
إعداد _ دكتور ياسر الطيب المهدي
تُشكّل ظاهرة تمويل الإرهاب في أفريقيا تحديًا معقدًا يتجاوز الأبعاد الأمنية التقليدية، ليمتد إلى عمق البنى الاقتصادية والاجتماعية للقارة فخلال العقدين الماضيين، شهدت عدة مناطق أفريقية – ولا سيما في الساحل والقرن الأفريقي ومنطقة البحيرات الكبرى – تحولًا جوهريًا في طبيعة الجماعات الارهابية، حيث تحوّلت من كيانات أيديولوجية تعتمد على التمويل الخارجي إلى فاعلين اقتصاديين مؤثرين محليًا ولم يكن هذا التحول وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل الهيكلية، منها هشاشة الدولة وضعف مؤسساتها، وانتشار الاقتصادات غير الرسمية، ووفرة الموارد الطبيعية القابلة للاستغلال، إضافة إلى توسع شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية رئيسية، وهي أن نجاح أي سياسة لمكافحة الإرهاب في السياق الإفريقي مرهونٌ بمدى فهمنا للبنى الاقتصادية التي تُغذّيه فقد أظهرت التجارب أن النُهج الأمني وحده لم يعد كافياَ في مواجهة أنظمة اقتصادية مرنة، تتكيّف مع الواقع المحلي وتستغل الثغرات المؤسسية وعليه، تسعى هذه الدراسة إلى سدّ فجوة معرفية مهمة من خلال تحليل اقتصادات تمويل الإرهاب في مناطق النزاع الأفريقية عبر بوابة الاقتصاد السياسي للصراع وتركّز بشكل خاص على مصادر التمويل المحلية، ودور الاقتصاد غير الرسمي، واستغلال الموارد الطبيعية، والبنية الشبكية للتدفقات المالية غير المشروعة.
تعتمد الدراسة على مجموعة من المصادر تشمل التقارير الدولية والأممية، والأدبيات الأكاديمية المتخصصة، بالإضافة إلى دراسات حالة مستمدة من مناطق الساحل الأفريقي ووسط أفريقيا والسودان وتهدف إلى تقديم فهم أعمق للروابط العضوية بين النزاع المسلح والاقتصاد غير الرسمي، وتحليل الآليات التي تتيح للجماعات المسلحة استغلال الفراغ المؤسسي لإدامة نفسها اقتصادياً، حتى في ظلّ الضغوط الأمنية والعقوبات الدولية. تخلص الدراسة إلى أن تمويل الإرهاب في أفريقيا تحول إلى منظومة اقتصادية كاملة تسهم في استدامة النزاعات وإضعاف الدولة لذلك، تؤكد أن المواجهة الفعالة تتطلب مقاربة تكاملية تجمع بين الإجراءات الأمنية وبين معالجات اقتصادية ومؤسسية عميقة.
تنقسم الدراسة إلى أجزاء متسلسلة تبدأ بشرح الإطار النظري لاقتصادات الصراع، ثم تتناول بالتحليل مصادر تمويل الإرهاب المتعددة وارتباطها بضعف مؤسسات الدولة، وتبحث في الخصائص الشبكية المعقدة لأنظمة التموويل ودور الأبعاد الاجتماعية المحلية في استمرارها وتختتم بتقييم نقدي للسياسات الحالية، قبل أن تُقدِّم سيناريوهات مستقبلية وحزمةً من التوصيات العملية الموجهة لصناع القرار على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
كلمات مفتاحية: تمويل الإرهاب، اقتصادات الصراع، هشاشة الدولة، الموارد الطبيعية، الاقتصاد غير الرسمي، الجريمة المنظمة العابرة للحدود، الجماعات الإرهابية.
ABSTRACT
The phenomenon of terrorist financing in Africa poses a complex challenge that goes beyond the traditional security dimensions, extending deep into the economic and social structures of the continent. Over the past two decades, several African regions, especially in the Sahel, the Horn of Africa, and the Great Lakes region, have experienced a fundamental transformation of armed groups, as they have transformed from ideological entities dependent on external financing to locally influential economic actors. This transformation was not accidental, but came as a result of the interaction of a set of structural factors, including the fragility of the state and the weakness of its institutions, the spread of informal economies, and the abundance of exploitable natural resources, in addition to the expansion of transnational organized crime networks.
Experience has shown that the security approach alone is not sufficient in the face of flexible economic systems that adapt to local realities and exploit institutional gaps. Therefore, this study seeks to fill an important knowledge gap by analyzing the economics of terrorism financing in African conflict zones through the portal of the political economy of the conflict and focuses in particular on local sources of financing, and the role of the informal economy.
