
أدّت المواجهات العسكرية الأخيرة مع إيران إلى مقتل 4 جنود أمريكيين، ينتمي جميعهم لوحدات الدفاع الجوي، وذلك جراء هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة استهدفت قواعد عسكرية في الأردن والعراق.
وتأتي هذه الخسائر في ظل تحول جوهري في طبيعة الصراع بالمنطقة وضغوط متزايدة على أنظمة الدفاع الجوي والتجهيزات الميدانية للقواعد، بينما أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى اعتماد القوات على أسلحة دفاع جوي تابعة لدول أخرى لاعتراض الصواريخ.
وبخلاف العقود الماضية في حروب العراق وأفغانستان، حيث كان الخطر الأكبر يستهدف دوريات المشاة وقوافل المواجهة المباشرة، تقع معظم الخسائر البشرية اليوم في صفوف منتسبي وحدات الدفاع الجوي، وهم جنود لم تطأ أقدامهم الأراضي الإيرانية قط، ولقوا حتفهم داخل قواعد عسكرية تبعد مئات الأميال عن خطوط التماس.
ومنذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير/شباط، أطلقت إيران -وفقا لواشنطن بوست- ما يقارب 8500 صاروخ وطائرة مسيرة باتجاه أهداف مختلفة في الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من جهود التصدي، تمكّن نحو 100 هجوم من اختراق المنظومات الدفاعية للولايات المتحدة وحلفائها، وفقا لما صرّح به مسؤول عسكري مطّلع على أرقام الاعتراض لصحيفة "واشنطن بوست"، متحدثا بشروط عدم الكشف عن هويته لحساسية المعلومات.
وفي السياق ذاته، قال براد بومان، وهو محارب قديم في الجيش ومدير كبير في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إن هذا التحول ألقى بضغوط شديدة على الجيش الأمريكي، وتحديدا وحدات الدفاع الجوي التابعة للجيش، للتكيف بسرعة.
ولفت بومان إلى أن القوات المسؤولة عن تشغيل هذه الأنظمة أصبحت من الأكثر انتشارا وتأدية للخدمة في الجيش بسبب الطبيعة المتغيرة للحرب.
وقال: "كان على هذه الوحدات أن تتحمل مسؤوليات جديدة"، مشيرا إلى انتشار الطائرات بدون طيار قصيرة المدى من جانب إيران والتحدي المتمثل في كشفها وإسقاطها. "إن الاستقلالية والذكاء الاصطناعي والإنتاج الضخم تجعل المهمة الصعبة بالأساس لأفراد الدفاع الجوي والصاروخي في الجيش الأمريكي أكثر صعوبة".
وعلى الصعيد السياسي، أثار الرئيس دونالد ترمب جدلا حول طبيعة إدارة الدفاع الجوي في المنطقة، إذ ألمح في تصريحات للصحفيين يوم الثلاثاء إلى أن القوات الأمريكية ربما اعتمدت على منظومات دفاعية تابعة لدولة أخرى لاعتراض الصواريخ دون أن يحددها.
إعلانوقال: "لو كان لدينا مشغّلون آخرون لما حدث ذلك، فعندما تدع الآخرين يقومون بعملك، لا تسير الأمور أحيانا على ما يرام".
ومع ذلك، أعادت الأحداث للواجهة التساؤلات حول سلامة القوات وجاهزية المنشآت الأمريكية بالشرق الأوسط، حيث إن تلك المنشآت لم تُصمم عموما لتحمّل الضربات الانتقامية، وفقا لما نقلته واشنطن بوست عن مسؤول عسكري مطّلع، لأنه خلال الحروب السابقة في العراق وأفغانستان، كان القتال يدور داخل هذين البلدين وليس في المنشآت الإقليمية الداعمة للعمليات القتالية.
وكانت وزارة الدفاع (البنتاغون) نقلت قبل الحرب مع إيران العديد من قواتها بعيدا عن القواعد الكبرى، تحسبا لرد انتقامي من طهران ضد تلك المنشآت.
ومع ذلك، كان الرد الإيراني أوسع نطاقا من ذلك، حيث ضُربت منشآت كبيرة وصغيرة وبنية تحتية مدنية، وهددت إيران بضرب أي دولة تدعم العمليات الحربية الأمريكية.
