سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

نموذج ايران والسودان ولبنان.. لوثة العقل الإسلاموي إلى أن تتجه

نموذج ايران والسودان ولبنان.. لوثة العقل الإسلاموي إلى أن تتجه‎؟!

خالد أبو أحمد

أربعون عاما من المعايشة القريبة لتجارب الحركات الإسلاموية، من الداخل قبل عقدين ونيف، وأكثر من ‏ربع قرن من موقع المراقب الناقد هي سنوات كافية لتكوين قناعة واضحة عندي: هناك خلل عميق يصيب ‏العقل الإسلاموي حين يمسك بالسُلطة أو القرار، يجعله يتصرف بطريقة توصله في النهاية إلى معاداة نفسه ‏قبل معاداة خصومه، هذه ليست ملاحظة مبنية على حادثة واحدة، بل خلاصة تجربة طويلة عبر نماذج ‏مختلفة تلتقي كلها عند نقطة واحدة: التعنت الذي لا يخدم حتى مصلحة صاحبه، والقرار الذي يبدو انتحاريا ‏أكثر منه مدروسا‎.‎

إن أحداث مضيق هرمز الأخيرة تعطينا مثالا واضحا جدا، اتفقت واشنطن وطهران على تنظيم مرور السفن ‏عبر المضيق، ومع ذلك بادرت إيران في أول فرصة إلى ضرب سفنا تجارية عابرة، بغض النظر عن ‏جنسيتها، رغم أن أمامها خيارات أقل خطورة، أسوأ الحالات احتجاز السفينة بدل ضربها هذا لم يحدث مرة ‏واحدة، بل تكرر أكثر من مرة، وفي كل مرة كان الرد الأمريكي أعنف من سابقه، حتى تحول التصعيد إلى ‏حرب مفتوحة تلقت فيها إيران ضربات مؤلمة ولا زالت تتلقى طالت جيشها وقيادتها. ‏

والأهم أن إيران حين قررت الرد، لم توجه صواريخها فقط نحو من ضربها، بل وسّعت الاستهداف ليشمل ‏تقريبا كل دول الخليج العربي، بما فيها سلطنة عُمان، وهي الدولة التي كانت دائما حلقة الوصل عندما تشتد ‏الأزمات، والوسيط الذي لا غنى عنه في كل أزمة، هذا بالضبط ما أقصده بمعاداة الذات: قرار يهدم آخر ‏جسر متاح للخروج من الأزمة، ويحول أزمة يمكن احتواؤها إلى مأزق كبير، وحين يجمع كثير من المحللين ‏على أن طهران “فقدت صوابها” في هذه اللحظة، فهذا ليس كلاما دبلوماسيا انما تشخيص لخلل حقيقي في ‏طريقة اتخاذ القرار، حين يتحكم منطق التصعيد والانفعال على حساب أي حساب عقلاني للمصلحة‎.‎

المفارقة المضحكة

هنا تكمن مفارقة تستحق التوقف عندها طويلا، المبرر الذي تكرره إيران دائما هو أنها تستهدف القواعد ‏الأمريكية الموجودة في دول الخليج، وليس هذه الدول نفسها لكن هذا المبرر يكذبه واقع الأرقام: أعداد ‏الصواريخ التي أطلقتها إيران وأنواعها، وأعداد الطائرات المسيّرة المهولة التي استخدمتها، كلها تفوق بكثير ‏ما يحتاجه استهداف قاعدة عسكرية واحدة أو حتى عدة قواعد، حجم هذا السلاح وتوزيعه على أكثر من دولة ‏خليجية في آن واحد، من البحرين إلى قطر إلى الكويت والإمارات إلى الأردن، يكشف أن الهدف الحقيقي ‏أوسع من “الرد على أمريكا”، وأقرب إلى معاقبة هذه الدول بالذات على ما هي عليه، والمفارقة الأعمق أن ‏دول الخليج هذه هي دول متصالحة مع نفسها، لا تعيش حروبا أهلية ولا انقسامات عقدية داخلية، وحققت ‏مستويات تنموية عالية جدا تشهد عليها تقارير التنمية البشرية الأممية نفسها: الإمارات في المرتبة الخامسة ‏عشرة عالميا هذا العام، وهي أعلى ترتيب عربي على الإطلاق، والبحرين في المرتبة الثامنة والثلاثين ‏والثالثة عربيا، والسعودية في المرتبة السابعة والثلاثين، وقطر في الثالثة والأربعين، وكلها ضمن فئة ‏‏”التنمية البشرية العالية جدا” التي تضع هذه الدول في مصاف أفضل دول العالم من حيث الصحة والتعليم ‏ومستوى المعيشة.‏

هذا النجاح بالذات هو ما يبدو أنه يثير حفيظة إيران فالدولة التي فشلت في تحقيق الرفاهية لشعبها، وأوصلته ‏إلى فقر مدقع وتضخم يتجاوز السبعين في المئة، تجد في نجاح جيرانها مرآة تكشف فشلها هي، فتتحول هذه ‏المرآة إلى هدف، هذا ليس تحليلا استراتيجيا بل يشبه إلى حد بعيد الحقد والحسد والغيرة من نجاح الآخرين، ‏وهي مشاعر لا تصنع سياسة، بل تصنع كارثة على صاحبها أولا كما يحدث الآن في هذه اللحظات.‏

