سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

عن الحرب والعودة والنزوح: حقائب مليئة بالغياب

عن الحرب والعودة والنزوح: حقائب مليئة بالغياب

 

عن الحرب والعودة والنزوح: حقائب مليئة بالغياب

لؤي قور

(من حق الولد أن يلعب خارج ساحة الدار، من حقه أن يقيس المدى بفتحة ناي. من حقه أن يقع في بئر أو فوهة كبيرة في جذع شجرة خروب. من حقه أن يضل الطريق إلى البحر أو المدرسة. لكن ليس من حق أحد – حتى لو كان عدواً- أن يبقي الولد خارج الدار). يبوح محمود درويش. بدخيلة نفسه في رسالته لصديقه الشاعر سميح القاسم ،والتي نُشرت في افتتاحية مجلة اليوم السابع بتاريخ التاسع عشر من مايو للعام 1986، ويقرر أن العودة لا يجب أن تكون مشروطة، إلا بما يشاء لها الحنين، ولعله على حق.

ولربما كان الحنين هو ما قاده للقول في رسالة اخرى:(أصابني هذا الصباح ما أصابني أمس من بلوى ضعف حين أوصلتُ الصبيتين، ابنتي أخي، إلى المطار. جميع الركاب عائدون إلى ما هو لي، عائدون إلى صنوبرتي وسريري. وأنا ممنوع من العودة، وممنوع من التفكير في العودة).

تتعاظم قيمة (العودة) حينما تقترن مع الحروب، ولعل أقدم ما كتب في هذا الصدد هو (ملحمة الأوديسة) التي استقرت في صيغتها المكتوبة بين القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد، وصورت عودة البطل اليوناني (أوديسيوس) إلى وطنه (إيثانكا) بعد عشر سنوات من التيه، واجه فيها أوديسيوس الأهوال واحتجز في جزيرة معزولة لدى الحورية “كاليپسو” التي تعشقه وتمنعه من الرحيل، قبل أن يتمكن من العودة، ويستعيد عرشه وزوجته وبيته بعد عشر سنوات من الحرب، وعشر سنوات من التيه.

وفي رواية “عائد إلى حيفا” للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني تتحول العودة إلى خيبة حينما يعود الزوجين (سعيد وصفية) بعد 20 عاماً من الغياب إلى حيفا التي أجبرا على تركها وترك طفلهما الرضيع “خلدون” فيها خلال حرب العام 1948، وعند وصولهما للبيت، يكتشفان أن عائلة من المستوطنين (امرأة تسمى إيفريت) تسكن المنزل، وأنها تبنت طفلهما الرضيع خلدون وأطلقت عليه اسماً جديداً وهو “دوف”.

يلتقي الوالدان بابنهما الذي كبر ليصبح جندياً في جيش الاحتلال، حيث يرفض الاعتراف بوالديه البيولوجيين، معتبراً أن “الإنسان هو ما يعتقد وينتمي إليه، وليس مجرد دم ولحم”. وهنا يقول سعيد لزوجته جملته الشهيرة: “أتعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله”.

وما بين الحنين والعودة الممنوعة وتلك التي تصنع الخيبات، تدخل حرب السودان مفهوماً جديداً لثيمة (العودة) في أدب الحرب، فتتحول في واحدة من حالاتها إلى أداة تهديد ووعيد، نتيجة الانقسام وتفشي خطاب الكراهية وطغيانه على الفضاء العام، فضلاً عن أن العودة وفي جميع حالاتها هي علامة على انتهاء الحرب بالكلية، كيما يجد الحنين متسعاً لنفسه. لكن حرب الخامس عشر من أبريل تتعجل عودة الناس قبل أن تضع أوزارها، فيروج دهاقنتها لمفهوم (العودة الطوعية)، وهي عودة أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها (مشبوهة)، وغامضة الأهداف، ُتدفع فيها الأموال الطائلة، ويكثر الحديث عن ارتباطها بالفساد والمؤامرات. بينما يعزف عنها الناس، ويتجنبونها متى ما كان ذلك ممكناً، يتوجسون خيفة من ذلك الكرم السلطوي المفاجئ المرتبط برموز الاستبداد، والمتزامن مع حملات الإعادة القسرية التي تستهدف السودانيين في مختلف عواصم اللجوء. وهي عودة مشروطة بالطبع بالتخلي عن الحقوق، والرضا بوضع الأصبع بين أضراس أمراء الحرب المتنافرين، في وطن لا يغري الغائب عنه بالعودة.

يتحدث الناس عن أن الحياة في السودان صارت أقرب إلى أن تكون محاولة شاقة ومُضنية ومستمرة للنجاة، يُكتب للمقيمين فيه في كل يوم عمر جديد. يقول العائدون أن تلك الوجوه القديمة قد عادت للتحكم في رقاب البلاد والعباد ويشتكون من غياب القانون، صار العائد لوطنه مشروع متهم مدان حتى تثبت براءته، وكأن السودان لا ثورة أشعل، ولا طغياناً أزال. قال أحدهم:(يمكنني العودة للبلاد دون خوف من انتهاكات مليشيا المشتركة، لأن منطقتنا خاضعة بالكامل لمليشيا البراء بن مالك)! يستجير ِ مِنَ الرَّمْضَاءِ بالنَّار،ِ ولا يرجو سوى السلامة، في بلاد عز فيها الأمان.

وعن العودة وشجونها كتب شاعر سوداني من بلاد اللجوء:(غيابي اشتهاء/ وعودتي هراء/ كجدتي المكومة/ تلتف بالغطاء/ تمارس السعال والأنين والدعاء/ تنتظر السماء/ تنتظر الفناء/ وحين تذكر مجدها/ تلوذ بالبكاء/ وتنام تحلم بالتجاهل والشقاء/ وتفيق تنظر للبعيد وللخواء/ غيابي ادعاء/ وعودتي كجدتي/ تضيق بالكلام والزحام والهواء).

altaghyeer.info