آل دقلو، وعمل على تمكينهم بكل الصوّر، حد أن الرجل الأول في الدولة عندما سئل عنه قبل عزله رد عليهم ” دا ما زولنا”، وهو ما اتضح لاحقاً بعد تمرده.

 

جاء برعي الصديق إلى المنصب في 14 مايو 2023، وكان أمامه اقتصاد محترق بالذخيرة الحية، ومصارف أُغلقت أو تضررت، وفروع خرجت من الخدمة، ونظام مدفوعات تحت ضغط هائل، وكتلة نقدية ضخمة تحركت خارج الدورة المالية الرسمية، ولذلك بالنسبة له فإنه استمرار الجهاز المصرفي في تلك الظروف إنجازاً لوحده، وكان برعي يستمد نفوذه مباشرة من رئيس مجلس السيادة، إلا أنه ومع ذلك وقع في أخطاء لا تزال أثارها إلى اليوم، من بينها تأخر قرار تغيير العملة، حتى تمكن الجنجويد من التخلص من الكتلة النقدية التي نهبوها من البنوك ومطبعة العملة، وعدم ملاحقتهم بالإجراءات البنكية، إلى جانب شخصيته الحادة، والتي أوقعته في مواجهات وتقاطعات خلقت حالة من عدم الاستقرار، ومع ذلك فقد انتقل جزء كبير من العمل المصرفي إلى الولايات الآمنة، وأصبح بنك السودان يدير المعركة المالية من بورتسودان، بينما كان كل شيء في الدولة يتحسس أطرافه.

 

في نوفمبر 2024 أعلن بنك السودان ترتيبات استبدال فئتي الألف والخمسمائة جنيه، وقال برعي وقتها إن العملية ستتم عبر الإيداع في الحسابات المصرفية، مع رفع درجة استعداد المصارف وفتح الفروع العاملة في المناطق الآمنة وزيادة ساعات الخدمة، ثم جاءت المنشورات الرسمية في 8 و9 ديسمبر 2024، وبدأ الاستبدال فعلياً في 10 ديسمبر في عدد محدود من الولايات، أما البقية فقد ظلت تتعامل بالعملة القديمة التي اتخذتها المليشيا مبرئة لـ(الشفشفشة)، وقد ثارت أنذاك العديد من الأسئلة: هل كان بالإمكان تنفيذ الاستبدال قبل ذلك؟ ألم يكن حجم الكتلة النقدية الموجودة خارج النظام المصرفي يستوجب تدخلاً أسرع؟ هل تم التعامل بجدية مع شركات المليشيا وبنوكها وحساباتها؟

 

في 13 أكتوبر 2025 تغير المشهد مرة أخرى، أُعفي برعي الصديق، وعُينت آمنة ميرغني حسن التوم محافظاً لبنك السودان المركزي، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ البنك.

 

السيرة المبذولة عنها تشير إلى أنها تخرجت في كلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم عام 1985، وعملت في بنك السودان منذ 1986، وتدرجت في إداراته، ووصلت إلى إدارة الأسواق المالية، قبل أن تتولى لاحقاً إدارة مطابع العملة، وهذا التفصيل مهم جداً، ويعني أن آمنة لم تأتِ إلى البنك من خارج المؤسسة، كما أنها تفضل العمل في صمت وعلى رأس فريق مختص، وهنا يمكن فهم الاختيار بعيداً عن كونها «أول امرأة» فقط.

 

وبالرغم من أنها ورثت منظومة تعاني من مشاكل إدارية متناسلة، ودخول البلاد في مرحلة إحكام الحصار وخنق الاقتصاد، وحظر تصدير الذهب، وظهور شباكات مضاربة جديدة تعمل من الخارج وأحياناً من داخل مناطق سيطرة المليشيا، وهى جوء من الأزمة الأخيرة، ما يعني أن الحرب على السودان انتقلت إلى تهديد المنظومة المالية، إلى فاتورة الاستيراد.

 

الإنتاج تعرض للضرب، والصادرات تقلصت، والذهب أصبح في قلب المعركة الاقتصادية، والسوق الموازي تمدد، والطلب على العملات الأجنبية ظل مرتفعاً، بينما تحتاج الدولة إلى تمويل الخدمات والإعمار في الوقت نفسه، والحرب قبل كل شيء، مع الأخذ في الإعتبار أن تجاهل العدوان، كما قال وزير المالية، يعني فقدان كل شيء وعودة المرتزقة والشفشافة إلى الخرطوم والجزيرة وربما زحفهم نحو بورتسودان.