السودان: ست وثلاثون عاما من تحطيم الذات

النموذج السوداني أشد إيلاما لأنه أطول زمنا وأوسع أثرا، الحاكِمون الإسلامويون في السودان يمارسون ‏النمط نفسه منذ أكثر من ست وثلاثين عاما: كل أزمة تدار بمنطق التعنت والمكابرة بدل التسوية، وكل خلاف ‏داخلي يتحول إلى قطيعة نهائية ثم تتحول القطيعة إلى حرب ضروس بدل الإحتواء، حتى تراكمت الأزمات ‏وتحولت البلاد إلى ساحة حروب متتالية، وانهيار اقتصادي واجتماعي غير مسبوق، وتشرد ملايين ‏السودانيين في المهاجر حول العالم.، إن المفارقة المؤلمة من كان يفترض أن يبني دولة ويحمي مقدراتها، ‏انتهى إلى تفكيكها بيده، ليس بفعل عدو خارجي بل بفعل قرارات داخلية متكررة اختارت دائما الخيار الأكثر ‏تصلبا وتعنتا والأقل مرونة، وكأن هناك رغبة عميقة في إثبات الموقف الأيديولوجي حتى لو كان الثمن هو ‏الوطن نفسه‎.‎

في لبنان يتكرر النمط بشكل آخر: حزب الله، الذي نشأ أصلاً كقوة (مقاومة)، أصبح وكأنه وكأنه مصمَّم ‏أصلاً لإلحاق الضرر بالمصلحة الوطنية اللبانية أكثر من حمايتها، وذلك عبر جرّ البلاد إلى حروب ‏واستحقاقات إقليمية لا يملك لبنان أدوات احتمالها، وربط قرار الحرب والسلم بحسابات خارج الإجماع ‏الوطني.‏

الثمن الاقتصادي والاجتماعي

هذا الخلل الذي نتحدث عنه ليس مجرد سوء إدارة للأزمات السياسية، بل هو آلة تحول كل قرار متعنت إلى ‏كارثة اقتصادية واجتماعية يدفع ثمنها الناس العاديون لا الحكام. والأرقام هنا واضحة ولا تحتاج تفسيرا‎.‎

في إيران‎: ‎الحرب التي أشعلتها إيران بإصرارها على ضرب السفن التجارية رغم اتفاقها مع واشنطن، ‏حولت اقتصادا كان متعبا أصلا إلى اقتصاد على حافة الانهيار الكامل. يتوقع صندوق النقد الدولي أن ينكمش ‏الاقتصاد الإيراني بنحو ستة في المئة هذا العام، مع تضخم يقترب من سبعين في المئة، بعدما كانت البلاد ‏تعاني أصلا من تضخم تجاوز الأربعين في المئة قبل الحرب. الضرر الذي لحق بالبنية التحتية يقدر بما بين ‏مئتي مليار ومئتين وسبعين مليار دولار، وهو رقم يقترب من نصف الناتج المحلي لما قبل الحرب صادرات ‏النفط الإيرانية التي كانت تتجاوز مليوني برميل يوميا، هبطت إلى الصفر في مايو الماضي بسبب الحصار ‏البحري الأمريكي. أكثر من مليوني وظيفة اختفت منذ بداية الحرب، والريال الإيراني فقد كل قيمته تقريبا، إذ ‏تجاوز سعر الصرف مليون وسبعمئة ألف ريال مقابل الدولار الواحد، حتى مسؤولون اقتصاديون إيرانيون ‏حذروا رئيسهم من أن إعادة بناء الاقتصاد قد تستغرق أكثر من عشر سنوات، وكل هذا يعود إلى قرار متكرر ‏باختيار التصعيد بدل الاحتواء في لحظة كان يمكن فيها ببساطة منع سفينة من العبور أو احتجازها‎.‎

في السودان‎ ‎الفاتورة أطول زمنا وأقسى على الإنسان قبل الاقتصاد إذ يقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن ‏الحرب المستمرة منذ عام 2023 ستكلف السودان نحو أربعة وثلاثين مليار دولار من ناتجه المحلي بحلول ‏عام 2043، حتى في حال توقف القتال عام 2030 فقط، النشاط الصناعي انهار بنسبة تقارب التسعين في ‏المئة، والأراضي الزراعية المزروعة تراجعت بخمسة عشر في المئة، وأكثر من أربعين في المئة من ‏الكهرباء توقف، أكثر من ثلاثة عشر مليون سوداني نزحوا من بيوتهم، وقرابة ثلاثين مليونا يعانون من ‏نقص الغذاء الحاد، وثلثا سكان البلاد تقريبا بحاجة إلى مساعدات إنسانية الفقر المدقع بحسب توقعات الأمم ‏المتحدة قد يتجاوز الستين في المئة من السكان، إذا استمرت الحرب حتى 2030، أي ما يعادل اثنين وخمسين ‏مليون إنسان، وهذا الرقم وحده أكبر من عدد سكان دولة كاملة، أكثر من ثلاثة أرباع المرافق الصحية في ‏مناطق النزاع خرجت عن الخدمة، وفي الخرطوم نفسها لا يعمل سوى مستشفى واحد من كل أربعة. هذه ‏ليست كلفة حرب عابرة، بل تفكيك ممنهج لدولة كاملة استمر ست وثلاثين عاما تحت حكم لم يعرف يوما لغة ‏التسوية‎.‎

