خبر ⁄منوعات

بعد عام من مجازر الفاشر.. جامعة ييل تكشف مدينة شبه خالية من سكانها

نشر:آخر تحديث:
بعد عام من مجازر الفاشر.. جامعة ييل تكشف مدينة شبه خالية من سكانها

كشف تقرير جديد أصدره مختبر البحوث الإنسانية (HRL) التابع لكلية الصحة العامة بجامعة ييل الأمريكية، أن مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، أصبحت شبه خالية من سكانها المدنيين، بعد مرور عام على اجتياحها من قبل مليشيا الدعم السريع المدعومة من الإمارات (الجنجويد)، وما أعقبه من عمليات قتل جماعي وتهجير واسع النطاق.

 

وخلص التقرير إلى أن أعداداً قليلة فقط من المدنيين لا تزال موجودة في المدينة أو عادت إليها، بعدما كان عدد سكان منطقتها الحضرية الكبرى، بما يشمل مخيمات أبو شوك والسلام وزمزم، يُقدّر بما يتراوح بين مليون ومليوني نسمة قبل بدء الحصار في أبريل 2024.

 

واستند الباحثون إلى تحليل صور الأقمار الصناعية فائقة الدقة وبيانات الغطاء النباتي، حيث رصدوا زيادة غير طبيعية بنسبة 9.02% في نمو النباتات داخل المدينة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وهو ما يتسق مع غياب الحركة المعتادة للسكان والمركبات والماشية. كما أظهر التحليل أن ثمانية من أصل تسعة أسواق رئيسية توقفت فيها مظاهر النشاط، بينما لم تُرصد مؤشرات على حركة بشرية أو حركة مركبات ذات شأن في أي من المرافق الصحية التسعة عشر التي شملها الفحص.

 

والأخطر أن التقرير وثّق استمرار وجود مؤشرات على عمليات حرق ودفن داخل عدد من المستشفيات، بما فيها المستشفى السعودي ومستشفى الفاشر التعليمي ومستشفى الأطفال. وتمكن الباحثون من تحديد أنشطة تتسق مع حرق رفات بشرية ودفنها في بعض المواقع، بينما رُصدت أحدث آثار الحرق في مستشفى الفاشر التعليمي بتاريخ 28 أغسطس 2026، أي بعد نحو عشرة أشهر من سقوط المدينة. وتشير هذه النتائج إلى استمرار ظهور آثار عمليات التخلص من الجثث بعد أشهر طويلة من المجازر، دون أن تسمح صور الأقمار الصناعية وحدها بتحديد هوية جميع الرفات أو العدد الإجمالي للضحايا.

 

وتعيد هذه النتائج تسليط الضوء على تحذيرات وتصريحات ناثانيال ريموند، المدير التنفيذي لمختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل، الذي وصف حجم الكارثة في الفاشر بأنه قد يمثل أكبر حادثة سقوط جماعي للضحايا منذ الحرب العالمية الثانية. وفي تصريحات لبرنامج Media Watch الأسترالي في يوليو 2026، دعا ريموند إلى التعامل مع الفاشر باعتبارها واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في التاريخ الحديث. وقد استُحضرت في النقاشات المتعلقة بحجم المجازر مقارنات مع البوسنة وسربرنيتسا وجرائم الإبادة السابقة في دارفور، بما يعكس خطورة ما جرى في المدينة.

 

وكان ريموند قد قدم تقديرات أكثر إثارة للصدمة بشأن أعداد الضحايا. ففي شهادة أدلى بها أمام البرلمان البريطاني في يونيو 2026، تحدث عن تقدير لا يقل عن 60 ألف شخص قُتلوا على أيدي مليشيا الدعم السريع عقب اجتياح الفاشر، مشيراً إلى أن حجم المجازر قد يكون أكبر مما أُعلن. وتظل هذه الأرقام تقديرات بحثية وليست حصيلة نهائية موثقة، في ظل وجود أعداد كبيرة من المفقودين وتعذر الوصول المستقل إلى المدينة.

 

وفي شهادته أمام لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان البريطاني في 23 يونيو 2026، انتقد ريموند كذلك ما اعتبره فشلاً سياسياً دولياً في منع مجازر الفاشر رغم التحذيرات المبكرة، مؤكداً أن الحكومة البريطانية أعطت الأولوية لعلاقاتها الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية مع الإمارات على حساب منع المجازر، رغم الأدلة والتحذيرات التي قدمها فريقه بشأن ما كان ينتظر سكان المدينة.

