إصلاح الأحزاب السودانية وبناء القوى الحديثة «5-10»: ماذا تعلمنا التجارب الدولية؟
ميرغني الحبر/ المحامي
إذا كان من الخطأ استنساخ تجارب الدول الأخرى، فمن الخطأ أيضاً تجاهل الدروس التي تقدمها تلك التجارب. فالتاريخ السياسي ليس مجموعة من الوقائع المنفصلة، وإنما هو مختبر كبير لتجارب الشعوب في بناء مؤسساتها وإصلاح أنظمتها السياسية.
وقد شهدت العقود الأخيرة ظهور أحزاب وحركات سياسية جديدة استطاعت، في دول مختلفة، أن تكسر حالة الجمود، وأن تعيد تشكيل الحياة السياسية بوسائل ديمقراطية، وأن تنتقل من الهامش إلى قيادة الدولة خلال سنوات قليلة.
وتطرح هذه التجارب سؤالاً مهماً بالنسبة للسودان: ما الذي جعل بعض مشاريع التجديد الحزبي تنجح، بينما تعثرت محاولات مشابهة في دول أخرى؟
من السمات المشتركة بين تجارب التجديد الناجحة أنها لم تبدأ بمحاولة إحياء صراعات قديمة، وإنما انطلقت من قراءة التحولات التي شهدها المجتمع.
لقد سألت نفسها: كيف تغير المواطن؟ ما أولوياته؟ وما الذي ينتظره من السياسة؟
وبناءً على ذلك، أعادت صياغة خطابها وبرامجها، بحيث أصبحت تعالج قضايا الاقتصاد والتعليم والصحة والابتكار والإدارة الرشيدة، بدلاً من الاكتفاء بالشعارات الأيديولوجية أو استدعاء معارك الماضي.
وقد جسدت تجربة حركة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون هذا المعنى بصورة واضحة، إذ نجحت في كسر الاستقطاب التقليدي بين اليمين واليسار، وقدمت نفسها بوصفها استجابة لتحولات المجتمع الفرنسي، فاستقطبت شرائح واسعة شعرت بأن الأحزاب التقليدية لم تعد تعبر عن تطلعاتها.
وهذه واحدة من أهم القضايا التي تحتاجها الأحزاب السودانية، إذ لا يمكن مخاطبة مجتمع تغيّر كثيراً بأدوات وخطابات تعود إلى نصف قرن مضى.
صحيح أن كثيراً من الأحزاب الجديدة ارتبطت بقيادات تمتلك حضوراً جماهيرياً، إلا أن نجاحها لم يكن قائماً على الأشخاص وحدهم.
فالقيادة الكاريزمية قد تفتح الباب، لكنها لا تستطيع وحدها بناء حزب يعيش لعقود.
والتجارب الناجحة حرصت على بناء مؤسسات، وتوزيع المسؤوليات، وإعداد قيادات بديلة، ووضع نظم داخلية واضحة، حتى لا يرتبط مستقبل الحزب بمصير شخص واحد.
ولعل تجربة حزب العدالة والتنمية التركي في سنواته الأولى تقدم مثالاً مهماً في هذا الجانب؛ فقد اعتمد الحزب، إلى جانب حضوره القيادي، على بناء تنظيم مؤسسي متماسك، وصياغة برنامج تنموي واضح، وتوزيع منظم للأدوار والمسؤوليات، وهو ما ساعده على تحقيق نجاحات سياسية متتالية في بداياته.
وهذه قضية ما تزال تمثل أحد أكبر تحديات الحياة الحزبية في السودان.
أثبتت التجارب الحديثة أن المواطن أصبح أقل اهتماماً بالشعارات الكبيرة، وأكثر اهتماماً بقدرة الأحزاب على معالجة مشكلاته اليومية.
فالناخب يريد أن يعرف كيف سيجد فرصة عمل، وكيف سيتلقى تعليماً أفضل، وكيف تتحسن الخدمات العامة، وكيف تُدار موارد الدولة بكفاءة ونزاهة.
ولذلك نجحت الأحزاب التي قدمت برامج قابلة للتنفيذ، وربطت الديمقراطية بتحسين جودة الحياة، لا تلك التي اكتفت بالشعارات العامة.
