
كشف علماء عن خلل جيني يعطل نظام تنظيف البروتينات الطبيعي في الدماغ؛ ما يؤدي إلى اضطرابات عصبية خطيرة قد تبدأ منذ مرحلة الرضاعة، وقد تكون قاتلة في بعض الحالات. ويمنح هذا الاكتشاف فهماً أعمق لكيفية تطور الأمراض التنكسية العصبية كما قد يمهد الطريق لعلاجات مبتكرة تهدف إلى حماية وظائف الدماغ.
وفي محاولة لفهم الأسباب الجينية وراء بعض الاضطرابات العصبية النادرة؛ سلطت دراسة نُشرت في مجلة Nature Communications في 15 أبريل (نيسان) 2026 الضوء على جين يُدعى PSMF1 ينتج بروتيناً أساسياً يعرف باسم PI31.
وكشف الباحثون بقيادة هنري هولدن من كلية يونيفرسيتي كوليدج - لندن وبالتعاون مع فريق من جامعة روكفلر الأميركية بقيادة هيرمان ستيلر مختبر سترانج لأبحاث موت الخلايا المبرمج وبيولوجيا السرطان، عن أن الطفرات التي تصيب هذا الجين تعرقل عمل نظام التنظيف الداخلي للخلايا.
ويتمثل هذا النظام في تراكيب مجهرية تُعرف بـ«البروتيازومات» proteasomes، وهي المسؤولة عن إزالة البروتينات التالفة والمتراكمة. وعندما تتعطل هذه المهمة الحيوية تبدأ البروتينات الضارة بالتكدس داخل الخلايا العصبية؛ ما قد يؤدي إلى ظهور اضطرابات عصبية خطيرة في سن مبكرة.
ولطالما ارتبط تراكم البروتينات في الدماغ بأمراض مثل ألزهايمر وباركنسون. وعلى مدى عقود درس العلماء تجمعات بروتينية مثل لويحات بيتا أميلويد beta-amyloid plaque، وتشابكات تاو tau tangles وأجسام ليوي Lewy bodies، إلا أن العلاجات المصممة لإزالة هذه التراكمات لم تحقق نجاحاً كبيراً في إبطاء تطور المرض.
وتشير الدراسة الجديدة إلى أن المشكلة قد تبدأ في مرحلة أبكر بكثير عندما يفشل الدماغ في التخلص من البروتينات غير المرغوب فيها قبل أن تتراكم وتسبب الضرر.
أمضى البروفسور هيرمان ستيلر وفريقه في جامعة روكفلر سنوات في دراسة كيفية نقل البروتيازومات داخل الخلايا العصبية. وأظهرت أبحاثهم السابقة أن بروتين PI31 يعمل منظماً لعملية النقل، حيث ينقل البروتيازومات من جسم الخلية العصبية إلى نقاط الاتصال بين الخلايا العصبية المعروفة باسم المشابك العصبية synapses.
ونظراً لأن الخلايا العصبية تمتد لمسافات طويلة داخل الجهاز العصبي؛ فإن إعادة تدوير البروتينات في المشابك العصبية تُعدّ أمراً ضرورياً للحفاظ على التواصل السليم بين الخلايا. وعندما يفشل PI31 في أداء وظيفته تعاني المشابك العصبية نقصاً في أدوات التخلص من البروتينات؛ ما يؤدي إلى تراكمها وتدهور الاتصال بين الخلايا العصبية ثم حدوث تلف تدريجي في الأعصاب.
وأوضح ستيلر أن الدراسات السابقة على الكائنات النموذجية أشارت إلى أن نقص نقل البروتيازومات إلى المشابك العصبية قد يكون سبباً رئيسياً للتنكس العصبي. وتوفر الطفرات البشرية المكتشفة حديثاً دليلاً سريرياً مباشراً يدعم هذه الفرضية.
وقد شملت الدراسة التحليل الجيني لـ25 شخصاً من 18 عائلة تنتمي إلى خلفيات عرقية مختلفة. وكشف الباحثون عن أن الطفرات في جين PSMF1 ترتبط بمجموعة واسعة من الاضطرابات العصبية تتراوح بين اضطرابات نمو شديدة تظهر في مرحلة الرضاعة وأمراض عصبية تنكسية تتطور خلال مرحلة البلوغ.
ولفهم تأثير هذه الطفرات بشكل أفضل اختبر العلماء آثارها في نماذج حيوانية. وأظهرت النتائج أن نقص بروتين PI31 يؤدي إلى اضطرابات في الحركة والسلوك تليها حالات من التنكس العصبي التدريجي. وتؤكد هذه النتائج الأهمية الحيوية لأنظمة التخلص من البروتينات في الحفاظ على صحة الدماغ.
يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام استراتيجية علاجية مختلفة عن الأساليب التقليدية. فقد أظهرت أبحاث سابقة لفريق ستيلر أن زيادة مستويات PI31 في النماذج الحيوانية ساعدت على استعادة وظيفة المشابك العصبية ومنع التنكس العصبي. وبدلاً من استهداف التراكمات البروتينية بعد تشكلها قد تركز العلاجات المستقبلية على تعزيز قدرة الدماغ الطبيعية على التخلص من البروتينات الضارة قبل تراكمها.
ويرى الباحثون أن التكتلات البروتينية قد تكون نتيجة للمرض وليست السبب الأساسي له. ولذلك؛ فإن تعزيز نشاط البروتيازومات في المشابك العصبية قد يسمح للدماغ بإزالة البروتينات غير المرغوب فيها باستمرار ومنع تشكل اللويحات والتراكمات المسببة للضرر.
يمثل هذا الاكتشاف خطوة مهمة نحو فهم الآليات البيولوجية الكامنة وراء الاضطرابات العصبية، كما يسلط الضوء على الدور المحوري لأنظمة إدارة النفايات الخلوية في الحفاظ على صحة الدماغ طوال الحياة.
ورغم الحاجة إلى مزيد من الدراسات قبل تطوير علاجات مخصصة للمرضى؛ يعتقد العلماء أن هذه النتائج تفتح آفاقاً واعدة لمكافحة الأمراض التنكسية العصبية. فمن خلال استعادة كفاءة نظام تنظيف البروتينات في الدماغ قد تتمكن العلاجات المستقبلية من الحفاظ على الوظائف الإدراكية وتحسين جودة حياة المصابين بهذه الأمراض الخطيرة.
aawsat.com