The study draws on a range of sources, including international and UN reports, specialized academic literature, and aims to provide a deeper understanding of the organic links between armed conflict and the informal economy, and analyze the mechanisms that allow armed groups to exploit the institutional vacuum to sustain themselves economically, even under security pressures and international sanctions.
The paper concludes that the financing of terrorism in Africa has turned into a complete economic system that contributes to the sustainability of conflicts and the weakening of the state; therefore, it emphasizes that effective confrontation requires an integrative approach that combines security measures with deep economic and institutional treatments.
The paper is organized into sequential sections that examine terrorist financing through a conflict-economics framework, culminating in policy assessment, future scenarios, and targeted recommendations.
Keywords: financing of terrorism, conflict economies, state fragility, natural resources, informal economy, Transnational Organized Crime, terrorist groups.
المقدمة
تشهد القارة الأفريقية تحوّلاً عميقاً وجوهرياً في طبيعة التهديدات الأمنية، فلم يعد العنف المسلح مقتصراً على الصراعات التقليدية بين الدول، أو حتى على الجماعات المتمردة ذات المطالب السياسية الواضحة، بل برز نموذج جديد أكثر تعقيداً يتمثل في جماعات إرهابية تحوّلت تدريجياً إلى كيانات اقتصادية شبه مستقلة، تمتلك هياكل مالية متطورة. لم يحدث هذا التحول من فراغ، بل تطور بيئة خصبة تغذيها ثلاثة عوامل مترابطة: ضعف مؤسسات الدولة وعجزها عن احتكار استخدام القوة الشرعية، واتساع نطاق المناطق الحدودية والنائية التي تفلت من سيطرة الحكومات الفعلية، ووفرة الموارد الطبيعية التي يمكن نهبها واستغلالها في ظل أنظمة رقابة ضعيفة.
أفرزت هذه البيئة المثالية حاضنة لنمو ما يُعرف بـ “اقتصادات الحرب” المتشابكة، والتي لا تكتفي بتمويل العمليات العسكرية، بل تتعداها إلى إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات المحلية كما تعمل على إعادة تعريف مفاهيم السلطة والشرعية في المناطق المهمشة وهذا التحوّل الجوهري يزيد من صعوبة المواجهة الأمنية التقليدية مما يقود إلى دورات متجددة من العنف واستنزاف للموارد من دون تحقيق نصر حاسم أو نتائج واضحة.
في ظلّ هذا التحول الجذري، تطرح هذه الدراسة سؤالاً محورياً: كيف تمتلك الجماعات الإرهابية في بؤر الصراع الأفريقية القدرة على تصميم وبناء أنظمة تمويل محلية معقدة، ليست قادرة على الصمود في وجه الحملات الأمنية والعقوبات الدولية فحسب، بل أيضًا على التكيّف والنمو باستمرار؟ للإجابة على هذا التساؤل، تسلك الدراسة مساراً مزدوجاً يجمع بين الإطار النظري والتحليل التطبيقي فمن الناحية النظرية، تستند الدراسة إلى إطار لاقتصاد السياسي للصراع للكشف عن العلاقة العضوية بين العنف المنظم وعمليات جمع الأموال وإدارتها وهذا المنظور يساعد على فهم كيف تتحول الحرب من حدث مدمر إلى “نظام اقتصادي بديل”، له قواعده الخاصة وآلياته التي تضمن استمراريته.
أما على ارض الواقع، فإن الدراسة تنزل بهذا الإطار النظري من خلال منهج دراسة الحالة المقارن، مع التركيز على منطقتي الساحل الأفريقي ووسط أفريقيا كمناطق شديدة الدلالة وهنا، يتم تشريح الآليات العملية والأدوات التي تعتمد عليها هذه الجماعات، مثل استغلال موارد الذهب والمعادن، والدخول في تحالفات استراتيجية مع شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، والتغلغل العميق في الاقتصادات غير الرسمية والمجتمعات المحلية؛ وذلك لخلق مصادر دخل متجددة وبناء شرعنة ذاتية.
وعليه، تحاول هذه الدراسة سدّ فجوة منهجية واضحة في أدبيات مكافحة الإرهاب، التي كثيراً ما تتعامل مع المشكلة بمنظور اختزالي، يفصل بين التحليل الأمني النظري والواقع الاجتماعي والاقتصادي المعقد لمناطق الصراع. فخلافاً للاعتقاد السائد بأن قطع التمويل الخارجي هو الضربة القاضية، تبحث هذه الدراسة في كيفية قيام الجماعات الإرهابية بتحويل مصادر تمويلها بذكاء، مستبدلةً الاعتماد على الدعم الخارجي بشبكات محلية متجذرة واللافت أن هذه الشبكات تُموَّل – على نحو متناقض – من خلال موارد المجتمعات المحلية ذاتها، التي تدّعي هذه الجماعات تمثيلها أو حمايتها.
