
أمستردام: الأربعاء 17 يونيو 2026م: راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري
اختتم وفد رفيع المستوى من رؤساء بعثات الاتحاد الأوروبي، ضم 14 دبلوماسياً برئاسة رئيس البعثة بالسودان “ولفرام فيتر”، زيارة إلى السودان تعد الأولى من نوعها منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023م. وامتدت الزيارة ليومين، عقد خلالهما الوفد سلسلة لقاءات مع المسؤولين في البلاد، شملت رئيس مجلس السيادة ونائبه ورئيس الوزراء ومسؤولين آخرين، بحث خلالها عدداً من الملفات المتعلقة بقضايا الحرب والسلام، وفي مقدمتها الأزمة الإنسانية المتصاعدة وإمكانية وصول المساعدات للمتضررين.
وأثارت الزيارة جدلاً واسعاً كونها تأتي بهذا الثقل الدبلوماسي؛ للتساؤل عما إذا كانت تعكس تحولاً في المواقف بتخفيف لهجة الاتحاد الأوروبي التي اتسمت بفرض العقوبات في التعامل مع الملف السوداني، وتشدد بعض الدول الأعضاء بعدم الاعتراف بالحكومة السودانية وعزلها دبلوماسياً وسياسياً.
وعلى الرغم من أن ذلك التصعيد كان يأتي بشكل مباشر من الاتحاد الأوروبي منفرداً، إلا أنه ينخرط حالياً سياسياً ودبلوماسياً ضمن مساعي المجموعة الخماسية لإنهاء الحرب والوصول إلى سلام في السودان.
وطالب بيان صادر عن الاتحاد الأوروبي، اطلع عليه “راديو دبنقا”، جميع أطراف النزاع في السودان بخفض التصعيد كخطوة أساسية نحو وقف إطلاق نار شامل.
ودعا الوفد إلى ضرورة إنشاء مناطق آمنة وممرات إنسانية لتوفير المساعدات والأمن والحماية للمدنيين بكفاءة، مشدداً على عدم تكرار المجازر المروعة والانتهاكات الصارخة لأبسط حقوق الإنسان التي ارتكبت بحق المدنيين، لا سيما في الفاشر وولاية الجزيرة، مطالباً بإنهاء الحصار الإنساني المفروض على المدنيين والمدن فوراً.
وأكد رؤساء البعثات الأوروبية على أهمية الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه وسيادته، وأدانوا الجهود المبذولة لإنشاء هياكل حكم موازية في البلاد، معلنين رفضهم للدعم الخارجي الذي يغذي الصراع، ومنتقدين التدفق غير القانوني للأسلحة والمرتزقة والمقاتلين الأجانب إلى السودان. كما شدد رؤساء البعثات على أهمية مكافحة الإفلات من العقاب وضمان محاسبة مرتكبي هذه الجرائم.
وأكد رؤساء البعثات استمرار دعم الاتحاد الأوروبي لجهود السلام الدولية التي تبذلها مجموعة الحوار الرباعي وجهود المجموعة الخماسية (الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية “إيقاد”، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي) لتيسير عملية سلمية تفضي إلى حكم ديمقراطي شامل. كما شجع سفراء دول الاتحاد الأوروبي السلطات في السودان على الانخراط البنّاء مع مجموعتي الحوار الرباعية والخماسية، اللتين يرونهما مكملتين لجهود السلطات المعنية.
من جهته، يرى رئيس تحرير صحيفة “التيار” عثمان ميرغني أن البيان الختامي للزيارة ليس فيه جديد، وكل ما ورد فيه مفهوم في سياق المواقف السابقة للاتحاد الأوروبي. لكنه يشير إلى أن النقاط التي وردت في البيان صيغت بعبارات دبلوماسية تحدد أن الاتحاد الأوروبي لديه الرغبة في حل الأزمة السودانية، ولكن ليس عبر آليات مباشرة بينه وبين الحكومة السودانية، وإنما عبر الآلية الرباعية ثم الخماسية.
وتضم الآلية الرباعية دول (أمريكا، والسعودية، ومصر، والإمارات العربية)، بينما تضم الآلية الخماسية (الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، والمنظمة الحكومية للتنمية “إيقاد”، وجامعة الدول العربية).
