سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

الأوروبيون ضائعون ما بين مضيق هرمز وباب المندب

الأوروبيون ضائعون ما بين مضيق هرمز وباب المندب

في 16 يوليو (تموز)، وقّعت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، ووزير خارجية جيبوتي عبد القادر حسين عمر، اتفاقية لتسهيل وصول القوة الأوروبية العاملة ضمن «عملية أسبيدس» إلى الموانئ الجيبوتية، في إطار مهمتها لضمان الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، وحماية السفن العابرة من هجمات الحوثيين في اليمن.

ويُعدّ الاتفاق الجديد ذا أهمية استراتيجية لهذه القوة، التي رأت النور مطلع عام 2024، إذ يسهّل تزويدها بالوقود والمؤن، وإجراء أعمال الصيانة، وتبديل الأطقم، والحصول على مختلف أشكال الدعم اللوجستي. علماً أن العديد من الدول، مثل فرنسا والولايات المتحدة وإيطاليا والصين واليابان، تمتلك قواعد عسكرية جوية-بحرية في الدولة الصغيرة القائمة على مدخل باب المندب.

وفي ظل التهديدات الحوثية للملاحة في باب المندب والبحر الأحمر، توفر الاتفاقية للأوروبيين أساساً قانونياً أكثر صلابة لدعم قوتهم البحرية العاملة في المنطقة، كما تمنحهم نقطة ارتكاز رئيسية عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بما يفترض أن يسهّل عملياً مهمة القوة البحرية متعددة الجنسيات المنخرطة في «عملية أسبيدس».

وباعتبار البحر الأحمر حلقة وصل رئيسية بين أوروبا وآسيا، فإن باب المندب يُعدّ أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم. وقد تضاعفت أهميته خلال الأسابيع الأخيرة مع الإغلاق شبه التام لمضيق هرمز، بوصفه مساراً بديلاً لنقل نفط الخليج إلى الأسواق العالمية، وهو ما يفسّر الاهتمام الأوروبي المتزايد به والحرص على توقيع الاتفاقية الجديدة مع جيبوتي.

مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس تغادر المنصة بعد إلقاء كلمتها خلال المؤتمر رفيع المستوى للأطراف المتعاقدة في معاهدة الصداقة والتعاون لجنوب شرقي آسيا (آسيان) في 24 يوليو (إ.ب.أ)

اقتراح كايا كالاس

غير أن كايا كالاس، التي أشادت بالاتفاق وأهميته، استفادت من مناسبة التوقيع، لتطرح اقتراحاً بالغ الأهمية يربط بين المضيقَيْن: «هرمز» وباب المندب. وكشفت كالاس، وفق ما نقلته عنها قناة «يورونيوز»، عن أن دول الاتحاد الأوروبي بدأت مناقشات بشأن إمكان الاستفادة من الوحدات البحرية التي حشدتها بعض الدول الأوروبية، بينها فرنسا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا، بالإضافة إلى بريطانيا الدولة غير العضو في الاتحاد، في بحر عُمان وعند مدخل مضيق هرمز، ونقلها إلى باب المندب والبحر الأحمر لضمان المرور الآمن فيهما، وهي المهمة التي تضطلع بها «عملية أسبيدس» منذ إطلاقها.

وكانت المسؤولة الأوروبية تشير إلى المبادرة التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر بإطلاق «تحالف بحري»، لضمان حرية الإبحار في مضيق هرمز التي حظيت بدعم 51 دولة، بما فيها شرق أوسطية وآسيوية. لكن الدول التي بادرت إلى إرسال قطع بحرية هي، في الأساس، أوروبية، مما يفسر إطلاق التشاور في إطار الاتحاد الأوروبي.

وقالت كالاس: «إذا أُغلق أحد الممرَّين التجاريين الحيويين»، في إشارة إلى مضيق هرمز، «فعلينا أن نضمن بقاء الممر الآخر»، أي باب المندب، «مفتوحاً بالكامل». وتساءلت عما إذا كان يمكن نشر السفن المخصصة للمهمة البحرية الجديدة في مضيق هرمز ضمن «عملية أسبيدس»، إلى أن يصبح التحالف الجديد قادراً على العمل.

