سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

كيف قادت هجمات الدعم السريع إلى أزمة مياه خانقة في مدينة الأبيض بشمال كردفان

كيف قادت هجمات الدعم السريع إلى أزمة مياه خانقة في مدينة الأبيض بشمال كردفان

 

مع طلوع كل فجر في مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، تبدأ رحلة البحث عن الماء قبل أن تبدأ الحياة نفسها. تصطف الأوعية الفارغة أمام المنازل، وتمتد طوابير المواطنين في شوارع وأحياء المدينة على أمل الحصول على بضعة لترات تكفي يوماً آخر من العطش. لكن الماء تحوّل إلى سلعة نادرة وباهظة الثمن يلهث السكان وراءها.

التغيير – الأبيض

وقال مصدر لـ«التغيير» إن الأوضاع المائية في المدينة شهدت تدهوراً ملحوظاً عقب استهداف قوات «الدعم السريع» لمحطات المياه بالمصادر الجنوبية للمدينة خلال الأسبوع الماضي، الأمر الذي أدى إلى خروجها عن الخدمة.

وأوضح أن المدينة لم يعد أمامها سوى الاعتماد على الآبار الجوفية كمصدر رئيسي لمياه الشرب، في ظل شح البدائل المتاحة، مضيفاً أن استهداف «الدعم السريع» لمحطات الكهرباء، إلى جانب الهجمات التي طالت محطات الوقود، أسهم في ارتفاع أسعار الوقود بصورة كبيرة، ما انعكس مباشرة على تكلفة توفير المياه.

وتعيش المدينة تحت وطأة الهجمات المتواصلة التي تنفذها قوات «الدعم السريع»، وأصبح العطش شريكاً دائماً للخوف وسط المدنيين. ومع تعطل مصادر الإمداد واستمرار الهجمات، قفزت أسعار المياه إلى مستويات غير مسبوقة، مضيفة عبئاً جديداً على آلاف الأسر التي تكافح يومياً من أجل البقاء. وهنا يروي بعض سكان المدينة لـ«التغيير» حكايتهم مع مورد أصبح الحصول عليه معركة لا تقل قسوة عن الحرب نفسها.

وقال آدم حسين لـ«التغيير» إن الأوضاع المعيشية في مدينته أصبحت بالغة الصعوبة، مشيراً إلى أن أزمة المياه باتت تثقل كاهل السكان بصورة يومية. وأضاف أن المياه أصبحت شحيحة في كثير من الأحياء بسبب تعطل الإمداد الكهربائي وارتفاع تكلفة تشغيل الطلمبات.

من جانبه، قال عمر أنس لـ«التغيير» إن أزمة المياه الحالية في المدينة بدأت بالتزامن مع أزمة الوقود، معتبراً أن الأخيرة تبدو أقرب إلى أزمة مفتعلة. وأوضح أن عدداً من محطات الوقود يتوقف عن العمل خلال ساعات النهار، بينما ينشط ليلاً، مشيراً إلى أن الوقود يُباع لجهات نافذة وأصحاب وسائل النقل وفق أسعار السوق السوداء.

وأضاف أن هذه الأزمة انعكست بشكل مباشر على عمل تناكر المياه التي تملأ حمولتها من خارج المدينة ثم تعود لتوزيعها داخل الأحياء، مشيراً إلى أن مناطق غرب وجنوب المدينة تعاني أساساً من ضعف خدمات المياه، إذ يعتمد السكان على مضخات تعمل بالطاقة الشمسية. غير أن هذه الأنظمة لا تعمل بالكفاءة المطلوبة في جميع الأوقات، ما دفع القائمين عليها إلى الاعتماد على البوابير (المولدات).

ومضى في حديثه قائلاً: «نحن سكان غرب ووسط وجنوب المدينة من أكثر المتضررين من أزمة المياه، لأن شبكات المياه لا تصل إلى أحيائنا بشكل أساسي، ونعتمد على مياه المضخات التي تكون في الغالب مالحة. وحالياً يبلغ سعر جوز المياه نحو أربعة آلاف جنيه سوداني، بينما يتراوح سعر البرميل بين 20 و25 ألف جنيه، بحسب نوعية المياه، سواء كانت مالحة أو عذبة، وغالباً ما تكون مالحة».

وفي منشور على موقع «فيسبوك»، قال ياسر الشريف إن الصورة المتداولة تعكس جانباً واحداً فقط من المعاناة التي يعيشها مواطنو مدينة الأبيض في ظل الظروف الراهنة. وأوضح أن الصورة ليست من فترة جفاف عام 1984 كما قد يعتقد البعض، بل التُقطت لبئر تعمل بالطاقة الشمسية في الوقت الحالي، في ظل انقطاع الكهرباء وشح المحروقات بسبب الحرب المستمرة.

وأضاف أن التجمع الكبير للمواطنين حول البئر يعكس حجم الأزمة، مشيراً إلى أن الناس باتوا لا يهابون الطائرات المسيّرة ولا حتى الموت نفسه، لأن «الجوع والعطش كافر»، على حد تعبيره.

وشهدت المدينة خلال الأسابيع الماضية تصاعداً في الهجمات التي تنفذها قوات «الدعم السريع» باستخدام الطائرات المسيّرة، حيث استهدفت مراراً مواقع ومرافق مدنية وخدمية داخل المدينة، ما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا من المدنيين بين قتيل وجريح، إلى جانب أضرار واسعة في البنية التحتية والخدمات الأساسية.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» في أبريل 2023، شهدت مدينة الأبيض مواجهات عسكرية عنيفة بين الطرفين، أدت إلى سقوط مئات القتلى والجرحى من المدنيين جراء القصف المتبادل.

وتسعى قوات «الدعم السريع» منذ ذلك الحين إلى فرض سيطرتها الكاملة على المدينة، فيما يواصل الجيش السوداني تأمين قيادة الفرقة الخامسة مشاة والمواقع الاستراتيجية بالمنطقة.

وتتمتع مدينة الأبيض بموقع استراتيجي مهم في غرب السودان، إذ تضم أكبر سوق للصمغ العربي في العالم، فضلاً عن أسواق رئيسية للمحاصيل الزراعية والماشية، كما تشكل نقطة ربط حيوية على طريق الصادرات المؤدي إلى ولايات غرب البلاد.

altaghyeer.info