سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

إمام من اكسفورد

إمام من اكسفورد

إمام من اكسفورد

التقي البشير الماحي

من أشهر القصص الطريفة المنسوبة لفترات التضخم الجامح خلال القرن الماضي قصة رسالة بنك إلى أحد المودعين جاء فيها ما معناه “يسرنا إبلاغكم أن رصيدكم ارتفع من مليون إلى عشرة ملايين”.

وقد رد العميل “هل يمكنكم إرسال هذا الإشعار أسرع في المرة القادمة؟ عندما وصلني الخطاب كانت قيمة العشرة ملايين أقل من ثمن الطابع البريدي الذي أُلصق على الظرف”.

رحم الله الدكتور الفرجوني فقد كان يحلق بنا في مادة معنية بالسوابق المصرفية قد هممت منذ فترة بالكتابة عن واقع العمل المصرفي في السودان ومن ما دفعني إلى الكتابة اليوم هو واقع التضخم الجامح الذي يأخذ بتلابيب المواطن ويكاد يخنقه بفعل انفلات غير مسبوق للسوق.

عند الكتابة تذكرت الإمام الصادق المهدي والذي وددت أن أطلق عليه “إمام العصر” ولكن زاحمتني فيها عبارة قرأتها في مقال للقائد ياسر عرمان بعنوان “جمعتان في حياة ورحيل الإمام” يرثي فيه الزعيم الصادق المهدي بقوله “من أين لنا بإمام من أكسفورد” ووجدتها أكثر جزالة وشمول.

ففي بحثي عما يعضد ما سوف أطرحه لم أجد أحداً أكثر شجاعة وعلماً وجرأة منه ففي ثلاث فترات متباعدة في الثمانينيات ومطلع الألفية وقبل رحيله بشهور قدم عدداً من الدراسات منها “نحو مرجعية إسلامية متجددة” و”جدلية الأصل والعصر” و”أيها الجيل”

فيها كان أكثر وضوحاً في أن أسعار الفائدة في البنوك لا علاقة لها بالربا فهو يرى أن سعر الفائدة يمثل عائداً تعويضياً للمودع وهو ما يعرف عند المصرفيين بـ”Value time of Money” وما يحزنني أن اجتهادات السيد الإمام لم تجد حتى من يبشر بها داخل القطاع الاقتصادي لحزبه في وقت يمثل فيه واقع الجهاز المصرفي أس البلاء في السودان ومنه سرقنا بل هو المتسبب الأول فيما يحدث اليوم.

إن ما يسمى بالنظام المصرفي الإسلامي زوراً يمثل عملية سرقة مقننة للمواطنين فهو يزيد الأثرياء ثراءً والفقراء فقراً وقد تعجبت حين قرأت فتوى لعبد الحي يوسف وهو يحدث السائل عن مشروعية شراء منظومة طاقة شمسية عن طريق البنك تعجبت وأنا أتذكر واقع الحال فحضرتني مقولة عبد الله بن عمر لمن سأله عن دم البعوض في ثوب المحرم فرد ساخراً “عجبت لكم يا أهل العراق تقتلون ابن بنت رسول الله وتسألون عن دم البعوض” فطاف به فيما حفظه بلسان حرص أن يكون عربياً مبيناً حتى يعطي الفتوى هيبتها وصدقها وهو يعلم أن المرابحة ليست سوى أمر بالشراء ولا ينطبق عليها أصل القاعدة الفقهية القائلة إن الأصل في البيع التملك وهي من أضعف الصيغ الإسلامية على قول بعض العلماء المعاصرين.

والحقيقة الناصعة أن سعر الفائدة لا علاقة له على الإطلاق بالربا فالربا كانت العلة في تحريمه ابتداءً استغلال حاجة البعض بينما يعتبر سعر الفائدة في عالم اليوم غير ما ذكره الإمام الصادق كعائد تعويضي من أنجع الوسائل لمحاربة التضخم عبر التحكم في الكتلة النقدية وذلك بجذب المدخرات مما يمكن البنك المركزي من إدارتها وفق ما يحقق المصلحة العامة من خلال تحريك قطاعات اقتصادية معينة وهو غاية ما يدعو له الإسلام وهو ما جعل نحو ثمانين في المائة من حجم الكتلة النقدية يدار عبر الجهاز المصرفي في الدول الغربية.

أما محاولات الأسلمة في الصيغ المصرفية وحتى في عمليات السوق المفتوحة “Open Market Operations” من خلال ابتداع شهادات شهامة وشمم وغيرها فقد زادت الطين بلة وزادت الفقراء فقراً وهي محاولات أثبتت الممارسة فشلها.

من المعلوم أن النقود في الماضي كانت سلعية ثم أصبحت ورقية بغطاء ذهبي ثم جرى الاستغناء حتى عن هذا النظام وأصبحت أوراق البنكنوت تطبع وفق نسب مرتبطة بالناتج القومي الإجمالي وبالتالي لا مجال للتبعيض وإنما الأخذ بالنظام المتكامل الذي صمم للحفاظ على الحقوق وخاصة حقوق فقراء الشعب.

فليس من الدين أن يُسرق راتب المعلم وهو في جيبه بفعل التضخم ولا مال ذلك المزارع الذي ينتظر حولاً كاملاً ليحصد ثمرة ما زرع ثم يجد نفسه في النهاية ينطبق عليه المثل العربي “أحشفاً وسوء كيلة”.

altaghyeer.info