خبر ⁄منوعات

نهر القيامة يذوب تحت أنظار العالم.. ثويتس يهدد مستقبل سواحل العالم

نهر القيامة يذوب تحت أنظار العالم.. ثويتس يهدد مستقبل سواحل العالم

في أقصى جنوب الأرض، بعيدًا عن المدن والموانئ والشواطئ التي يعيش عليها ملايين البشر، تتحرك أزمة مناخية بطيئة قد تكون آثارها عالمية. هناك في غرب أنتاركتيكا، يواصل نهر ثويتس الجليدي، المعروف باسم «نهر القيامة»، فقدان الجليد والتراجع، بينما تتشابك حوله تأثيرات المحيط والهواء والحرارة لتضع واحدًا من أهم الأنهار الجليدية على الكوكب تحت مراقبة العلماء.

ولا تكمن خطورة ثويتس في حجمه الهائل فقط، بل في موقعه ودوره داخل الغطاء الجليدي لغرب أنتاركتيكا. فالنهر يصرف مساحة ضخمة من الجليد نحو بحر أموندسن، ويعمل الجليد المحيط به كحاجز يبطئ حركة الكتلة الجليدية الداخلية. وإذا استمر التراجع وفقدت المنطقة مزيدًا من استقرارها، فقد تتسارع حركة الجليد باتجاه المحيط. وتشير الدراسات إلى أن الانهيار الكامل لثويتس يمكن أن يرفع مستوى سطح البحر عالميًا بنحو 65 سنتيمترًا، وهو ارتفاع لن يحدث فجأة، لكنه يوضح حجم المياه المخزنة في هذا العملاق الجليدي، وفقا لتقرير نشرته صحيفة انفوباى الأرجنتينية .

الخطر لا يأتي من البحر وحده

الأكثر إثارة للقلق أن قصة ثويتس لا ترتبط بالمحيط وحده. فالعلماء يراقبون أيضًا تأثير «الأنهار الجوية»، وهي ممرات ضخمة من بخار الماء تنقل الحرارة والرطوبة من مناطق بعيدة نحو القارة القطبية الجنوبية.


وقد أثبتت أبحاث علمية أن نهرًا جويًا قويًا كان المحرك الرئيسي لموجة الحرارة الاستثنائية التي ضربت شرق أنتاركتيكا في مارس 2022. وسجلت القارة حينها انحرافات حرارية تراوحت على نطاق واسع بين 30 و40 درجة مئوية فوق المعدلات المعتادة، بينما سجلت محطة كونكورديا رقمًا قياسيًا بلغ 9.4 درجة مئوية تحت الصفر، وهو رقم شديد الارتفاع بالنسبة إلى ظروف القارة في ذلك الوقت من العام.


وفي بحث نشر عام 2026، خلص العلماء إلى أن تغير المناخ أدى إلى تضخيم تأثير موجة حرارة 2022، مع مساهمة السحب وبخار الماء في زيادة الاحترار قرب السطح بما يصل إلى 10 درجات مئوية في بعض المناطق مقارنة بمحاكاة ظروف ما قبل الثورة الصناعية.

وهنا يظهر أحد أخطر جوانب الأزمة: الحرارة لا تحتاج إلى الوصول مباشرة إلى الجليد حتى تغير معادلة استقراره. فالهواء الدافئ والرطوبة والغيوم يمكن أن تغير ميزان الطاقة فوق القارة، بينما يعمل المحيط الدافئ من الأسفل على التأثير في الأجزاء العائمة من الأنهار الجليدية.

نهر القيامة لا ينهار غدًا.. لكن الخطر يتراكم

ورغم الصور المخيفة التي تحيط بثويتس، يحذر العلماء من تصور سيناريو انهيار مفاجئ خلال سنوات قليلة. أحدث نتائج التعاون الدولي لأبحاث ثويتس تشير إلى أن الانهيار الكامل خلال العقود المقبلة غير مرجح، لكنها في الوقت نفسه تؤكد أن النهر يتجه إلى مزيد من التراجع خلال القرن الحادي والعشرين وما بعده، وأن الانهيار الأوسع للغطاء الجليدي في غرب أنتاركتيكا لا يمكن استبعاده على المدى الطويل.


والأكثر إثارة للقلق أن دراسة نشرت في يوليو 2026 وجدت أن ثويتس يمكن أن يستمر في فقدان الجليد لمدة تصل إلى 150 عامًا حتى في نموذج افتراضي أزيل فيه ذوبان المحيط تمامًا، وإن كان معدل الفقد يتناقص، وهذا يعني أن مسار الجليد الحالي لا يمكن عكسه ببساطة عبر تبريد المحيط وحده، وأن النظام الجليدي يحمل آثارًا من تغيرات سابقة تؤثر في تطوره الحالي.

من القارة المتجمدة إلى المدن الساحلية

لهذا السبب لا يتعامل العلماء مع ثويتس باعتباره مجرد مشكلة تخص أنتاركتيكا. فارتفاع مستوى البحر يهدد المناطق الساحلية والبنية التحتية والموانئ والمدن المنخفضة حول العالم، وكل زيادة إضافية في مستوى البحر تعني مساحة أكبر معرضة للفيضانات والعواصف وتآكل السواحل.

وتكشف دراسة واسعة نُشرت في سبتمبر 2026، اعتمدت على بيانات 27 مهمة فضائية منذ سبعينيات القرن الماضي، أن جرينلاند وأنتاركتيكا فقدتا معًا 11.3 تريليون طن من الجليد بين 1979 و2023، وأسهم ذلك بالفعل في ارتفاع مستوى سطح البحر بنحو 3.14 سنتيمتر. كما وجدت الدراسة أن فقدان الجليد تسارع بشكل كبير منذ تسعينيات القرن الماضي، وأن نحو 84% من الفقد نتج عن تسارع تدفق الأنهار الجليدية نحو المحيط، وليس فقط عن ذوبان السطح.

وهنا تكمن الرسالة الأخطر: المشكلة ليست أن ثويتس سيذوب غدًا، وإنما أن الجليد الذي يفقده اليوم لا يعود بسهولة، وأن كل تراجع إضافي قد يغير شكل النظام الجليدي لعقود أو قرون

فإذا تحولت موجات الحرارة والأنهار الجوية والاحترار المحيطي إلى عوامل أكثر تكرارًا وشدة، فقد تتعرض أنظمة جليدية واسعة لضغوط متزايدة. وثويتس ليس جزيرة معزولة؛ فهو جزء من منظومة أكبر في غرب أنتاركتيكا، وقد يؤدي فقدان استقرار المنطقة إلى آثار تمتد إلى أنهار جليدية أخرى.


في أنتاركتيكا، قد يبدو التغير بطيئًا أمام العين البشرية، لكن الجليد يخزن كميات هائلة من المياه. وما يحدث هناك اليوم قد لا يظهر تأثيره كاملًا على شواطئ العالم غدًا، لكنه يرسم، ببطء، حدود الخطر الذي ستواجهه المدن الساحلية في العقود والقرون المقبلة.



youm7.com