السفير المصري الجديد في الخرطوم: السودان ومصر… شراكة التاريخ وتحديات السياسة
ميرغني الحبر/ المحامي
جاء إعلان موافقة الحكومة السودانية على تعيين سعادة السفير المصري الجديد ياسر عبد الرحمن علي سرور، سفيراً فوق العادة ومفوضاً لجمهورية مصر العربية لدى السودان، في توقيت بالغ الأهمية تمر فيه العلاقات بين البلدين بمرحلة دقيقة تتداخل فيها تداعيات الحرب السودانية مع تحديات الأمن الإقليمي ومتطلبات إعادة الإعمار واستعادة الاستقرار.
ولا تقتصر أهمية هذا التعيين على كونه إجراءً دبلوماسياً معتاداً بين دولتين شقيقتين، وإنما تنبع أيضاً من طبيعة الشخصية التي وقع عليها الاختيار. فالسفير ياسر سرور سبق ان شغل منصب مساعد وزير الخارجية المصري لشئون السودان وجنوب السودان، ويُعد من أكثر الدبلوماسيين المصريين إلماماً بالملف السوداني وتعقيداته السياسية والأمنية والاقتصادية. ومن ثم فإن تعيينه يحمل رسالة واضحة مفادها أن القاهرة تنظر إلى السودان باعتباره ملفاً استراتيجياً يستحق متابعة دقيقة وجهداً دبلوماسياً رفيع المستوى.
ومن هذه الزاوية تبرز أهمية التوقف عند طبيعة العلاقات السودانية المصرية، لا باعتبارها علاقة آنية تحكمها ظروف السياسة اليومية فحسب، وإنما بوصفها واحدة من أعمق العلاقات التاريخية وأكثرها تشابكاً في المنطقة.
فحين نتحدث عن العلاقات السودانية المصرية فإننا لا نتحدث عن علاقة عادية بين دولتين متجاورتين، بل عن علاقة نسجتها الجغرافيا قبل أن تصوغها السياسة، وصنعها التاريخ قبل أن تديرها الحكومات. إنها علاقة تمتد جذورها إلى آلاف السنين، وتعبر النيل كما تعبر الذاكرة الجمعية للشعبين، وتتداخل فيها المصالح الاستراتيجية مع الروابط الإنسانية والثقافية والحضارية بصورة تجعل من الصعب فهم أحد البلدين بمعزل عن الآخر.
ومع ذلك، فإن هذه العلاقة، على عمقها وقوتها، لم تخلُ من بعض التوترات والحساسيات وسوء الفهم المتبادل. فقد ظلت على الدوام تتحرك بين قطبين؛ قطب التقارب الذي تفرضه حقائق التاريخ والجغرافيا، وقطب الخلاف الذي تفرضه أحياناً اختلافات الرؤى السياسية وتباين المصالح الوطنية.
ولعل أول ما ينبغي الاعتراف به هو أن العلاقات بين السودان ومصر أكبر من الحكومات وأبقى من الأنظمة السياسية. فقد تعاقبت على البلدين نظم ملكية وعسكرية ومدنية، ووقعت ثورات وانقلابات وحروب وأزمات، لكن العلاقة ظلت قائمة، تتراجع حينا وتتقدم أحياناً أخرى، دون أن تنقطع أو تفقد أهميتها الاستراتيجية.
لقد عرف وادي النيل منذ فجر التاريخ حركة دائمة من التفاعل البشري والثقافي والتجاري. ولم يكن التأثير دائماً في اتجاه واحد، فقد شهد التاريخ فترات كانت فيها مصر مؤثره في السودان بقدر ما تأثرت به ، وملوك من هنا وهناك بسطوا سلطانهم على وادي النيل في مرحلة من أهم مراحل تاريخه القديم، في دلالة واضحة على أن العلاقة بين الشمال والجنوب كانت أكثر تعقيداً وثراءً من الصور النمطية السائدة.
غير أن التاريخ الحديث أضاف أبعاداً جديدة لهذه العلاقة، خصوصاً بعد نشوء الدولة الوطنية الحديثة في البلدين. فمنذ استقلال السودان برزت معادلة دقيقة تقوم على محاولة التوفيق بين حاجتين مشروعـتين: حاجة مصر إلى الاطمئنان على أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية، وحاجة السودان إلى تأكيد استقلال قراره الوطني وسيادته الكاملة على شؤونه الداخلية.
ومن هنا نشأت كثير من الحساسيات التي صاحبت العلاقة خلال العقود الماضية.