في لبنان‎ ‎‏(حزب الله) ورّط بلدا كان يمكن أن يتعافى في دوامة اقتصادية جديدة الناتج المحلي اللبناني انهار من ‏نحو خمسة وخمسين مليار دولار عام 2018 إلى ما يقدر بخمسة عشر مليار دولار فقط في 2026، أي ‏تراجع بنسبة تفوق السبعين في المئة خلال أقل من عشر سنوات، أضرار البنية التحتية بسبب الحرب ‏الأخيرة تقدر بثمانية عشر مليار دولار، فيما بلغت كلفة الأضرار والخسائر الاقتصادية معا نحو أربعة عشر ‏مليار دولار حسب تقييم البنك الدولي، العملة اللبنانية فقدت أكثر من تسعة وتسعين في المئة من قيمتها، ‏والفقر يطال أكثر من ثمانين في المئة من السكان بحسب بعض التقديرات، ما دفع البنك الدولي إلى إعادة ‏تصنيف لبنان من بلد متوسط الدخل إلى بلد منخفض الدخل. والمفارقة أن لبنان كان في مطلع عام 2026 ‏يشهد بوادر تعاف حقيقي بعد سنوات من التقشف، قبل أن يعيد حزب الله البلاد إلى دوامة الحرب بقرار لا ‏تملكه الدولة اللبنانية ولا يخضع لحساباتها، بل لحسابات إقليمية خارج السيادة الوطنية تماما‎.‎

والشيء المشترك بين هذه الحالات الثلاث أن من يدفع الثمن ليس من اتخذ القرار، بل الأجيال القادمة والناس ‏الأضعف: النساء والأطفال والنازحون والعمال البسطاء، أما القيادات المتعنتة فتبقى في مكانها، أو تنتقل إلى ‏مكان آخر دون أن يمسها شيء، وهذا الفرق بين من يقرر ومن يدفع هو سبب استمرار هذا الخلل، لأنه لا ‏توجد وسيلة تجعل من اتخذ القرار الخاطئ يتحمل نتيجته بنفسه‎.‎

لماذا يحدث هذا؟

ما الذي يفسر هذا النمط المتكرر عبر بلدان وسياقات مختلفة؟ أرى أن جوهر المشكلة يكمن في أن الموقف ‏الأيديولوجي يتحول إلى هوية مطلقة لا تحتمل المراجعة، فحين تُبنى الشرعية على “المقاومة” أو “الثبات ‏على المبدأ” أو‎ “‎عدم الانصياع”، يصبح أي تنازل تكتيكي، مهما كانت فائدته العملية، تهديدا للهوية نفسها لا ‏مجرد خسارة موقف، وهذا يفسر لماذا يختار الفاعل الإسلاموي في لحظة الحسم خيار التصعيد الأقصى بدل ‏الاحتواء، فالتراجع يبدو في نظره انهيارا كاملا لا مجرد خسارة، يضاف إلى ذلك أن طريقة اتخاذ القرار ‏عندهم مغلقة، تستبعد الرأي المخالف وتصف الناصح بالتخاذل أو الخيانة، فتتراكم القرارات الخاطئة دون ‏تصحيح، وهو ما اقصده باللوثة التي تصيب العقل الإسلاموي.‏

وفي الخلاصة أقول أن هذا الخلل الذي نتحدث عنه حقيقي هو نمطا يتكرر بثبات مقلق عبر عقود وبلدان ‏مختلفة: عقل سياسي يبني شرعيته على التصلب، فيتحول التصلب من أداة حماية إلى أداة تدمير ذاتي، ‏ويتحول الحليف إلى ضحية، والوطن إلى ساحة حرب، والمبدأ إلى مبرر للانهيار، وربما يكون أخطر ما في ‏هذا الخلل أنه لا يُرى من الداخل أبدا كعيب، بل كثبات يستحق الاحتفاء به، وهذا بالضبط ما يجعله عصيا ‏على العلاج.‏

‎”‎وإذا لم تُعالَج هذه اللوثة، فإننا مُقبلون على أوضاع مأساوية في العالم العربي بأكمله، والمعالجة تقتضي أن ‏نشرح هذه اللوثة، ونعرف مكمن الخطر فيها ومصدرها الأصلي، ثم نضع الخطط اللازمة لعلاج العقل ‏المتأثر بها‎.”‎

فجر السبت 18 يوليو 2026م

altaghyeer.info