كيف أدى تشديد عائلة دقلو قبضتها على السلطة إلى زعزعة الدعم السريع

الضعين- حسان الناصر- بين زخات المطر التي تغطي سماء المدينة، في الأسبوع الأول من أغسطس العام الرابع من الحرب، تتوقف سيارات رباعية الدفع تباعًا، تقل رجالًا يعرفون القرى والفرقان التي خرج منها مقاتلو «الدعم السريع»، والعائلات التي دفعت بأبنائها إلى الحرب منذ أبريل 2023.
يجلس عبد الرحيم دقلو أمام عُمد قبيلة الرزيقات القادمين من محليات دارفور المختلفة تحيط الأشجار بمكان الاجتماع، فتحجبه عن أعين الطائرات المسيّرة. لم يكن يريد عبد الرحيم منهم سوى شيء واحد: إعادة الاستنفار.
يبدأ العمد بالحديث أولًا عن الجنود الذين أصيبوا في المعارك، والمقاتلين الذين عادوا مبتوري الأطراف. يتحدثون عن أسر فقدت أبناءها، ورجال خرجوا إلى الجبهات ولم يعودوا، ومجتمعات تحمّلت، على مدى أكثر من ثلاث سنوات، كلفة حرب لم تكن تملك قرارها العسكري أو السياسي، حسبما يروي مصدر حضر الاجتماع لـ«مدى مصر».
بعد ذلك، ينتقل الحديث إلى الرجال الذين لا تزال القيادة تريد إرسالهم إلى القتال. يقول العمد إنهم غير قادرين على إقناع أبناء القبائل بالاستنفار كما فعلوا في سنوات الحرب الأولى. فقد طال أمد الحرب، وتراكمت الخسائر، وأصبح الأهالي يسألون عن أبنائهم الذين ذهبوا إلى الجبهات، وعن سبل علاج المصابين، وعن المكان الذي تحتله المجتمعات -التي دفعت رجالها- في السلطة التي يجري الحديث عنها.
في لحظة من الاجتماع، يخرج أحد العمد عن اللغة المعتادة في اللقاءات الرسمية، ويقول لعبد الرحيم إن القيادة تركت العمد والقبائل وحدهم لمواجهة تبعات الحرب، ثم يطلب منه أن يرافقهم إلى الحلال والفرقان، وأن يخاطب النساء والعائلات بنفسه، لإقناعهم بإرسال أبنائهم إلى القتال.
يثير الحديث غضب عبد الرحيم، ويتهم العمد بالتواطؤ مع الجيش، مهددًا بنقلهم إلى سجن «دقريس» في نيالا. لكن يقاطعه عدد منهم ويرفض تهديده، ويقول له أحدهم: «نحنا ما بتهددونا بالسجن». يتدخل الناظر ووكيله لاحتواء الموقف، لكن عبد الرحيم يغادر الضعين غاضبًا.
لكن المشكلة أكبر من اجتماع واحد غاضب؛ أكبر من يوم ممطر في الضعين، فذلك الاجتماع لم يكن سوى تتويج لتوتر كان يتصاعد ببطء في صميم المشروع السياسي لـ«الدعم السريع». فمنذ اندلاع الحرب، وبين جبهات القتال المتعاقبة، واجتماعات التخطيط المتواترة، وفي القاعات الإدارية التي أنشأتها «الدعم السريع» على عجل، ظل سؤال واحد يشغل قيادتها: كيف يمكنها أن تفرض تحديًا جللًا على مركز الحكم التاريخي في الخرطوم؟
لم يكن ممكنًا التفكير في هذا السؤال بوصفه تحديًا عسكريًا محضًا، فهو بالنسبة لقادة «الدعم السريع» سؤال شامل يستلزم إعادة صياغة كاملة للعلاقات الاجتماعية وتجاوزًا للنموذج التاريخي لحركة التمرد القادمة من هوامش الدولة، ولتحقيق مثل هذا الطموح، كان لا بد من دفع مستمر نحو مركزية أكبر فأكبر للسلطة، بحسب مصادر داخل قيادة «الدعم السريع» ومستشارين سابقين لها تحدثوا لـ«مدى مصر» على مدى الأشهر الستة الماضية.
برز مساران من رحم التشابك الذي أنتجه استمرار الحرب: الأول يمثّله عبد الرحيم دقلو، وهو المسار العسكري، القائم على الإيمان بأن الإجابة تأتي مع هدير محركات «الكروزر»، وأن القوة العسكرية تفرض شروطها بنفسها. فهو الرجل الذي استنفر المقاتلين من كل حدب وصوب، والذي نجحت استراتيجيته في ضمان النفوذ السياسي لقوات الدعم السريع.
