سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

عندما يتحول التحليل إلى عنصرية: قراءة في خطاب أماني الطويل عن السودان

عندما يتحول «التحليل» إلى عنصرية: قراءة في خطاب أماني الطويل عن السودان

عمر سيد أحمد

نشرت الأسافير تسريبات تداولها الناس على نطاق واسع عن ندوة مغلقة عُقدت في مركز “ترندز للأبحاث والاستشارات” بدولة الإمارات العربية المتحدة، كشفت عن خطاب لافت للدكتورة أماني الطويل، مستشارة مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ومديرة برنامجه الأفريقي، تضمن أوصافاً وتحليلات تستحق أن تُفضح وتُناقش بجدية، لا لأنها رأي سياسي مختلف، بل لأنها تعيد إنتاج أفكار عنصرية بائدة تحت غطاء أكاديمي.

التحليل الذي لم يكن تحليلاً

حين تقدّم باحثة، توصف بأنها مستشارة في مركز بحثي مرموق، أزمة دولة كاملة باعتبارها نتاجاً لـ”طبيعة التكوين الثقافي والاجتماعي” لشعبها، وتربط هذا التكوين بـ”غلبة المكون الزنجي على العربي”، فإننا لا نقف أمام تحليل سياسي، بل أمام نص عنصري كلاسيكي يكرر بنية الخطاب الاستعماري القديم: شعوب “متخلفة” بطبيعتها، تحتاج إلى من يُدير شأنها أو “يحتويها”.

هذا ليس تحليلاً، هذا تجريد إنسان من تاريخه وسياقه السياسي والاقتصادي، واستبداله بحتمية عرقية مزعومة. والمفارقة أن من يطرح هذا الخطاب يتجاهل تماماً ما تقوله العلوم الاجتماعية والإنسانية منذ عقود: لا توجد علاقة سببية بين الانتماء العرقي وأي سلوك حضاري أو “بدائي”. هذه فرضية سقطت علمياً وأخلاقياً، ولم يعد لها مكان إلا في خطابات التمييز.

مؤامرة ضد التحول المدني، لا “قرار سياسي” بريء

الحرب الدائرة في السودان اليوم، كما الانقلاب العسكري الذي سبقها، ليست انفجاراً عشوائياً لـ”طبيعة بشرية” مزعومة، ولا مجرد “قرار سياسي” محايد بين طرفين متنازعين، بل هي مؤامرة مكتملة الأركان ضد التحول المدني الديمقراطي، ومحاولة لإعادة فرض حكم “الإنقاذ” بعد أن أطاحت به ثورة الشعب السوداني. ومصر في هذا المشهد ليست طرفاً محايداً أو مراقباً قلقاً، بل هي داعم فعلي للانقلاب وللحرب التي تلته، وتُتهم بالتواطؤ مع قادة الجيش السوداني في نهب موارد البلاد، بحيث تحوّلت السلطة الفعلية على الأرض إلى سلطة خاضعة للنفوذ المصري. وهذا بالضبط ما أزعجته ثورة الشعب السوداني، وما تتحدث أماني الطويل باسمه حين تحمّل الشعب نفسه وزر أزمة هو في الأساس ثمن ثورته على الإسلامويين والعسكر، لا نتيجة لـ”عجز سلوكي” مزعوم فيه. تحميل “الشعب السوداني” بأكمله وزر حرب لم يخترها هو تعميم ظالم يتجاهل هذا السياق السياسي الحقيقي، بما فيه الدور المصري المباشر الذي لا يُذكر في هذا الخطاب.

استضافة اللاجئين ليست “عبئاً”

أن تستضيف مصر ملايين السودانيين الفارين من الحرب، ويُوصف هذا بكونه “عبئاً تاريخياً” يتحمله الشارع المصري، هو قلب فظ للحقيقة. الذين فروا هم ضحايا حرب، لا عبء. والعلاقة المصرية السودانية تاريخياً علاقة قربى وتشابك إنساني عميق، لا علاقة “احتواء” لخطر بشري كما صُوّر في الندوة.

حين يتحدث “الخبراء” عن الاحتواء

اللافت في الخطاب أنه لا يكتفي بوصف السودانيين، بل يطرح مقاربة “احتواء” السودان كخطر إقليمي يستدعي ضخ تمويلات لمشروع يعيد “صياغة” البلاد. هذه لغة استعمارية بامتياز: شعب يُدار، لا شعب يُشارك في تقرير مصيره. وهي ذات اللغة التي استُخدمت تاريخياً لتبرير الوصاية على الشعوب “غير المؤهلة” لحكم نفسها.

سياق لا يمكن تجاهله

يأتي هذا الخطاب في وقت تتحدث فيه تقارير وتسريبات متعددة عن قصف جوي مصري استهدف معدّنين سودانيين داخل الأراضي السودانية قرب الحدود، إلى جانب عمليات وُصفت بمطاردة مدرعات لمواطنين سودانيين، وسط صمت لافت من سلطة الأمر الواقع في بورتسودان التي تبدو متماهية مع الموقف المصري أكثر من انحيازها لحماية مواطنيها. وقد تزامن ذلك مع انتشار فيديوهات لشخصيات نافذة مصرية تتحدث بلغة فوقية صريحة عن “الموارد السودانية”، وتتعامل مع السودان كأنه حديقة خلفية لمصر لا دولة ذات سيادة وشعب له كرامته. هذا المناخ العام- من القصف إلى لغة الاستحواذ على الموارد- هو السياق الذي يجعل المرء يتساءل: هل هذا ما شجّع أماني الطويل على إطلاق لسانها العنصري بهذه الجرأة، وهي تتحدث في ندوة مغلقة أمام مسؤولين يديرون الملف السوداني، وكأن الإذن بازدراء شعب كامل أصبح مضموناً ضمن هذا المناخ؟ سؤال يبقى مطروحاً، لكنه لا يبرر بأي حال الخطاب العنصري نفسه، ولا يخفف من مسؤوليتها عنه.

الخلاصة

السودان يمرّ بكارثة إنسانية وسياسية حقيقية، تستحق تحليلاً جاداً يُعنى بجذورها السياسية والاقتصادية وبأدوار الفاعلين المحليين والخارجيين فيها. ما لا يحتاجه السودان، ولا يحتاجه أي نقاش جاد حول مستقبله، هو خطاب يصف شعباً بأكمله بأوصاف عرقية مهينة، ويعيد تسويق العنصرية بلغة “الخبرة الإستراتيجية”.

النقد السياسي حق، بل واجب. لكن الفارق شاسع بين نقد سياسات وأنظمة حكم، وبين ازدراء شعب بأكمله بسبب هويته العرقية. هذا الفارق هو بالضبط ما سقطت فيه هذه الندوة.

مواطن سوداني

[email protected]

يونيو 2026

altaghyeer.info