في الأيام الماضية، استهدفت إيران الأردن بشكل أكثر، وفقا لما صرّح به مسؤول أمريكي، لأن الولايات المتحدة كانت في طور نقل طائرات إضافية إلى هناك، بحسب صحيفة واشنطن بوست.
في الأردن، قُتل كل من الجندي أول إيزابيلا غونزاليس، 19 عاما، من كارولتون بتكساس، والملازم أول تايلر جيمس فيهان، 25 عاما، من إيوا بيتش بهاواي، بعد أن أصاب صاروخ إيراني قاعدة موفق السلطي الجوية يوم الجمعة، وفقا لما ذكره مسؤولون.
وتُبرز طبيعة المهمة التي كانت تتولاها الوحدة التي قُتل أحد جنودها في قاعدة موفق السلطي حجم التحدي الميداني، إذ كانت الوحدة مسؤولة عن إدارة وتشغيل منظومات دفاع جوي متكاملة، تجمع بين نظام "باتريوت" الشهير المخصص للصواريخ الباليستية البعيدة، وأنظمة "أفينجر" (Avenger) الميدانية الأقل شهرة.
وتتكون منظومة "أفينجر" من أسلحة محملة على شاحنات عسكرية مجهزة بصواريخ "ستينغر" ومدفعٍ رشاشٍ ثقيل، وعلى الرغم من أن هذه المنظومة صُممت قبل نحو 40 عاما لتكون خط الدفاع الأخير ضد المروحيات والطائرات الحربية المنخفضة، فإن الجيش الأمريكي اضطر خلال العقد الماضي إلى إعادة تعديلها وتطويرها لتصويب نيرانها نحو الطائرات المسيرة، بعد أن أصبحت هذه الأخيرة التهديد الأبرز ومع ارتفاع الطلب بشكل كبير.
وقال جندي، سبق له الانتشار في قاعدة موفق السلطي الجوية بالأردن لصحيفة "واشنطن بوست"، إن العديد من المباني هناك كانت عبارة عن مقطورات معدنية وخيام ذات جدران رقيقة غير قادرة على تحمّل هجمات الصواريخ أو القذائف أو الطائرات بدون طيار.
ولكن حتى الإنشاءات الأحدث في بعض القواعد بالمنطقة، والتي تضم الآن طبقات من الجدران السميكة، لا يمكنها الحماية من ضربة مباشرة بصاروخ باليستي، حسبما قال الجندي.
وأضاف الجندي: "ليس هناك توقع بأن هذه القواعد ستتعرض للهجوم". وتابع: "إن مسرح العمليات ليس مهيأ لهذه الأمور الممتدة. ولهذا السبب ترى الضربات التي نتلقاها".
وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال يوم الاثنين، نقلا عن مسؤولين أمريكيين مطلعين على الأمر، أن الهجوم الصاروخي الباليستي الإيراني الذي أسفر عن مقتل جنديين أمريكيين في قاعدة جوية أردنية استهدف وحدات سكنية جاهزة كان الجنود ينامون فيها.
إعلانأما العراق، فلم يكن بعيدا عن مرمى النيران، إذ استهدفت إيران قاعدة أربيل الجوية، ما أسفر عن سقوط رقيب أثناء التفجير الخاضع للسيطرة لطائرة هجومية إيرانية مسيرة ذات اتجاه واحد، وفقا لما ذكره مسؤولون.
ووفقا لتحليلات مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، يعكس الهجوم إستراتيجية إيران في معاقبة دول المنطقة التي تستضيف قوات عسكرية أمريكية، بهدف طرد الولايات المتحدة من المنطقة.
ويبدو أن التحسن الكبير في قدرات إيران الضاربة طويلة المدى، زودها بمسار لاستخدام قوة أكثر علانية لاستهداف المنافسين الإقليميين وفرض تكاليف عليهم، وكانت الطريقة المفضّلة لطهران هي تأطير الهجمات على هذه الدول على أنها هجمات مقتصرة على المنشآت العسكرية التي استخدمتها الولايات المتحدة لضرب إيران، وفقا لتحليلات المؤسسة.
في المقابل، ترفض الأردن ودول المنطقة هذه الهجمات، وتعتبرها انتهاكا صارخا لسيادتها الوطنية ولأحكام القانون الدولي وتهدد استقرار الإقليم.
aljazeera.net