سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

الكواهلة.. قبيلة صنعت الاستقرار وأسهمت في تشكيل الوجدان السوداني

الكواهلة.. قبيلةٌ صنعت الاستقرار وأسهمت في تشكيل الوجدان السوداني

ميرغني الحبر/ المحامي

تُعد قبيلة الكواهلة واحدةً من أكبر القبائل العربية في السودان وأكثرها حضوراً في تاريخه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. ولم يكن تأثير الكواهلة مجرد امتداد قبلي أو انتشار جغرافي، بل ارتبطوا عبر قرون طويلة ببناء الاستقرار في أقاليم واسعة من السودان، خاصة في النيل الأبيض وكردفان، وأسهموا في تشكيل الشخصية السودانية الريفية بما عُرف عنهم من الشهامة والكرم والصلابة والتعايش.

وقد عرف عن الكواهلة ارتباطهم بالأرض والرعي والزراعة، فكانوا جزءاً مؤثرا من دورة الإنتاج التقليدي التي قامت عليها الحياة السودانية، كما لعبوا دوراً مهماً في حفظ التوازنات الاجتماعية والإدارة الأهلية، وبرز منهم قادة ورموز تركوا أثراً واضحاً في التاريخ الوطني.

 الجذور والأصول

يرجع الكواهلة – بحسب روايات النسابة – إلى “بني كاهل”، وترتبط كثير من الروايات الشعبية بنسبهم إلى الصحابي الجليل الزبير بن العوام، أحد كبار الصحابة وأحد العشرة المبشرين بالجنة. بينما تذهب روايات أخرى إلى انتسابهم إلى بني أسد بن خزيمة من القبائل العدنانية القديمة.

ومهما تعددت الروايات، فإن الثابت تاريخياً أن الكواهلة من القبائل العربية التي وفدت إلى السودان عبر مصر والبحر الأحمر، واستقرت في شمال وشرق السودان قبل أن تمتد نحو النيل الأبيض وكردفان طلباً للماء والمرعى، شأنها شأن كثير من القبائل العربية التي ساهمت في تشكيل البنية الاجتماعية والثقافية للسودان.

وقد أشار الرحالة ابن بطوطة إلى وجود الكواهلة في مناطق البجا، وذكر معرفتهم باللغة البجاوية إلى جانب العربية، وهو ما يعكس عمق التداخل الحضاري والثقافي الذي عرفه السودان منذ قرون.

 بطون الكواهلة وانتشارهم

تتفرع قبيلة الكواهلة إلى بطون وعشائر عديدة، من أبرزها:

الحسانية، الحسنات، الكمالاب، المرقوماب، البشارية، البراقنة والمحمدية وغيرهم؛

وقد استقرت هذه الفروع في مناطق متعددة من السودان، خاصة النيل الأبيض وكردفان والجزيرة، وأسهمت في النشاط الزراعي والرعوي، وفي تطوير المجتمعات الريفية القائمة على التعاون والتكافل.

 الكواهلة والإدارة الأهلية

برز الكواهلة بقوة في نظام الإدارة الأهلية السوداني، حيث لعب نظارهم وشيوخهم أدواراً مهمة في حفظ الأمن الاجتماعي، وحل النزاعات، وتنظيم العلاقات بين القبائل والمجتمعات المحلية.

ومن أبرز رموزهم التاريخيين الشيخ عبد الله ود جاد الله المعروف بلقب “كسار قلم ماكميك”، وهو لقب ارتبط بموقف وطني شجاع في مواجهة الإدارة الاستعمارية البريطانية.

وتحكي الروايات أن خلافاً نشب بينه وبين الإداري البريطاني “ماك مايكل”، الذي حاول تهديده بكتابة تقرير يقضي بعزله من النظارة. لكن الشيخ عبد الله ود جاد الله لم يخضع للترهيب، بل خطف القلم من يد المفتش البريطاني وكسره أمامه، في موقف أصبح رمزاً للكِبرياء الوطني ورفض الإذلال الاستعماري.