ويقول ميرغني لـ”راديو دبنقا” إن الاتحاد الأوروبي، وفقاً للبيان، يحاول أن يجد حلولاً لبعض القضايا التي تتعلق بالأوضاع الإنسانية، باعتبارها تشكل أولوية قصوى في التعامل معها آنياً دون انتظار لحل كامل للأزمة السياسية أو العسكرية. ويضيف بأنه ربما هنالك رغبة في استمرار التواصل مع الحكومة السودانية عبر المبعوثين الخاصين، وليس عبر الاتصالات المباشرة بين الاتحاد الأوروبي والحكومة السودانية.
ويعتقد ميرغني أن موقف الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الثلاث الماضية منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023م لم يتغير، بل ظل يحاول دائماً بذل جهود مع الداعمين الدوليين للوصول إلى حل سلمي لقضية الحرب في السودان، وشارك في عدة مباحثات وجولات تفاوض، أو حتى مبادرات سابقة من مختلف الأطراف.
ويرى المحلل السياسي عثمان ميرغني أن الاتحاد الأوروبي لم يتبنَ موقفاً منفرداً في القضايا التي يمكن أن تمثل نوعاً من الانخراط في مساعي السلام مع الأطراف، لكنه يلاحظ وجود تناقض بين مواقف الاتحاد الأوروبي كمؤسسة وبين مواقف الدول الأعضاء؛ مشيراً إلى أن كثيراً من دول الاتحاد تبنت مواقف تحمل درجة من عدم الاعتراف بالحكومة الراهنة في السودان بعد اندلاع الحرب.
ويؤكد أن تلك الدول عززت هذه المواقف أكثر من مرة عبر البيانات، أو العزوف عن اللقاءات الثنائية المباشرة مع الأطراف السودانية، أو عدم دعوة الحكومة السودانية لحضور مؤتمرات مهمة مثل مؤتمرات لندن، وباريس، ومؤخراً مؤتمر برلين.
ويرى أن الاتحاد الأوروبي قرر في الوقت الحالي التعامل مع الأزمة السودانية بانخراط أكبر مع الواقع الميداني، أو محاولة اتخاذ خطوة أولية بالعودة للعمل من داخل السودان، بعد أن ظل يعمل عبر ممثلية الاتحاد الأوروبي من القاهرة.
ويعتقد ميرغني أن الاتحاد الأوروبي حالياً جزء من اللجنة الخماسية التي تتعهد بالتعامل مع الأطراف السياسية السودانية في سياق مبادرة الدول الرباعية، والتي تتعامل مع مسارين؛ أحدهما عسكري يتعلق بالمفاوضات المباشرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، والتي لم تتم بالشكل المطلوب حتى الآن.
بينما المسار الثاني، بحسب ميرغني، فيتمثل في العملية السياسية التي لم تستطع المبادرة الرباعية المضي فيها قدماً، فتعهدت بها اللجنة الخماسية التي تحاول الآن الوصول إلى توافقات سياسية بين الأحزاب والمكونات المجتمعية السودانية، حتى يمكن البناء عليها في تشكيل خارطة حوار سوداني ينتج عنها توافق على رؤية ما بعد الحرب، وتشكيل حكومة قومية تكون هي المخرج من الأزمة السياسية الراهنة.
ويضيف ميرغني أنه رغم وجود الاتحاد الأوروبي داخل اللجنة الخماسية، إلا أنه لم يشكل موقفاً مستقلاً سوى الذي عبر عنه أحياناً بفرض العقوبات التي طالت بعض الأطراف المتصلة بالحرب وفق مواقف محددة وتقديرات خاصة بالاتحاد.
من وجهة نظر أخرى، يرى السفير د. طارق الكردي ضرورة عدم الإفراط في التفاؤل بوجود تحول كامل في الموقف الأوروبي تجاه أطراف النزاع أو تجاه الأزمة السودانية من خلال هذه الزيارة.
ويقول لـ”راديو دبنقا” إن الاتحاد الأوروبي لا يزال يؤكد دعمه لوحدة السودان وسلامة أراضيه، معتبراً أن هذا الموقف راسخ في السياسة الخارجية للاتحاد وينبثق من التزاماته الدولية ويتناسق مع مبادئ القانون الدولي. ويبين أن الاتحاد يواصل الدعوة إلى وقف الحرب وإيجاد حل سلمي، مشيراً إلى أن الحل العسكري غير ممكن وغير متوفر في الأزمة السودانية المعقدة.
ويشير الكردي إلى أن انتقال بعثة الاتحاد الأوروبي من إدارة الملف السوداني من الخارج إلى إرسال وفد رفيع المستوى إلى الداخل يعكس رغبة أوروبية في إعادة تقييم المشهد، والتعامل مع الوقائع القائمة والوقوف على الأوضاع ميدانياً، بدلاً من الاكتفاء بالمعلومات والتقارير الواردة من الخارج.