أولاً: الاطار العام للدراسة
مشكلة الدراسة
تنطلق الدراسة من إشكالية مركزية مفادها أن التركيز على المقاربات الأمنية والعسكرية في مكافحة الإرهاب في إفريقيا لم يُفضِ إلى نتائج مستدامة، ويرجع ذلك الى تجاهل البعد الاقتصادي البنيوي الذي يمكّن الجماعات المسلحة من الاستمرار والمرونة.
تتمثل مشكلة الدراسة في قصور الفهم التحليلي لاقتصادات تمويل الإرهاب عندما تُختزل في قنوات مالية خارجية، دون الالتفات إلى كونها منظومة محلية متجذرة في عجز الدولة واتساع الاقتصاد غير الرسمي. ويترتب على هذا القصور ضعف في فعالية السياسات الرامية إلى تجفيف مصادر التمويل، بما يجعلها عاجزة عن التعامل مع الطبيعة البنيوية والمتغيرة للظاهرة.
أهداف الدراسة
تهدف الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المترابطة، أبرزها:
فهم الكيفية التي تتشكل بها اقتصادات تمويل الإرهاب في إفريقيا باعتبارها جزءًا بنيويًا من اقتصادات الصراع في سياقات تتسم بضعف الدولة ومحدودية قدرتها.
تحليل مصادر التمويل المحلية التي تعتمد عليها الجماعات الإرهابية، مع تجاوز التفسيرات السائدة التي تحصر الظاهرة في الدعم الخارجي.
تفسير دور الاقتصاد غير الرسمي واستغلال الموارد الطبيعية، إلى جانب الطابع الشبكي العابر للحدود، في ضمان استمرارية هذه الجماعات وقدرتها على التأقلم وإعادة التموضع.
تقييم حدود المقاربات الأمنية التقليدية، والسعي إلى بلورة إطار تحليلي يدعم تطوير سياسات أكثر شمولًا وملاءمة لمكافحة تمويل الإرهاب في السياق الإفريقي.
3. فرضيات الدراسة
تعتمد الدراسة على فرضية رئيسية وعدد من الفرضيات الفرعية:
الفرضية الرئيسية
إن نجاح سياسات مكافحة الإرهاب في إفريقيا لا يعتمد فقط على الحلول الأمنية والعسكرية، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بفهم الهياكل الاقتصادية التي تُغذي تمويل الجماعات الإرهابية وتساعد على استمرارها.
الفرضيات الفرعية
تعتمد الجماعات الإرهابية في إفريقيا بشكل واضح على مصادر تمويل محلية مرتبطة بالاقتصاد غير الرسمي.
تُسهم هشاشة الدولة وضعف المؤسسات في ازدهار اقتصادات تمويل الإرهاب.
يؤدي استغلال الموارد الطبيعية القابلة للنهب إلى توفير مصادر تمويل مستدامة للجماعات الإرهابية.
يُعزز الانتشار الشبكي والعابر للحدود للتمويل غير المشروع قدرة الجماعات على التعاطي مع الإجراءات الأمنية والعقوبات.
تُظهر السياسات التي تركز على تجفيف القنوات المالية الرسمية فقط فعالية محدودة في البيئات المتأثرة بالنزاعات.
منهجية الدراسة
تعتمد الدراسة على منهج تحليلي، يستند إلى مقاربة الاقتصاد السياسي للصراع، لفهم العلاقة بين الإرهاب، والاقتصاد غير الرسمي، وهشاشة الدولة.
المنهج المستخدم:
المنهج التحليلي: لتحليل وتفسير الظاهرة في سياقها البنيوي والسياسي والاقتصادي.
منهج الاقتصاد السياسي: لفهم تمويل الإرهاب بوصفه نتاجًا لتفاعلات السلطة والموارد والمؤسسات.
منهج دراسة الحالة: من خلال التركيز على حالات مختارة من:
الساحل الإفريقي.
وسط إفريقيا.
السودان.
أدوات جمع البيانات
تحليل التقارير الدولية والأمم المتحدة المتخصصة.
مراجعة بعض الأدبيات الأكاديمية ذات الصلة بتمويل الإرهاب والنزاعات المسلحة.