أما المسار الآخر فيقوم على ضرورة بناء سلطة مدنية موازية، تمتلك من القدرة السياسية ما يكفي لممارسة ضغط تفاوضي وفرض شروطها، ويمثله حميدتي، الأخ الأصغر والأكثر موثوقية بين إخوة آل دقلو في قيادة القوات. فهو عرّاب مشروع «الدعم السريع»، منذ كانوا «جوالة» في بوادي نيالا، يأكلون المناصيص في ظل «الكروزرات» بأموال البشير.
لكن إن كانت المركزية قادرة على إنقاذ المشروع، فإنها قادرة أيضًا على تقويضه.
فمع كل شهر يمضي، تعيد الدولة «المتمردين» إلى ظلها المقدس، ما بين انشقاقات عسكرية هنا وأخرى سياسية هناك، تثبت فشل محاولة «الدعم السريع» فرض المركزية. وهي المركزية ذاتها التي خرج حميدتي على الدولة بسببها، حين رسم لنفسه صورة ابن الهامش في مواجهة المركز، ويحاول الآن استعادتها في شكل مشروع عاصمته نيالا. وآخر في الميدان لم ينجح في استنفار مقاتليه أو حتى ضمان بقاء من ظَلّ منهم. وبين غرف الاجتماعات والميدان، تتشكل أنوية انقسامات فتيلية في خلايا الجسد العسكري والسياسي لحرب السودان الصعبة. الحرب التي دشّنت حريق البلاد الكبير.
بدأت بذور مشروع «الدعم السريع» تنبت منذ الأيام الأولى للحرب. ففي اجتماعاتها المغلقة خلال النصف الثاني من 2023، بدأ مصطلح يتردد بين القادة: «المنظومة السيادية».
مستشار سياسي سابق شارك في اجتماعات التخطيط خلال الأشهر الأولى للحرب يتذكرها بوصفها جزءًا من «تحول ذهني» داخل القيادة. فحتى تلك اللحظة لم يكن هناك متسع كبير للتفكير في ما يتجاوز القتال، وكانت الاجتماعات تدور حول تأمين إمدادات مقاتلي «الدعم السريع»، لضمان استمرار معاركها. لكن مع سقوط عواصم دارفور واحدة تلو الأخرى في يد القوات، بدأت النقاشات تتجه نحو تصوّر شكل السلطة في الأراضي التي باتت تسيطر عليها.
وعن إحدى الخرائط التي استُخدمت في تلك الاجتماعات، يقول المستشار إن الحدود بين المناطق توقفت عن كونها خطوطًا تحدد اتجاه العمليات، وتحوّلت إلى أسئلة حول من يستطيع أن يُبقي السلطة قائمة بعد أن تتجاوز خطوط الجبهة تلك المناطق. وكانت «المنظومة السيادية»، بحسب المستشار، تصوّرًا يجمع الإدارة والاقتصاد وصنع القرار السياسي والعلاقات الخارجية تحت مركز واحد.
لكن التوسع ذاته الذي رفع سقف الطموح في بناء إدارة للمشروع كان يعني أيضًا أن الغالبية الساحقة من الموارد لا تزال موجَّهة إلى القتال، وبالتالي فإن أي حلم بمنظومة دولة كاملة كان لا بد أن يُؤجل.
يقول المستشار السابق إن «السيطرة على الأرض كانت أسرع من القدرة على إدارتها»، وصارت الفجوة بين الاثنين محورًا دائمًا وعاصفًا للنقاش في الاجتماعات المغلقة.
ومع ذلك، كان لدى «الدعم السريع» وسائل لتثبيت مناطقها لا تعتمد على منظومة إدارية مكتملة، فقوتها في دارفور بُنيت عبر قادة ميدانيين وشبكات محلية ربطت المجموعة بالمجتمعات، وهي علاقات سمحت لها بالتجنيد والاحتفاظ بالأرض.
حين خطت «الدعم السريع» خطوتها خارج دارفور، سعت إلى تكرار النموذج ذاته، أي البحث عن وسطاء محليين، وفهم من يملك النفوذ، وفتح قنوات مع قادة المجتمعات، وتحويل المكاسب العسكرية إلى حضور على الأرض قادر على الثبات، بحسب المستشار السابق.
