خبر ⁄منوعات

عبد الجليل سليمان عام على الرحيل إلى بلاد الثلج والإنسان

نشر:آخر تحديث:
عبد الجليل سليمان عام على الرحيل إلى بلاد الثلج والإنسان

كتب.. عبد الجليل سليمان- عامٌ على الرحيل إلى بلاد الثلج والإنسان- في الرابع من نوفمبر من العام الماضي، غادرت قاهرة المعز على متن الخطوط الجوية المصرية، في رحلة مباشرة إلى تورونتو، بمقاطعة أونتاريو، استغرقت نحو اثنتي عشرة ساعة».

 

لم تكن الرحلة مجرد انتقال من دولة إلى أخرى، بل بداية فصل جديد من العمر؛ خطوة نحو حياة لم أكن أعرف عنها سوى بعض ملامحها. خلفي مدن تختزن سنواتي وذكرياتي، وأمامي بلد شاسع، وحكاية لم تكن تفاصيلها قد كُتبت بعد.

 

حين حطت الطائرة في مطار تورونتو، وجدتني أمام عالم مختلف؛ مطار بالغ الاتساع، مدهش التنظيم، تتقاطع في أرجائه اللغات والوجوه والثقافات. مكثت فيه نحو ست ساعات، أنجزت خلالها إجراءات الدخول والإقامة الدائمة، وتجولت في مرافقه، وخرجت إلى محيطه لبعض الوقت، أستطلع المكان وأتأمل مشهد الوصول الأول. كان إحساساً يصعب اختزاله؛ فها أنا ذا على أرض كندا، وقد تحولت فكرة الهجرة إلى واقع أعيشه.

 

ثم استأنفت رحلتي إلى كالغاري، كبرى مدن مقاطعة ألبرتا، في رحلة جوية استغرقت أربع ساعات ونصف الساعة، كما أنها متأخرة عن تورونتو بساعتين، كأنني، بعد عبور تلك المسافة الشاسعة، سأبدأ أيضاً التكيف مع إيقاع زمني جديد.

 

وهنا كانت وجهتي النهائية، ومنها بدأت حكايتي الكندية.

 

بعد اثني عشر يوماً من وصولي، تسلّمت بطاقة الإقامة الدائمة عبر البريد. كانت صغيرة الحجم، كبيرة المعنى؛ علامة على أنني أصبحت جزءاً من هذا الأفق الجديد، وأن باباً آخر قد انفتح أمامي، بما يحمله من حقوق ومسؤوليات وفرص وتحديات ومفاجآت.

 

في الأيام الأولى، كنت أجد متعة خاصة في الخروج واستكشاف المدينة. لم أكن أبحث عن وجهة بعينها بقدر ما كنت أترك للمكان فرصة أن يكشف لي عن نفسه.

 

أتنقل بين الشوارع، وأتأمل تفاصيل الحياة، وأكتشف في كل جولة حياً أو طريقاً أو مساحة تستحق العودة إليها. ومع الأيام، لم تعد كالغاري مجرد مدينة وصلت إليها، بل بدأت تتشكل بيني وبينها إلفة هادئة، تنمو بمرور الوقت، وتتسع مع كل اكتشاف جديد.

 

أما الثلج، فكان حكاية أخرى. رأيته للمرة الأولى عن قرب، لا في صورة عابرة أو مشهد سينمائي، بل في حضوره الحقيقي، حين يغطي الأرض ويبدل ملامح الأشياء، ويكسو العالم بياضاً أخاذاً.

 

كان الشتاء قاسياً بالنسبة لي، لكنني لم أشعر بخشية منه، وإن لم أكن من محبي البرد. فأنا ابن الحر والشمس اللاهبة والغبار والكتاحة؛ ابن بيئة ألفت وهج الشمس وحرارة الأرض. ومع ذلك، كان عليّ أن أتصالح مع هذا الفصل الجديد، وأكتشف إيقاع الحياة في حضرته.