لم تعد الأحزاب الحديثة تعتمد فقط على السياسيين التقليديين، بل فتحت أبوابها للخبراء في الاقتصاد والقانون والإدارة والتكنولوجيا والتعليم والصحة.
وأصبح إعداد السياسات العامة عملاً مؤسسياً يشارك فيه المختصون، لا مجرد اجتهادات فردية.
وتبرز في هذا السياق تجارب الأحزاب الإسكندنافية، التي أولت اهتماماً كبيراً بالديمقراطية الداخلية، وإعداد القيادات الجديدة، وتمكين الشباب والنساء، وربط صناعة القرار الحزبي بالمؤسسات والخبرات، الأمر الذي منحها قدرة كبيرة على الاستمرار وتجديد نفسها عبر الأجيال.
وهذا الدرس بالغ الأهمية بالنسبة للسودان، الذي يمتلك آلاف الكفاءات داخل البلاد وخارجها، لكنها لم تجد حتى الآن إطاراً سياسياً يستفيد من خبراتها بصورة منظمة.
غيرت الثورة الرقمية طبيعة العمل السياسي في العالم كله.
فلم تعد الأحزاب تعتمد فقط على الاجتماعات التقليدية، بل أصبحت تستخدم التكنولوجيا في التواصل مع المواطنين، وصياغة السياسات، وتنظيم الحملات، واستطلاع الرأي، وتعزيز الشفافية.
وأصبح الحزب الحديث أكثر انفتاحاً على الحوار مع المجتمع، وأكثر قدرة على الاستفادة من المعرفة الجماعية.
هل يمكن الاستفادة من هذه التجارب في السودان؟
الإجابة نعم، ولكن بشرط أساسي، وهو أن نستفيد من المبادئ لا أن نستنسخ النماذج.
فالسودان له تاريخه، وتركيبته الاجتماعية، وتحدياته الخاصة، ولا يمكن نقل تجربة فرنسية أو تركية أو إسكندنافية كما هي.
لكن يمكن أن نتعلم منها أهمية المؤسسية، وتجديد القيادات، وبناء البرامج، والديمقراطية الداخلية، والانفتاح على المجتمع، والاستثمار في الإنسان.
فقد تختلف البيئات والثقافات، لكن مبادئ النجاح تكاد تكون واحدة: مؤسسات قوية، وبرامج واقعية، وقيادات متجددة، وقدرة دائمة على الاستجابة لتحولات المجتمع.
إن الهدف من دراسة التجارب الدولية ليس البحث عن نموذج جاهز، وإنما بناء نموذج سوداني يستفيد من خبرات الآخرين، وينطلق في الوقت نفسه من واقع السودان وتاريخه وثقافته وتنوعه.
فكل تجربة ناجحة كانت في الأصل استجابة لاحتياجات مجتمعها، لا نسخة من تجربة أخرى.
ولذلك فإن نجاح أي مشروع إصلاحي في السودان سيعتمد، قبل كل شيء، على قدرته على فهم المجتمع السوداني كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.
إن التجارب الدولية تؤكد أن تجديد الحياة الحزبية ليس حلماً مستحيلاً، وإنما هو ثمرة رؤية واضحة، ومؤسسات قوية، وبرامج واقعية، وقيادات تؤمن بأن السياسة خدمة عامة لا وسيلة للاحتكار أو الهيمنة.
ولعل أهم درس يمكن أن نستخلصه هو أن الأحزاب لا تتجدد بمرور الزمن، وإنما تتجدد عندما تمتلك الشجاعة لمراجعة نفسها، والانفتاح على المجتمع، والاستعداد للتغيير. فالمستقبل لا تصنعه الأحزاب الأكثر عراقة، وإنما الأحزاب الأكثر قدرة على التعلم والتجدد والتكيف مع واقع مجتمعاتها.
وفي الحلقة القادمة، ننتقل من دراسة التجارب إلى رسم معالم النموذج المنشود، بالإجابة عن سؤال محوري:
ما هو الحزب السياسي الحديث؟ وما الخصائص التي يجب أن تتوافر فيه حتى يكون قادراً على قيادة السودان في القرن الحادي والعشرين؟.
altaghyeer.info