وقد أغضب هذا الموقف السلطات البريطانية التي قامت بعزله بالفعل، إلا أن الحادثة تحولت إلى واحدة من أشهر قصص المقاومة المعنوية في الذاكرة السودانية، وخلدها شعر الدوبيت الشعبي، خاصة في قصائد الشاعرة مستورة بت كوكو الكاهلية التي وصفته بـ“عشميق الأصم” و“كسار قلم ماكميك”.

وتتجاوز أهمية الشيخ عبد الله ود جاد الله حدود الزعامة القبلية، إذ يرتبط أيضاً بتاريخ الحركة الوطنية السودانية، فهو زوج أم سلمة ابنة الإمام محمد أحمد المهدي، ويُعد جداً للسيد الصادق المهدي من جهة الأم.

كما وثق المفكر والمؤرخ السوداني عبد الله علي إبراهيم جانباً من سيرته في كتاب حمل عنوان “كسار قلم مكميك”، في إشارة إلى رمزية ذلك الموقف في تاريخ مقاومة الاستعمار.

 آل هباني.. الزعامة والإدارة

ومن الأسر البارزة وسط الكواهلة أسرة آل هباني، وهي من الأسر العريقة التي ارتبط اسمها بالإدارة الأهلية وقيادة العمل الزراعي في منطقة النيل الأبيض، خاصة في القطينة والهشابة والدويم.

وقد لعبت هذه الأسرة دوراً مهماً في تنظيم المجتمع المحلي، وفي تطوير النشاط الزراعي والإداري، كما كان لها حضور سياسي واجتماعي مؤثر في الحياة السودانية الحديثة.

وقد أنجبت قبيلة الكواهلة عدداً من الشخصيات الوطنية والسياسية المؤثرة الحديثة ، ومن أبرزهم : الراحل الدكتور/ عمر نور الدائم ، أحد القيادات البارزة في حزب الأمة، والذي ينتمي إلى فرع الحسانية من الكواهلة بمنطقة النيل الأبيض.

وقد لعب نور الدائم دوراً مهماً في الحياة السياسية السودانية، وظل اسمه مرتبطاً بقضايا الديمقراطية والعمل الوطني، وكان من الشخصيات التي جمعت بين الحضور السياسي والخلفية الاجتماعية الممتدة داخل المجتمع السوداني.

 الكواهلة والوجدان السوداني

لم يكن تأثير الكواهلة محصوراً في السياسة أو الإدارة الأهلية فقط، بل امتد إلى الثقافة والوجدان الشعبي، حيث ارتبط اسمهم بالشعر الشعبي والدوبيت وقيم الفروسية والنخوة. وكانت مجالسهم حاضنة للتراث الشفاهي السوداني، بما يحمله من حكايات البطولة والحكمة والتاريخ الاجتماعي.

كما مثّل الكواهلة نموذجاً سودانياً للتعايش والتداخل بين العروبة والأفريقية، وبين البداوة والاستقرار الزراعي، وهو ما جعلهم جزءاً أصيلاً من الهوية السودانية المركبة والمتنوعة.

خاتمة

إن الحديث عن الكواهلة هو حديث عن إحدى القوى الاجتماعية التي ساهمت في بناء السودان الحديث، ليس بالنفوذ والمكانة وحدهما ، بل بالعمل والإنتاج والإدارة والحكمة الاجتماعية.

وفي زمن تتزايد فيه خطابات الانقسام والكراهية، تبقى تجربة القبائل السودانية الكبرى – ومنها الكواهلة – شاهداً على أن السودان بُني تاريخياً بالتعايش والتداخل والتكامل، وأن قوة المجتمع السوداني كانت دائماً في قدرته على تحويل التنوع إلى وحدة، والاختلاف إلى شراكة وطنية واسعة.

altaghyeer.info