فمصر، بحكم موقعها الجغرافي واعتمادها شبه الكامل على مياه النيل، تنظر إلى السودان باعتباره جزءاً مهماً من منظومة أمنها القومي. وهذه النظرة ليست مرتبطة بحكومة بعينها أو نظام سياسي محدد، بل تكاد تكون جزءاً من التفكير الاستراتيجي المصري المستقر عبر عقود طويلة.
وفي المقابل، ينظر السودانيون إلى بلادهم باعتبارها دولة ذات سيادة كاملة، ويحرصون على أن تُدار العلاقات الخارجية على أساس الندية والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
ولا تعني هاتان الرؤيتان بالضرورة وجود تناقض حتمي، لكن المشكلة تنشأ حين تطغى إحداهما على الأخرى أو حين يغيب الحوار الصريح حولهما.
ومن القضايا التي ظلت محل نقاش في الأوساط السياسية السودانية طبيعة تعامل مصر مع الأنظمة السياسية في السودان. فهناك انطباع واسع لدى قطاعات من السودانيين بأن القاهرة تبدو أكثر ارتياحاً للتعامل مع السلطات المركزية القوية، بغض النظر عن طابعها العسكري او المدني ، خصوصاً في الفترات التي تكون فيها الدولة السودانية موحدة القرار وقادرة على فرض الاستقرار.
وربما يعود ذلك إلى طبيعة المؤسسة السياسية والإدارية المصرية التي تعطي أولوية كبيرة للاستقرار واستمرارية الدولة، أكثر من اهتمامها بالتفاصيل المتعلقة بالتنافس الحزبي أو الصراعات السياسية الداخلية.
لكن هذا الأمر كثيراً ما فُسر في السودان باعتباره انحيازاً لبعض الأنظمة على حساب التحولات الديمقراطية، وهو تفسير قد يحمل قدراً من الصحة في بعض المراحل وقد يفتقر إليها في مراحل أخرى، لكنه ظل أحد مصادر الجدل المستمر بين النخب السياسية في البلدين.
وفي الجانب الآخر، لا بد من الاعتراف بأن بعض النخب السودانية وقعت أحياناً في خطأ النظر إلى مصر باعتبارها سبباً لكثير من المشكلات السودانية الداخلية، بينما كانت تلك المشكلات في جوهرها ناتجة عن أزمات بنيوية سودانية تتعلق بإدارة الدولة والاقتصاد والصراع السياسي.
والحقيقة أن العلاقة الصحية بين البلدين تقتضي الابتعاد عن منطق تحميل الطرف الآخر مسؤولية الإخفاقات الذاتية، كما تقتضي في الوقت نفسه احترام المخاوف المشروعة لكل طرف.
وتبرز قضية حلايب وشلاتين بوصفها أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات الثنائية. ورغم تباين المواقف القانونية والسياسية حولها، فإن الحكمة تقتضي التعامل معها باعتبارها قضية خلافية بين دولتين شقيقتين، لا مبرراً لإثارة العداء بين الشعبين أو التحريض المتبادل. فالتجارب الدولية تؤكد أن الخلافات الحدودية يمكن إدارتها بوسائل سلمية وقانونية دون أن تتحول إلى قطيعة أو خصومة دائمة.
كما أن ملف مياه النيل وسد النهضة ألقى بظلاله على العلاقات الإقليمية خلال السنوات الأخيرة. فبينما تنظر مصر إلى النيل باعتباره مسألة وجودية ترتبط مباشرة بحياة أكثر من مائة مليون مواطن، ينظر السودان إلى القضية من زاوية أكثر تعقيداً تشمل المنافع والمخاطر المحتملة وتأثير المشروع على مصالحه الوطنية.
ورغم اختلاف المواقف، فإن المصلحة الحقيقية للبلدين تكمن في التعاون والتنسيق المستمر، لأن النيل لم يكن يوماً سبباً للحياة في بلد واحد، وإنما كان دائماً أساساً لحياة شعوب الوادي بأسره.
أما في المجال الاقتصادي، فما زالت العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين أقل بكثير من الإمكانات المتاحة. ورغم التطور النسبي في حركة التجارة والنقل، فإن القيود الإدارية واختلاف المواصفات والإجراءات الجمركية وضعف البنية التحتية ما زالت تحد من الوصول إلى مستوى التكامل الذي تتيحه الجغرافيا والقرب الثقافي بين البلدين.
إن المستقبل الاقتصادي للعلاقة السودانية المصرية ينبغي ألا يقتصر على تبادل السلع، بل يجب أن يمتد إلى مشروعات زراعية وصناعية ولوجستية كبرى تحقق مصالح متبادلة وتخلق واقعاً جديداً يجعل التعاون خياراً عملياً لا مجرد شعار سياسي.