كانت ولاية الجزيرة أول اختبار لما إذا كانت الطريقة التي بنى بها آل دقلو نفوذهم ومارسوه في دارفور يمكن أن تنجح خارجها. وكان أبو عاقلة كيكل أحد القادة الذين حاولت «الدعم السريع» تحقيق تلك النقلة عبرهم.
كان لكيكل قاعدة اجتماعية قوية في شرق الجزيرة، وكان يقود قوات محلية -«قوات درع السودان» التي أسسها عام 2022- تعرف المنطقة معرفة وثيقة، وارتبط حضوره العام بسهل البطانة وشرق السودان، وكان له حضور في الفضاء الأهلي بالمنطقة.
في أغسطس 2023، خرج كيكل معلنًا مبايعته لحميدتي، وانضمام «درع السودان» إلى «الدعم السريع»، قائلًا إن هذه الخطوة تأتي «من أجل الدعم لحقوق المهمشين». وما رافق انضمام المجموعة كان علاقات نُسجت قبل الحرب، ومعرفة بالتضاريس الاجتماعية والجغرافية التي عملت فيها قواته لاحقًا.
وبعد أربعة أشهر، سقطت ود مدني، عاصمة الجزيرة، في يد «الدعم السريع»، وكان كيكل عنصرًا محوريًا في السيطرة عليها.
بحسب ثلاثة من سكان شرق الجزيرة، استخدم كيكل مكانته الاجتماعية القوية في المنطقة لتجنيد مقاتلين من المجتمعات المحلية والقبائل العربية، فمعرفة القائد المسبقة بالمجتمع تسهل الوصول إلى المقاتلين، على خلاف قائد يصل عبر التسلسل القيادي فحسب إلى منطقة لا يعرفها. كان كيكل يعرف الشخصيات ذات الثقل الاجتماعي، والعائلات ذات النفوذ، بل وحتى الخصومات التي قد تعرقل عمليات التحشيد والانتشار.
بعد سقوط ود مدني في ديسمبر، شاركت وحدات كيكل في التقدم عبر الجزيرة، ما أدخل مساحات واسعة من الولاية تحت سيطرة «الدعم السريع».
لكن مع تصاعد الاتهامات بارتكاب «الدعم السريع» وقوات كيكل انتهاكات واسعة، بدأت القيادة تفصل بين المسؤوليات العسكرية والإدارية في الولاية، بحسب مصدر ميداني سابق في الجزيرة.
وفي مارس 2024، أسّست قوات الدعم السريع إدارة مدنية بقيادة شخصيات من أبناء الجزيرة تنتمي إلى قوى سياسية موالية لـها، قُدِّمت بوصفها استجابة للفراغ الأمني والإداري وسبيلًا «لحماية المدنيين».
أتاح هذا الترتيب الجديد وسيلة لإدارة التبعات المتنامية للحملة العسكرية، فـ«كلما ارتفعت الكلفة السياسية والحقوقية لملف ولاية الجزيرة، أصبح وجود قيادة محلية تتحمل الواجهة أكثر فائدة ونفعًا بالنسبة للمركز القيادي» حسبما يوضح المصدر الميداني السابق.
وهكذا، ازدادت فائدة كيكل عسكريًا وسياسيًا أكثر فأكثر، وانتقل نفوذه معه إلى الجبهة التالية، فتحركت قواته نحو ولاية سنار، وشاركت في التقدم صوب عاصمتها سنجة في منتصف عام 2024، ما وسّع حضوره إلى ساحة قتال جديدة، وأضاف إلى شبكته مزيدًا من الرجال والعلاقات والمعرفة المحلية.
بشكل ما، نجحت التجربة، فكيكل فعل بالضبط ما كان مطلوبًا. لكن مشروع آل دقلو كان يسعى إلى أمرين في آن واحد: التوسع خارج دارفور، والحفاظ في الوقت ذاته على مركزية بنيته العسكرية والسياسية، بحسب مسؤول سابق في قطاع العمليات بـ«الدعم السريع». والقائد القادر على استنساخ نموذج دارفور بمفرده، أينما حل، كان يرضي الطموح الأول ويقوّض الثاني.
يقول المسؤول السابق إن هذا الأمر أثار حذرًا شديدًا وقلقًا داخل التنظيم، موضحًا: «كانت الحرب تُنتج باستمرار مراكز نفوذ وقوة جديدة»، فقوات الدعم السريع احتاجت إلى قادة مثل كيكل لأنهم قادرون على فعل ما لا يستطيع المركز عمله عن بُعد، لكن كلما طال أمد نجاحهم، ازداد امتلاكهم لنفوذ خاص بهم.