حقيقة الأمر أن القطع البحرية الأوروبية التي تجمعت في بحر عُمان لتحضير الانتشار عندما تتوافر ظروف بدء العملية البحرية في مضيق هرمز، ما زالت بعيدة عن خط الانطلاق، وذلك بعدما ربط رعاة المهمة تفعيلها بمجموعة من الشروط.

ويأتي في مقدمة هذه الشروط أن تتوقف العمليات الحربية، وثانيها الحصول على الضوء الأخضر من الأطراف الثلاثة المعنية، وهي الولايات المتحدة وإيران وعُمان. فضلاً عن ذلك، فإن الأوروبيين يريدونها «مستقلة» ومحايدة ولا علاقة لها بما يقوم به الأميركيون في المنطقة. وقالت كالاس: «إن التطورات الجارية في المنطقة أطلقت نقاشات حول ما يمكننا القيام به بشكل أكبر لحماية الملاحة. وإذا كانت السفن الموجودة في المنطقة لا تزال في حالة انتظار، فيمكن نشرها هنا ضمن (عملية أسبيدس) إلى أن يصبح ذلك التحالف جاهزاً للعمل».

والحال أن الشروط التي يضعها الأوروبيون لمباشرة مهمتهم في مضيق هرمز ما زالت غير متوافرة، ولا أحد يعلم متى ستتوافر. وسبق للرئيس الفرنسي أن أعلن مراراً أن المهمة البحرية يمكن أن تنطلق خلال يومين أو ثلاثة أيام.

لكن المشكلة أن وقف إطلاق النار الحالي بين إيران والولايات المتحدة بالغ الهشاشة، وأن «مذكرة التفاهم» التي توصل إليها الطرفان في شهر يونيو (حزيران) الماضي سقطت نهائياً، ولا أحد يعلم ما إذا كانت المفاوضات الجارية حالياً بينهما عبر الوسيطَين الباكستاني والقطري ستفضي إلى نتائج إيجابية. يُضاف إلى ما سبق أن إيران كررت، العديد من المرات، أنها ترفض وجود قوات أجنبية في مضيق هرمز وأنها ستعتبرها «معادية». ووفق مصدر دبلوماسي أوروبي في باريس، فإن طهران تتخوف من أن يتحول وجود هذه القوة التي يُقال عنها إنها مؤقتة إلى وجود دائم. والأهم من ذلك أن طهران تريد مضيق هرمز تحت سيطرتها الحصرية، أي من غير وجود عسكري أجنبي خصوصاً الغربي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على مدخل قصر الإليزيه في 22 يوليو (أ.ف.ب)

صعوبات الأوروبيين

حتى الآن، لم تصدر أي مؤشرات تُنبئ بالقرار الذي يفترض أن يتخذه الأوروبيون، رغم التهديدات الحوثية والهجمات التي نفّذتها الجماعة في الأيام الأخيرة ضد عدد من الناقلات. وفي المقام الأول، سيكون الأوروبيون الأكثر تضرراً من أي تعطيل للملاحة في البحر الأحمر، الذي يربط، عبر قناة السويس، بين آسيا وأوروبا وأفريقيا.

وفي السياق نفسه، شدّد رئيس اللجنة العسكرية للاتحاد الأوروبي، الجنرال شون كلانسي، الذي حضر زيارة كالاس إلى جيبوتي، على الأهمية الاستراتيجية لاستمرار الوجود الأوروبي في المنطقة، معتبراً أنه «يعكس المصلحة الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي في الحفاظ على الأمن والاضطلاع بدور أمني بالغ الأهمية من خلال عمليتي (أسبيدس) و(أتالانتا)» لمكافحة أعمال القرصنة في شمال غربي المحيط الهندي.

ويقول سفير فرنسي سابق في المنطقة إن مشكلة الأوروبيين تكمن في أنهم غير متفقين فيما بينهم. فمن جهة، يريدون إعادة التقارب مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي وجّه انتقادات حادة إليهم لعدم مساندته في فتح مضيق هرمز وحمايته. ومن جهة أخرى، يخشون الانجرار إلى حرب ليست حربهم، ولم يستشرهم شريكهم الأميركي لا عند إطلاقها ولا بشأن كيفية إنهائها.

ومن هنا، يضيف السفير السابق، تأتي المراوحة الدبلوماسية الأوروبية التي تتيح لهم كسب الوقت وانتظار اتضاح اتجاه الريح بين هرمز وباب المندب.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended

aawsat.com