ويعتقد الكردي أنه بالرغم من اتساع رقعة الحرب وتعقيداتها، فإن الاتحاد الأوروبي بهذه الزيارة بعث برسائل واضحة مفادها أنه لا ينوي الانسحاب مطلقاً من الملف السوداني، مؤكداً أنه يعد من أكبر الممولين للمساعدات الإنسانية في السودان.
ولفت السفير طارق الكردي إلى أنه يمكن النظر إلى الزيارة على أنها محاولة لاستطلاع فرص التسوية السياسية، ومدى استعداد طرف الحكومة في بورتسودان للانخراط في هكذا تسوية. ولم يستبعد أن ينخرط الاتحاد الأوروبي أيضاً، وبصورة مماثلة، مع الأطراف الأخرى والقوى المدنية والسياسية الرافضة للحرب من أجل تقييم فرص التسوية الشاملة.
وختم بالقول إن الاتحاد الأوروبي يبدو من خلال هذه الزيارة بصدد فتح مرحلة جديدة من الحوار والانخراط المباشر مع مختلف الأطراف الفاعلة والمؤثرة في الأزمة السودانية، بغرض استطلاع الرأي وإيجاد فرص السلام.
من جهته، يصف وزير الخارجية الأسبق السفير د. علي يوسف زيارة وفد الاتحاد الأوروبي إلى السودان بأنها هامة وتأتي في توقيت يحمل دلالات تؤكد اهتمام الاتحاد الأوروبي بمجريات الحرب وتأثيرها على الشعب السوداني، وما نتج عنها من أزمة إنسانية غير مسبوقة.
ويعتقد في حديثه لـ”راديو دبنقا” أن التوترات الإقليمية والدولية دفعت أوروبا إلى إعادة تقييم عدد من الملفات الأمنية والاستراتيجية، بعد أن أظهرت الأزمات الأخيرة محدودية الدور الأوروبي في بعض القضايا الإقليمية.
ويقول إن أوروبا تحاول أن تلعب دوراً أكثر إيجابية ومشاركة في المسائل التي تؤثر على أمنها واستقرارها كدول أوروبية، وعلى أمن واستقرار دول القارة الأفريقية التي تعد الجار المباشر لأوروبا. ويشير إلى أن هنالك قضايا مشتركة كثيرة تجمع القارتين، تتمثل في التعاون التجاري والاقتصادي وقضية الهجرة غير الشرعية؛ إذ إن حالة عدم الاستقرار والحروب تعد الدافع الرئيسي لتدفق مزيد من المهاجرين إلى أوروبا. مؤكداً أن الزيارة تبحث أهمية الأمن الإقليمي انطلاقاً من موقع السودان الاستراتيجي على البحر الأحمر.
ويرى الوزير الأسبق أن الجانب الإنساني له أهمية كبيرة في الزيارة، بل يعد من محددات ومؤشرات اهتمام الاتحاد الأوروبي بالأزمة السودانية، إلى جانب الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب وإيجاد حل سلمي للنزاع، مؤكداً أن استقرار أفريقيا يعد جزءاً مهماً من أمن واستقرار أوروبا.
ويشير إلى أن السودان لديه ارتباطات تاريخية مع عدد من الدول الأوروبية، خاصة بريطانيا (رغم أنها ليست جزءاً من الاتحاد الأوروبي حالياً)، موضحاً أن قضايا الأمن والاستقرار لا تتأثر بخروج بريطانيا من هذه المؤسسة.
ويعتقد أن كل المطلوب بالنسبة للجانب الأوروبي هو أن تستقر الأوضاع في السودان وأن يكون هناك سلام، مما يمكن السودان من العودة إلى دوره الطبيعي كفواعل إقليمية هامة في المنطقة، مشيراً إلى أن أوروبا تسعى في الوقت نفسه إلى تعزيز دورها وإثبات وجودها في القضايا الإقليمية ذات الصلة بأمنها ومصالحها.
ويؤكد في الختام أنه على الرغم من أن الدور الأمريكي يظل الأقوى في أزمات المنطقة، إلا أن الدور الأوروبي هام ومكمل له، وله أدواته ووسائله السياسية والدبلوماسية والإنسانية لمساعدة الأطراف السودانية في التوصل إلى سلام.
dabangasudan.org