
لا يرى أكاديمي ومعلق سوري أي تناقض بين تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي تظهر رضا أميركيّاً على أن يكون لسوريا دور في استقرار لبنان، يقرأه البعض أنه بالضرورة تدخل عسكري لقوات سورية، وبين تصريحات وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو أن أميركا ترغب بأن تدخل سوريا في مرحلة التعافي والاستقرار وتحقيق الأمن.
التصريحان - بحسب الأكاديمي السوري ياسر نجار - يعنيان أن الدبلوماسية الأميركية ممثلة بالرئيس ترمب ووزير خارجيته روبيو تظهر اهتماماً كبيراً باستقرار الأوضاع في سوريا، ما ينعكس على استقرار الأوضاع في الإقليم وأهمية ذلك على خريطة المصالح الأميركية المرسومة بخصوص الإقليم.
وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، قد صرّح، الأربعاء، من مانيلا عاصمة الفلبين، أن بلاده تشجع سوريا على التركيز على تحدياتها الداخلية، ودعاها إلى تأمين حدودها مع لبنان.
وردّاً على سؤال بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة تحاول دفع سوريا إلى الانخراط في مواجهة مع «حزب الله»، قال روبيو للصحافيين: «ما شجّعنا عليه سوريا هو التركيز على التحديات الداخلية التي تواجهها».

يرى نجار في الموقف الأميركي تحولاً نوعياً، يعكس إعادة ترتيب الأولويات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، إذ أبدت الولايات المتحدة الأميركية اهتماماً استثنائياً بدول شرق البحر الأبيض المتوسط، وتحديداً سوريا ولبنان، ليس على المستوى السياسي فحسب، بل عبر خطوات عملية ملموسة ترسم ملامح مرحلة جديدة من الانفتاح والتعاون الاقتصادي.
وذهب الأكاديمي السوري إلى أن واشنطن لم تكتفِ بالتصريحات، بل بادرت إلى تسهيل العلاقات مع الدولة السورية الجديدة، متخذة سلسلة قرارات جريئة، بدأت بإلغاء قانون «قيصر» الذي كان يشكّل عقبة أداء أمام أي تطبيع، مروراً برفع سوريا من قوائم الدول الراعية للإرهاب، في خطوة تمهد لعودة تدريجية للعلاقات الثنائية، وصولاً إلى فتح الباب واسعاً أمام التعاون الاقتصادي.
في الجانب اللبناني، والكلام لياسر نجار، تجسّد الاهتمام الأميركي من خلال رعاية مباشرة للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل، في محاولة لترسيخ استقرار حدودي وعدم استمرار الاعتداءات الإسرائيلية بين الحين والآخر على الأراضي اللبنانية، ما يبعث برسالة طمأنة إلى كل الأطراف الفاعلة في الإقليم. حيث تكمن النوايا الحقيقية لهذه التحركات في رؤية أميركية استراتيجية، ترى في شرق المتوسط بوابة العبور إلى مشاريع اقتصادية كبرى، تشارك فيها الولايات المتحدة إلى جانب دول خليجية وتركيا، لتشكل محور تنمية إقليمياً، يعيد تعريف خرائط المصالح في المنطقة.
سوريا ولبنان، بموقعهما الجغرافي الفريد، تشكلان قلب هذه الرؤية، حيث يمثل استقرارهما السياسي والأمني ركيزة أساسية لضمان استدامة أي استثمار وجذب رؤوس الأموال، وبناء شراكات حقيقية تمتد لعقود مقبلة.