 

ولا تنكشف كالغاري على حقيقتها في الشتاء وحده؛ فحين يأتي الصيف، تتبدل ملامحها وتبدو في أبهى صورها. مساحات خضراء، وبحيرات وغابات، وأنهار تلتقي في المدينة، وطبيعة آسرة تجعلها، في نظري، جنة الله على أرضه. ويكتمل جمالها بالنظافة والتنظيم والبنية التحتية الجيدة. أما وسط المدينة (Downtown)، فله سحره الخاص؛ مبانٍ شاهقة، وشوارع نابضة بالحركة، ومقاهٍ ومطاعم ومتاجر، في مشهد يجمع بين الحداثة واتساع المكان.

 

ويضيف الناس إلى المدينة وجهاً آخر من الجمال. فالابتسامة تحية مألوفة، وقد تكفي إيماءة بالرأس أو كلمة عابرة لتجعل اللقاء أكثر دفئاً. ويلفت الانتباه أن الناس لا ينشغلون كثيراً بملابس الآخرين أو ألوان بشرتهم أو أصولهم؛ لكل إنسان مساحته وخصوصيته، والاختلاف لا يبدو سبباً لإطلاق الأحكام أو التدخل في شؤون الغير. وهي روح تمنح المرء طمأنينة، وتتيح له أن يعيش على سجيته.

 

وتزخر المدينة بالأنشطة الثقافية والفنية والترفيهية، لا سيما في الصيف؛ مهرجانات وعروض موسيقية وفنية وفعاليات متنوعة، تجعل المدينة أكثر حيوية، وتفتح نوافذ للتعارف والتفاعل بين ثقافات وتجارب إنسانية شتى.

 

لكن المدن، مهما بلغت من الجمال، لا تنتزع من القلب مدناً أخرى سكنت فيه طويلاً. أشتاق إلى القاهرة، بما تختزنه من حياة وتفاصيل ووجوه؛ وإلى الخرطوم، التي عشت فيها أكثر من نصف عمري، وتركت في روحي وذاكرتي ما لا تمحوه السنون؛ وإلى القضارف، مسقط رأسي، بما لها من ألق وجمال، وبما عرفت به من طيبة أهلها وكرمهم. لكل واحدة منها مكانها الخاص في وجداني، ونافذة تفتح على زمن من عمري.

 

ويشتد الحنين كلما تقدم بنا العمر؛ فالأمكنة التي عشنا فيها لا تبقى مجرد مواقع على الخريطة، بل تصبح جزءاً من تكويننا. نغادرها بأجسادنا، لكنها تظل في لغتنا وذاكرتنا وتفاصيلنا الصغيرة. وربما لا نشتاق إلى المدن وحدها، بل إلى أنفسنا كما كنا فيها، وإلى وجوه وأيام مضت ولن تعود بالصورة ذاتها.

 

ومع ذلك، لا يتعارض الحنين مع الامتنان. فقد وجدت في كندا نعماً تستحق الحمد؛ الأمان والحرية والاستقرار، وفرصة أن يبدأ الإنسان فصلاً جديداً من حياته. وليس الوفاء للماضي انتقاصاً من قيمة الحاضر، كما أن الامتنان لما نعيشه لا يعني أن نتخلى عما نحمله في قلوبنا.

 

عام مضى منذ تلك الرحلة التي بدأت من قاهرة المعز، وتوقفت في تورونتو، وانتهت في كالغاري. عام تعلّمت فيه أن الوصول ليس نهاية الطريق، وأن الإلفة لا تولد دفعة واحدة، بل تنمو مع الأيام، وتتكون من تفاصيل الحياة وتجاربها وذكرياتها.

 

لم يمحُ هذا العام ما سبقه، ولم يبدل انتمائي إلى المدن التي صنعت ذاكرتي، لكنه أضاف إلى خريطتي الداخلية مدينة جديدة، وإلى تجربتي الإنسانية فصلاً آخر. وربما كانت الهجرة، في معناها الأعمق، رحلة لاكتشاف الذات في جغرافيا مختلفة، وإعادة ترتيب علاقتنا بالمكان والزمان والذاكرة.

 

فالأمكنة لا تختفي حين نغادرها؛ بعضها يظل مقيماً فينا، وبعضها يدخل حياتنا متأخراً حتى يصبح جزءاً من حكايتنا. وبين ما تركناه وراءنا وما وجدناه أمامنا، نمضي، نحمل ذاكرتنا ونصنع ذكريات جديدة.

 

والحمد لله على ما كان، وما هو كائن، وما سيكون.

WhatsApp

alzaawia.net