تحليل دراسات حالة في مناطق النزاع الإفريقية.
حدود الدراسة
حدود مكانية: قارة إفريقيا مع تركيز على بعض المناطق المتأثرة بالنزاع.
حدود موضوعية: اقتصادات تمويل الإرهاب ومصادره وآلياته.
حدود زمنية: تركز الدراسة على العقدين الأخيرين، حيث شهدت خلالهما الجماعات الإرهابية تحولاً جوهرياً كبيراً في بنيتها وتمويلها وعلاقاتها الإقليمية.
خامسًا: القيمة العلمية للمنهجية
تتصف هذه المنهجية بالآتي:
تتخطّى المقاربات الأمنية الضيّقة وتبتعد عن المعالجات الأمنية أحادية البعد.
تربط بين الإرهاب والاقتصاد غير الرسمي في إطار تحليلي واحد.
توفّر أساسًا عمليًا للإسهام في إعادة تصميم سياسات مكافحة تمويل الإرهاب.
ثانياً: الإطار النظري
اقتصادات الصراع وتمويل الإرهاب
تشير أدبيات الاقتصاد السياسي للنزاع إلى أن الحروب الأهلية والصراعات الممتدة تنتج ما يُعرف بـ”اقتصادات الحرب”، حيث تتحول المجموعات المسلحة من فواعل أيديولوجية خالصة إلى فواعل تبحث عن الربح وتعيد تشكيل الهياكل الاقتصادية المحلية (Collier et al.2003,112).
هذا التحول يُنشئ اقتصاداً موازياً يعتمد على أنشطة مثل التهريب، ابتزاز السكان المحليين، أو السيطرة على الموارد الطبيعية بذلك، تصبح نهاية الصراع أكثر تعقيداً لأن دوافع الربح تحلّ محل الأهداف السياسية الأصلية، مما يطيل من عمر النزاع ويزيد من تحديات تفكيك الجماعات الإرهابية والجماعات الأخرى المسلحة بعد انحسار القتال.
من زاوية مكافحة الإرهاب، يتطلب هذا إلى ضرورة الجمع بين المقاربات الأمنية والاقتصادية في برامج نزع السلاح وإعادة الدمج، مع التركيز على تفكيك شبكات التمويل غير الشرعية التي تغذي اقتصاد الحرب.
في هذا السياق، لا تعمل الجماعات الإرهابية خارج الاقتصاد، بل تنشئ اقتصادًا موازيًا يسيطر على الموارد والأسواق، ويستفيد من الفراغ المؤسسي الذي تخلّفه الدولة الهشة أو الغائبKeen,1998,45)).
كما تُظهر تقارير دولية أن الصراعات طويلة الأمد ترتبط بتوسع الاقتصاد غير الرسمي والأنشطة الإجرامية العابرة للحدود، بما يقوّض قدرة الدولة على الجباية والرقابة، ويخلق بيئة مثالية لازدهار تمويل الإرهاب UNODC,2013,9)).
لا ينظر إلى تمويل الإرهاب كظاهرة مالية معزولة، بل كنتاج لتفاعل ثلاث دوائر: اقتصادات الصراع الداخلي، وضعف الدولة، وانتشار الشبكات الاقتصادية غير الرسمية العابرة للحدود ويسعى الإطار إلى تجاوز المقاربات الاختزالية، ويُبرز هذا الطرح الترابط البنيوي بين عجز الدولة وتنامي اقتصادات الظل في مناطق النزاع. ففي ظل تراجع السيادة القانونية، تتحول الحدود من أدوات للضبط الإداري إلى فضاءات مفتوحة للتهريب والأنشطة غير المشروعة. ولا يقتصر أثر هذا التآكل في سلطة الدولة على فقدان الإيرادات الضريبية، بل يفتح المجال أمام الجماعات المسلحة لملء الفراغ القائم، عبر فرض أشكال بديلة من “الحماية الأمنية” على الأنشطة غير الرسمية. ومع الوقت، يُسهم هذا الواقع في ترسيخ نظام اقتصادي موازٍ يُعاد من خلاله تدوير العوائد الإجرامية لتمويل العمليات الإرهابية وإطالة أمد الصراع.
اقتصادات الحرب والوظائف الاقتصادية للعنف
يرى ديفيد كينDavid Keen) ) أن للعنف وظائف اقتصادية واضحة، من بينها إعادة توزيع الثروة، وإقصاء المنافسين، وخلق فرص ربح جديدة في ظل انهيار المؤسسات الرسمية (Keen, 1998,45).
“تكمن أهمية رؤية كي