يتابع: «في مؤشر عملي يعكس جدية التوجه الأميركي، تم التحرك نحو تشجيع عملية النقل الجوي بين شركات الطيران الأميركية ومطار بيروت، بما يُسهّل حركة رجال الأعمال الأميركيين ذهاباً وإياباً، ويُزيل العقبات اللوجستية أمام وجودهم المباشر في المنطقة، وهذا ليس مجرد إجراء فني، بل رسالة واضحة بأن الشركات الأميركية باتت ترى في لبنان وسوريا وجهة واعدة لتوسيع أعمالها والانخراط في دورة اقتصادية إقليمية نشطة».
والنتيجة، بحسب ياسر نجار، أن الولايات المتحدة، من خلال هذه الخطوات المتسارعة، تقدم نموذجاً عملياً لربط المصالح الاقتصادية بالاستقرار السياسي، وتؤكد أن مستقبل المنطقة مرهون بقدرتها على تقديم بيئة جاذبة للاستثمار، وأن واشنطن مستعدة للعب دور محوري في دعم هذا التوجه من خلال أن يكون هناك التزام حقيقي باستدامة الأمن والانفتاح الاقتصادي. يختتم الأكاديمي السوري ياسر نجار كلامه بالقول: «إن الرسالة التي ترسلها واشنطن اليوم إلى دول الإقليم هي؛ شرق المتوسط لم يعد مجرد ساحة نفوذ، بل أصبح مختبراً لشراكات اقتصادية طموحة، حيث يكون الاستقرار هو العملة الرابحة، والاستثمار هو الهدف المشترك».

في التوازي، يرى مراقبون سوريون أن الإدارة الأميركية لديها خطابان بشأن دور سوريا في ملف «حزب الله»؛ خطاب الرئيس ترمب الذي لا يزال يطرح فكرة دور سوري في هذا الملف بصيغة غير واضحة وحمّالة أوجه، وخطاب وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي رسم لهذا الدور حدوداً أكثر وضوحاً، بحصره في ضبط الحدود ومنع تهريب الأسلحة.
وهذا هو رأي الباحث السوري محمود علوش، الذي عبّر عنه في حسابه على منصة «إكس»، ويعدّ الخطابين لا يعكسان بالضرورة وجود توجهين متناقضين داخل واشنطن بشأن الدور السوري، بل يمكن النظر إليهما باعتبارهما مستويين مختلفين مكملاً أحدهما الآخر، من حيث تحقيق الهدف الاستراتيجي الأميركي.
لكنّ ما يحسم الاتجاه الأميركي في هذه القضية، من وجهة نظر علوش، هو ما إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة على نزع سلاح «حزب الله» من خلال صيغة الاتفاق الإطاري مع إسرائيل.

من جهته، علّق جهاد مقدسي، المستشار في وزارة الخارجية السورية للشؤون الأميركية، على تصريحات روبيو، بقوله: «يُحسب للوزير ماركو روبيو تصريحه الواضح والإيجابي، الذي أكّد فيه أن أولوية سوريا اليوم هي مواجهة تحدياتها الداخلية، مع استمرار الدعم والتشجيع الأميركي الواضح لسوريا».
واعتبر، في تعليق على «إكس»، أن هذا الموقف يعكس فهماً عميقاً لواقع المرحلة، كما أن الجهود التي تبذلها الدبلوماسية السورية الجديدة منذ التحرير في تعزيز الحوار وبناء الثقة، تسهم في ترسيخ هذه المقاربة وتعزيز الدعم الدولي لسوريا الجديدة.
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، قال، الأربعاء: «الولايات المتحدة رفعت سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهو ما يأمل أن يسهم في تحقيق الانتعاش الاقتصادي، الذي تحتاجه البلاد بشدة».
وتابع: «سوريا بلد له تاريخ طويل من تعايش مكونات مختلفة، جنباً إلى جنب في سلام على مدى سنوات طويلة».
وأشار كبير الدبلوماسيين الأميركيين إلى أن دمشق لديها «مهمة كبيرة» في هذا الصدد، ولذلك شجّعتها واشنطن على التركيز على هذا الأمر.
تجدر الإشارة إلى أن الحدود السورية اللبنانية تمتد لأكثر من 370 كيلومتراً، وتُعدّ منطقة حساسة بسبب عمليات التهريب والتنقل غير النظامي، بما في ذلك تهريب الأسلحة والمخدرات.
aawsat.com