سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

حين تتحول الجيوسياسة إلى تاريخ: تفكيك سردية حاتم باشات حول الإسلام السياسي في السودان

حين تتحول الجيوسياسة إلى تاريخ: تفكيك سردية «حاتم باشات» حول الإسلام السياسي في السودان

عمر سيد أحمد

ماذا يقول التصريح المتداول؟

تداولت منصات التواصل في الأيام الأخيرة تصريحات منسوبة إلى اللواء حاتم باشات، وكيل المخابرات المصرية السابق، يطرح فيها فكرة لافتة ومثيرة للجدل: أن الإسلام السياسي في السودان ليس تنظيماً يمكن حله ولا ظاهرة عابرة يمكن استئصالها، بل هو جزء عضوي من “تكوين الدولة” السودانية ذاتها، يمتد جذوره إلى سلطنتي الفونج ودارفور، أي إلى ما قبل نشأة جماعة الإخوان المسلمين بثلاثة قرون. وبناءً على هذا التأصيل التاريخي، يذهب باشات إلى أن أي محاولة لمواجهة الإسلام السياسي في السودان ليست إصلاحاً سياسياً، بل “مشروع اقتلاع للمجتمع نفسه”، مشبّهاً من يسعون لذلك بملوك قشتالة الذين حاولوا اجتثاث الوجود الإسلامي من الأندلس.

الفكرة، على غرابتها، تستحق وقفة تفكيكية، لأنها لا تُقدَّم كرأي سياسي عابر، بل بلغة “الحقيقة الصلبة كالصخر” التي لا تقبل الجدل، وهو أسلوب خطابي يستحق أن يُفحص بقدر ما يُفحص مضمونه.

سردية تلبس ثوب التاريخ لتخدم غرضاً سياسياً آنياً

يطرح اللواء حاتم باشات نفسه بوصفه مؤرخاً محايداً يقرأ “حقيقة صلبة كالصخر”، لكن فحص الخطاب من الداخل يكشف أنه ليس تحليلاً تاريخياً بقدر ما هو تبرير سياسي مُعدّ سلفاً لموقف استخباراتي مصري تجاه ملف السودان. فحين يتحدث ضابط استخبارات سابق عن “شرعية إسلامية أعمق من كل الأيديولوجيات المستوردة”، فإنه لا يمارس بحثاً تاريخياً، بل يوظّف التاريخ لخدمة حسابات إقليمية آنية، أبرزها موقع القوى الإسلامية السودانية في موازين القوى الحالية بين الجيش وقوى الدعم السريع والقوى المدنية.

المغالطة الأولى: الخلط بين الدين وبين المشروع السياسي

جوهر السردية يقوم على مغالطة كلاسيكية: تذويب الفارق بين الإسلام كدين يشكّل نسيج الهوية السودانية، وبين “الإسلام السياسي” كمشروع تنظيمي حديث نسبياً يسعى لاحتكار السلطة باسم الدين. صحيح أن الإسلام دخل السودان قبل قرون وامتزج بالعادات واللغة والعشيرة كما يقول باشات، لكن هذا لا يعني أن حركة الإنقاذ التي حكمت السودان منذ 1989، بكل ما ارتبط بها من انقلاب عسكري وقمع سياسي وحروب أهلية وانفصال الجنوب، هي “امتداد طبيعي” لتلك الهوية الدينية العميقة. الخلط بين الاثنين ليس سهواً، بل أداة لنزع الشرعية عن أي معارضة شعبية لحكم الإسلاميين، بتصويرها معارضة “للدين” لا “للاستبداد”.

المغالطة الثانية: توظيف انتقائي للتاريخ

الاستدلال بسلطنتي الفونج ودارفور لإثبات “أسبقية” الشرعية الإسلامية يتجاهل عمداً أن السودان الحديث مرّ بحقب سياسية متعددة ومتناقضة: من الحكم الثنائي البريطاني-المصري، إلى فترات ديمقراطية برلمانية، إلى انقلابات عسكرية متعاقبة (عبود، نميري، البشير)، إلى ثورات شعبية متكررة أطاحت بأنظمة استبدادية أكثر من مرة. لماذا تُختار لحظة تاريخية واحدة بعينها لتصبح “جوهر الدولة”، بينما تُهمَل عقود من الحراك الشعبي السوداني الذي رفض تحديداً حكم الإسلاميين في الشارع، لا في الكتب؟ هذا ليس قراءة للتاريخ، بل انتقاء منه بما يخدم استنتاجاً محدداً سلفاً.

المغالطة الثالثة: تحويل الشعب إلى مجرد “حاضنة” للتنظيم

حين يصف باشات أي محاولة لمواجهة الإسلام السياسي بأنها “مشروع اقتلاع للمجتمع نفسه”، فإنه يسلب السودانيين إرادتهم السياسية المستقلة، ويحوّلهم إلى مجرد امتداد بيولوجي وثقافي لتنظيم سياسي. لكن ثورة ديسمبر 2018 التي أسقطت نظام البشير قادها سودانيون رفعوا شعارات مدنية واضحة، وشارك فيها ملايين ممن لا يقلّون تديناً عن غيرهم، لكنهم ميّزوا بوضوح بين إيمانهم الشخصي وبين رفضهم لاستخدام السلطة السياسية والأمنية لفرض مشروع حزبي باسم الدين. هذا التمييز الذي مارسه السودانيون عملياً في الشارع هو ما تتجاهله السردية كلياً.

البراغماتية المصرية: تناقض لا يُخفى

المفارقة الأبرز أن الدولة المصرية ذاتها تخوض منذ 2013 مواجهة أمنية وسياسية شاملة مع جماعة الإخوان المسلمين، وتصنّفها تنظيماً إرهابياً. فكيف يتسق هذا مع خطاب يمنح “الإسلام السياسي” في السودان شرعية تاريخية متعالية على أي نقد؟ الإجابة الأقرب إلى الواقع هي أن الموقف المصري ليس مبدئياً بل وظيفياً: يُحارَب الإسلام السياسي حين يهدد استقرار النظام في القاهرة، ويُجامَل أو يُستثمر فيه حين يخدم توازنات النفوذ في دولة الجوار الاستراتيجي. هذه براغماتية مشروعة كسياسة خارجية، لكنها تفقد أي غطاء “تاريخي” أو “حضاري” حين تُعرض بلغة الحتمية الثقافية.

الخلاصة: التاريخ لا يمنح أحداً حق الوصاية

لا خلاف على أن الإسلام جزء أصيل من الهوية السودانية، ولا أحد يملك اقتلاعه من الوجدان الشعبي، وهذا ليس ما يطالب به خصوم الإسلام السياسي أصلاً. لكن شرعية أي مشروع سياسي في العصر الحديث لا تُستمد من عمق جذوره التاريخية، بل من قبول الناس الأحرار له عبر صناديق الاقتراع والمشاركة المدنية. التنظيمات السياسية، مهما رفعت من شعارات دينية، تبقى قابلة للمساءلة والرفض الشعبي مثل أي تنظيم آخر. من يخلط بين الدفاع عن هوية شعب وبين الدفاع عن امتيازات تنظيم سياسي بعينه، إنما يمارس تضليلاً يستحق أن يُفكَّك لا أن يُصدَّق.

Email:[email protected]

altaghyeer.info