 

وتدعم تقارير الأمم المتحدة خطورة هذه التقديرات. ففي 13 فبراير 2026، أعلن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان توثيق مقتل أكثر من 6 آلاف شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى من الهجوم النهائي على الفاشر، بين 25 و27 أكتوبر 2025، بينهم ما لا يقل عن 4,400 شخص داخل المدينة وأكثر من 1,600 آخرين على طرق الفرار. وأكد المكتب أن الحصيلة الحقيقية للقتلى خلال الهجوم، الذي امتد نحو أسبوع، أعلى بكثير من الأرقام التي تمكن من توثيقها.

 

وفي تقرير أصدرته البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان في فبراير 2026، تحت عنوان «السودان: السمات المميزة للإبادة الجماعية في الفاشر»، خلص المحققون الأمميون إلى أن الجرائم التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع تحمل السمات المميزة للإبادة الجماعية، وأن الوقائع الموثقة تشير إلى نية تدمير مجتمعات الزغاوة والفور كلياً أو جزئياً. وأكدت البعثة أن المجازر لم تكن أحداثاً معزولة، بل جاءت بعد حصار طويل فرضت خلاله المليشيا ظروفاً معيشية تهدف إلى التدمير الجسدي لهذه المجتمعات، إلى جانب القتل الجماعي والاغتصاب والتعذيب والاختفاء القسري والاستهداف المنهجي على أساس الهوية العرقية.

 

ولا يمكن فصل ما جرى في الفاشر عن الدور الإماراتي في دعم المليشيا بالأسلحة والمقاتلين الأجانب. ففي تحقيق مفصل نشرته منظمة هيومن رايتس ووتش في 25 مايو 2026 بعنوان «من بوغوتا إلى الفاشر»، وثّقت المنظمة شبكة لتجنيد مئات العسكريين الكولومبيين السابقين عبر شركة Global Security Services Group (GSSG) ومقرها أبوظبي، وارتباطها بمرافق عسكرية إماراتية استُخدمت في تدريب المقاتلين ونقلهم إلى السودان. ووثّقت المنظمة وجود مقاتلين أجانب، يُرجح أنهم كولومبيون، إلى جانب مليشيا الدعم السريع خلال حصار الفاشر واجتياحها، بما في ذلك مواقع شهدت مجازر ضد المدنيين. كما تناول التحقيق مشاركتهم في العمليات القتالية واستخدام المدفعية، والأدلة والشهادات المتعلقة بتشغيل الطائرات المسيّرة. وتضاف هذه المعطيات إلى تحقيقات وتقارير أخرى تناولت شبكات إمداد المليشيا بالطائرات المسيّرة والأسلحة عبر مسارات إقليمية تشمل الإمارات والصومال وتشاد. وفي تقرير أصدرته المنظمة في أكتوبر 2026، سلطت الضوء مجدداً على دور شبكات مرتبطة بالإمارات في تمويل وتجنيد ونقل ونشر المقاتلين الأجانب وتقديم الدعم العسكري للمليشيا. وحذرت هيومن رايتس ووتش من أن هذا الدعم قد يرقى إلى المساعدة أو المساهمة الجوهرية في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ودعت إلى التحقيق في احتمال التواطؤ في هذه الجرائم. وتواصل أبوظبي نفي تقديم الدعم العسكري للمليشيا.

 

وتكتسب نتائج جامعة ييل الجديدة أهمية خاصة لأنها لا توثّق فقط ما حدث خلال أيام الاجتياح، بل تكشف ما آلت إليه المدينة بعد عام كامل من سيطرة المليشيا عليها. فاختفاء مظاهر الحياة من الأسواق والمستشفيات والشوارع، وانتشار النباتات في المناطق التي كانت تعج بالسكان، واستمرار ظهور آثار الحرق والدفن، جميعها مؤشرات تتسق مع حجم الكارثة التي حذرت منها جامعة ييل قبل سقوط الفاشر.

 

وبينما لا تزال الحصيلة النهائية للقتلى والمفقودين مجهولة، فإن الأدلة التي تراكمت خلال العام الماضي، من صور الأقمار الصناعية وشهادات الناجين إلى تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، ترسم صورة لمدينة تعرض سكانها للقتل والتجويع والتهجير على نطاق هائل.

 

وبعد عام من المجازر، لم يعد السؤال مقتصراً على عدد الذين قُتلوا في الفاشر، بل يمتد إلى مصير مئات الآلاف الذين كانوا يعيشون فيها، والمسؤولية الجنائية عن الجرائم، ومحاسبة الجهات التي ساعدت على تمكين مرتكبيها.

 

المصادر والمراجع

جامعة ييل، مختبر البحوث الإنسانية، تقرير الفاشر بعد عام، أكتوبر 2026

WhatsApp

alzaawia.net