 

ركزت السياسة الأخيرة المعلنة للبنك المركزي على الانتقال من الصمود إلى التعافي، مع الاهتمام باستقرار الأسعار، وإعادة بناء الجهاز المصرفي، وتحديث البيانات والرقمنة وإستعادة المقاصة وبناء احتياطي من الذهب لمواجهة التزامات توريد الوقود والقمح والدواء.

 

في يوليو 2026 أعلنت المحافظ أن البنك بدأ منذ 23 يونيو ضخ العملات الأجنبية للجهاز المصرفي، وأن الرقم بلغ نحو 400 مليون درهم لتغطية طلبات الاستيراد، وقالت إن سعر الدرهم انخفض في ذلك اليوم إلى نحو 1200 جنيه. كما ربطت السياسة بمكافحة تهريب الذهب والتداول غير الرسمي للعملة وضبط عمليات الاستيراد.

 

قد يختلف الاقتصاديون حول استدامة هذه السياسة، لكن ثمة فرقاً بين أن يتدخل البنك في السوق بلا موارد، وأن يتدخل وهو يحاول بناء احتياطي من الذهب والنقد الأجنبي.

 

مؤخراً بدأت آمنة ميرغني تتعرض إلى هجوم متواصل، خصوصاً بعد التدهور الأخير في قيمة الجنيه وارتفاع الأسعار، ومشاكل طارئة في الخدمات البنكية المالية، إلا أنه بعد أسابيع ساخنة عادت التطبيقات للعمل، وبعد ثلاثة أيام عاصفة أيضاً بدأ الدولار في التراجع والأسعار في الانخفاض، ما يعني وجود عمليات مضاربة بالعملة، وارتفاع في الدولار الجمركي ليطرق حاجز 4346

 

نهاية أغسطس الماضي دشنت محافظ البنك المركزي العمل بوكالة الاستعلام والتصنيف الائتماني في شارع الجمهورية، وفي السادس من سبتمبر دشنت عودة وحدة المعلومات المالية إلى مقرها بالعاصمة. والبنك نفسه وصف الخطوتين بأنهما جزء من عودة مؤسسات الدولة واستئناف نشاطها من الخرطوم، وهذا يعني عودة قواعد البيانات، والأنظمة، والموظفين، والرقابة، والائتمان، ومكافحة الجرائم المالية، والتنسيق مع المؤسسات الدولية والإقليمية.

 

من امتصاص الصدمات إلى مرحلة التعافي والتحول الاستراتيجي، جاءت الخطة الخمسية للمركزي (2026–2030) والتي ترتكز على 6 محاور رئيسية تشمل الاستقرار النقدي، الحوكمة، والتحول الرقمي، وتقوم على 6 أهداف استراتيجية، و30 هدفاً عاماً، و150 هدفاً تنفيذياً لإعادة ترتيب الأولويات، بدءاً من حسم ملفات غسل الأموال وحظر الحسابات التي تنصلت من التحديث، مروراً بإلزام البنوك بإعادة تقييم أصولها الثابتة وتطوير منظومات الدفع الرقمي الشامل كأنظمة (NIPS) و(EBS)، وصولاً إلى بناء احتياطي استراتيجي من الذهب والنقد الأجنبي يغطي احتياجات البلاد لعدة أشهر قادمة، وهو ما يؤكد أن البنك المركزي بات يُشكل رأس الرمح في معركة استعادة المركز المالي للدولة، وتأمين السيادة الاقتصادية، وتوجيه الموارد نحو شرايين الإنتاج الحقيقي.

 

ما بين جنقول وبرعي اختلفت السياسات والأهداف والظروف العامة، وقد سعي برعي إلى تحقيق قدر من الفاعلية، بينما تجلس آمنة ميرغني اليوم في مقعد المحافظ وسط رياح عاتية، محاطة بتحديات معقدة ومضاربات شرسة، إلا أنها تعول على خبرتها الممتدة من إدارات الأسواق ومطابع العملة، والدخول مؤخراً إلى عش الدبابير، والذي سوف تظهر أثاره في الأيام القليلة القامة، ويبدو حتى اللحظة أن البنك المركزي يتجه نحو إدارة معركته المالية بأدوات المؤسسة العريقة، أكثر من ردود الأفعال

WhatsApp

alzaawia.net