ثم جاء مقتل عبد الرحمن البيشي في يوليو 2024 ليشكل نقطة تحوّل.
برز البيشي بوصفه أحد أبرز قادة «الدعم السريع» نفوذًا في سنار والنيل الأزرق. وبعد وصول معلومات استخبارية عن تحركاته إلى الجيش، استهدفته طائرات الجيش الحربية، إلى جانب مئات المقاتلين الذين كانوا معه، بحسب مصدر عسكري تحدث إلى «مدى مصر» آنذاك.
يقول مسؤول العمليات السابق إن روايات داخلية ربطت مقتله بتحركات ومعلومات تتصل بوحدات محسوبة على كيكل، ما غذّى شكوكًا داخل القيادة بشأن تسرّب المعلومات وتضارب الولاءات.
وبعد أشهر قليلة، انشق كيكل عن «الدعم السريع»، وغادر معه مئات من قواته.
جاء الانشقاق بعد عشرة أشهر من سقوط ود مدني، وفي فترة كانت الولاية تحولت خلالها من جبهة عسكرية جديدة إلى فضاء كانت «الدعم السريع» تحاول فيه ترسيخ سيطرة دائمة.
وبانشقاق كيكل، فقدت «الدعم السريع» قائدًا يعرف قواتها من الداخل، ويفهم الشبكات المحلية التي اعتمدت عليها في التحرك والتجنيد وتأمين الإمدادات. وفي المقابل، صار يُنظر إلى سكان الجزيرة بوصفهم مصدر اصطفاف محتمل مع كيكل.
وسرعان ما تحول انهيار التحالف بين «الدعم السريع» وكيكل إلى صراع، وشنت الأولى موجة من العنف الانتقامي ضد المجتمعات المرتبطة بكيكل. وفي الداخل، قيّد التنظيم تداول المعلومات الحساسة، وقلّص دائرة الحاضرين في الاجتماعات المفصلية، وركّز القرارات الكبرى في يد عدد أقل من الأشخاص.
بينما ثبت أن الاحتفاظ بالأرض خارج دارفور ليس بالأمر السهل، كانت عواصم الولايات داخلها تساقطت واحدة تلو الأخرى، وعزّزت «الدعم السريع» سيطرتها تدريجيًا على كامل الإقليم.
بحلول عام 2024، لم تبق سوى عاصمة دارفورية واحدة خارج سيطرة «الدعم السريع»: الفاشر. على مدار 18 شهرًا، فرضت قواتها حصارًا على المدينة التي كان يسيطر عليها الجيش والحركات المسلحة الدارفورية المتحالفة معه -الفجوة الأخيرة في السيطرة العسكرية على كامل الإقليم.
لكن أهمية الفاشر لم تكن فقط في كونها آخر مدينة صامدة، بل في كونها مكانًا يمكن أن يستمر فيه واقع سياسي آخر في دارفور.
ظلت المدينة لعقود المركز الإداري للإقليم، تربط بين مؤسسات الدولة والإدارات الأهلية والحركات المسلحة والمجتمعات التي شكّلتها عقود من الحروب. والحركات التي دافعت عن الفاشر أمضت سنوات بين القتال والتفاوض من أجل موقع في النظام السياسي السوداني وفي الترتيبات السياسية الخاصة بدارفور.
في حسابات الحركات، تنبع أهمية الفاشر من موقعها بوصفها «المدينة التي تختزل فكرة دارفور نفسها، سياسيًا وإداريًا واجتماعيًا»، بحسب شخصية عملت سابقًا ضمن الدائرة السياسية والاستشارية لحاكم دارفور ورئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي. وطالما بقيت المدينة خارج سيطرة «الدعم السريع»، ظلت ترتيبات ما بعد الحرب في دارفور تحمل فرصة للتفاوض عبر المؤسسات والفضاء السياسي الذي أمضت الحركات عقودًا في بنائه، بدلًا من أن يحددها من يسيطر ميدانيًا على الإقليم، بحسب قوله.
وكان ذلك الاحتمال بالذات ما أراد عبد رحيم غلق أبوابه. يقول مصدر عمل في المكتب الاستشاري لـ«الدعم السريع» في نيروبي خلال الحصار إن وجود الجيش والحركات المسلحة في الفاشر كان يتيح، من منظور عبد الرحيم، للقوى المعارضة لترتيبات «الدعم السريع» في دارفور أن تلتف حولها وتُb