غير أن أكثر ما يستحق التوقف عنده ليس ملفات الخلاف، وإنما صفحات التضامن التي كثيراً ما تغيب عن الذاكرة العامة.
فحين واجهت مصر تحديات مصيرية في مراحل مختلفة من تاريخها، وقف السودان إلى جانبها، وشارك السودانيون في معارك خاضتها مصر دفاعاً عن أمنها واستقرارها، واحتضنت الأراضي السودانية بعض المؤسسات والأنشطة العسكرية المصرية في ظروف استثنائية فرضتها المواجهة مع إسرائيل.
وفي المقابل، عندما اندلعت الحرب المدمرة في السودان، فتحت مصر أبوابها أمام أعداد هائلة من السودانيين الفارين من جحيم الحرب. وقد دخل كثير منهم في الأسابيع الأولى دون تأشيرات أو حتى أوراق ثبوتية مكتملة بفعل الظروف الإنسانية الاستثنائية التي فرضتها الكارثة، ووجدوا في مصر ملاذاً آمناً في وقت كانت فيه أبواب كثيرة موصدة.
ولا يمكن لأي قراءة منصفة للعلاقات السودانية المصرية أن تتجاهل هذا الموقف الإنساني النبيل، تماماً كما لا يجوز تجاهل المواقف السودانية التاريخية الداعمة لمصر في أوقات الشدة.
وفي هذا السياق، يكتسب وصول السفير ياسر سرور إلى الخرطوم أهمية خاصة، إذ يأتي في مرحلة تحتاج فيها العلاقات السودانية المصرية إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء شراكات طويلة المدى. فملفات إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي والأمن الحدودي وتطوير البنية التحتية والاستثمار الزراعي وتسهيل حركة المواطنين بين البلدين تتطلب جميعها جهداً دبلوماسياً نشطاً ورؤية استراتيجية تتجاوز المعالجات الظرفية.
ولعل المؤسف حقاً أن أصواتاً محدودة في الجانبين تحاول بين الحين والآخر تسميم هذه العلاقة عبر خطابات الكراهية والاستعلاء والتخوين المتبادل، مستفيدة من الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي. وهي أصوات تزداد ضجيجاً كلما ضعفت المعرفة بالتاريخ، لكنها تظل عاجزة عن تغيير حقائق الجغرافيا أو محو قرون طويلة من التعايش والتفاعل المشترك.
إن العلاقات بين الدول لا ينبغي أن تُدار بمنطق “اللايفات” والانفعالات اللحظية، وإنما بمنطق المصالح الوطنية والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى. وما يحتاجه السودان ومصر اليوم ليس المزيد من الشكوك المتبادلة، بل المزيد من الثقة والحوار والشفافية والاحترام المتبادل.
فالسودان ليس مجرد ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية، كما أن مصر ليست مجرد دولة جوار عادية بالنسبة للسودانيين. إنهما دولتان يجمعهما تاريخ مشترك ومصير متداخل ومصالح متبادلة لا يمكن لأي منهما تجاهلها.
ومن هنا يمكن النظر إلى تعيين السفير المصري الجديد في الخرطوم باعتباره فرصة لإعادة تنشيط قنوات الحوار والتنسيق بين البلدين في مرحلة هي من أكثر المراحل حساسية في تاريخ المنطقة. فنجاح أي سفير لا يقاس فقط بقدرته على تمثيل مصالح بلاده، وإنما أيضاً بقدرته على بناء جسور الثقة وتعزيز التفاهم المتبادل وفتح آفاق جديدة للتعاون بين الشعوب قبل الحكومات.
لقد حكمت الجغرافيا بأن يكون السودان ومصر جارين، لكن التاريخ منحهما فرصة أوسع من ذلك بكثير. ومن الحكمة أن يدرك الطرفان أن المستقبل لن تصنعه خلافات الأمس بقدر ما ستصنعه القدرة على إدارة تلك الخلافات بعقلانية، وتحويل المشتركات التاريخية إلى مشروعات تعاون حقيقية تخدم الشعبين.
فبين السودان ومصر ما هو أعمق من السياسة وأبقى من الحكومات؛ هناك النيل، وهناك التاريخ، وهناك دماء امتزجت في ساحات القتال، وأبواب فُتحت في أوقات المحن، وشعبان تعلما عبر القرون أن اختلاف الرؤى لا يلغي حقيقة المصير المشترك. وإذا أحسن الجانبان استثمار هذه المرحلة، فقد يشكل تعيين السفير ياسر سرور بداية صفحة جديدة تعزز التعاون والتكامل بين شعبي وادي النيل في مواجهة تحديات الحاضر وصناعة فرص المستقبل.
مرحبا سعادة السفير بين اهلك وفي وطنك.
altaghyeer.info