سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

البرهان.. قاطرة الدولة أم جسر العودة 1

البرهان.. قاطرة الدولة أم جسر العودة؟ «1»

أحمد عثمان جبريل

“الأمم لا تتعثر حين تختلف على من يحكمها، بل حين تعجز عن الاتفاق على شكل الدولة التي تريدها بعد انتهاء الصراع”.

من بين ركام الحرب السودانية، وأصوات المدافع التي تخفت في جبهة وتشتعل في أخرى، يبرز سؤال أكبر من المعارك وأكثر خطورة من حسابات المكاسب والخسائر: ماذا بعد الحرب؟ ومن سيحكم السودان عندما تتوقف البنادق؟

ولأن السياسة لا تعرف الفراغ، بدأت الإجابة تتشكل قبل انتهاء الحرب. هنا تظهر الحركة الإسلامية، ويظهر المؤتمر الوطني الذي لم يغادر المشهد كما يتمنى خصومه، ولم يعد كما يتمنى أنصاره، بينما يقف البرهان في قلب المعادلة، ليس كقائد جيش فقط، بل كرجل قد يحمل مفتاح المرحلة المقبلة.

(1)

أول ما يجب الاعتراف به أن الحركة الإسلامية تواجه أكبر اختبار في تاريخها. بعد ثلاثة عقود ثم ثورة ثم حرب، لم يعد السؤال كيف تعود للسلطة، بل كيف تعيد تعريف نفسها في مجتمع تغيرت أولوياته. أي مراجعة تقتضي فصل الدولة عن التنظيم، وقبول أن الوطن أكبر من الحزب، وأن السلطة ليست حقاً تاريخياً. لكن هذه المراجعات صعبة على تنظيم تربى على أنه صاحب مشروع حضاري لا مجرد حزب.

(2)

لهذا تبدو فكرة تفكيك الحركة وإعادة بنائها أقرب للأمنيات. فالتنظيمات العقائدية لا تموت دفعة واحدة ولا تعيد إنتاج نفسها بقرار إداري، بل تغير جلدها دون تغيير جوهرها. لذلك لن تختفي الحركة بل ستنتقل من شكل إلى آخر، ومن خطاب إلى خطاب، لتتكيف مع الثورة والحرب. فهي ترى نفسها مشروعاً تاريخياً لا حزباً سياسياً، والاعتراف بانتهاء التجربة يعني الاعتراف بفشلها، وهو أمر صعب نفسياً وتنظيمياً.

(3)

في المقابل، تبدو بعض القوى الإقليمية أكثر براغماتية. فهي لا تنظر أيديولوجياً بل من زاوية الاستقرار والمصالح. استبعاد تيار له امتداد اجتماعي واسع ليس خياراً عملياً لبعض العواصم، خشية إنتاج اضطراب جديد، لا حباً في الإسلاميين بل سعياً للاستقرار.

(4)

لكن قوى أخرى ترى أن الأزمة نتجت عن تداخل الحزب والدولة، وأن أي تسوية تعيد إنتاج ذلك النموذج ستكون تأجيلاً للأزمة. لذلك يزداد الضغط نحو سلطة مدنية واسعة لا تكون أسيرة تنظيم واحد. وهكذا تتعقد الصورة بين إدماج ضروري للاستقرار وقطيعة ضرورية للتغيير.

(5)

وسط ذلك يقف البرهان في موقع حساس. يدرك أن الإسلاميين كانوا جزءاً من الحاضنة الداعمة للجيش، لكنه يدرك أيضاً أن الثورة والمجتمع الدولي غير مستعدين لإعادة إنتاج النظام السابق. لذلك يحاول إبقاء الأبواب مواربة، لا يقطع مع الإسلاميين ولا يمنح خصومهم ضمانات كاملة.

(6)

لكن المشكلة ليست في حسابات البرهان وحده، بل في طبيعة اللحظة. الحرب دمرت الثقة بين السودانيين. وأي حكم بعد الحرب لن ينجح بالقوة أو التنظيم فقط، بل بقدرته على إقناع الناس بأن المستقبل مختلف. وهنا يبرز السؤال: هل الإسلاميون مستعدون لمراجعة حقيقية، أم يعولون على تغيير موازين القوة؟

(7)

السؤال الأهم عن البرهان نفسه: هل يسعى لبناء دولة تتسع للجميع؟ أم يتحول إلى جسر تعبر عليه الحركة الإسلامية لمرحلة جديدة؟ الإجابة لم تحسم، لكن كل خطوة ستُقرأ كمؤشر على مستقبل السودان.

المعركة ليست حول من ينتصر في الحرب، بل حول شكل الدولة بعد انتهائها. بين من يريد تجاوز الماضي ومن يريد إعادة ترتيبه، يقف البرهان عند تقاطع الداخل والإقليم والعالم.

ولذلك ليس السؤال: من انتصر؟

بل: هل سيكون البرهان قاطرة الدولة أم جسر العودة للماضي؟

غداً الحلقة الثانية: البرهان رجل الحرب الذي يخشاه السلام.

altaghyeer.info