سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

ذهب السودان.. فجوة بين الإنتاج والصادرات وتهريب يستنزف الاقتصاد

ذهب السودان.. فجوة بين الإنتاج والصادرات وتهريب يستنزف الاقتصاد

كمبالا: 30 يوليو 2026: راديو دبنقا

تقرير: عبد المنعم مادبو

رغم امتلاك السودان واحداً من أكبر قطاعات إنتاج الذهب في المنطقتين الأفريقية والعربية، لا تزال عائدات هذا المعدن النفيس التي تدخل خزينة الدولة أقل بكثير من حجم الإنتاج المعلن. فبينما تشير تقديرات رسمية إلى إنتاج يصل إلى نحو 200 طن سنوياً، لا تتجاوز الإيرادات التي دخلت الخزينة من الذهب خلال عام 2025 نحو مليار و800 مليون دولار فقط.

تقديرات رسمية

تشير التقديرات الرسمية إلى فقدان أكثر من 111 طناً من الذهب سنوياً، بقيمة تتجاوز 18 مليار دولار، وسط تقارير تفيد بأن نحو 90% من الإنتاج يقع خارج القنوات الرسمية بسبب التهريب.

وتطرح هذه الفجوة أسئلة حول مصير مليارات الدولارات من ثروة الذهب، والجهات المستفيدة من خروجها بعيداً عن النظام الرسمي، ومدى تأثير ذلك في الاقتصاد السوداني في ظل الحرب والأزمة المتفاقمة في النقد الأجنبي.

ويقرّ وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، جبريل إبراهيم، بوجود تحديات كبيرة في إحكام الرقابة على إنتاج الذهب وتوجيه عائداته إلى القنوات الرسمية، معتبراً أن معالجة هذا الملف تمثل أحد المفاتيح الأساسية لدعم الاقتصاد السوداني واستقرار سعر صرف العملة الوطنية.

وقال الوزير ــ خلال مخاطبته ملتقى التعدين بالخرطوم الذي نُظّم مطلع الأسبوع الحالي ــ إن الحكومة تمكنت من حصر نحو 199 طناً من الذهب المنتج، لكنها لم تتمكن من ضمان دخوله إلى القنوات الرسمية للتصدير، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من الإنتاج جرى تهريبه، في حين لا تزال هناك كميات أخرى خارج نطاق الحصر.

وأضاف أنّ قيمة الذهب الذي تم حصره تقدر بنحو 26 مليار دولار، وهو ما يعكس، بحسب قوله، حجم الفاقد الذي يحرم الاقتصاد السوداني من موارد كبيرة كان يمكن أن تسهم في مواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة.

وأوضح جبريل أن الحكومة بدأت اتخاذ إجراءات لتحسين الرقابة على إنتاج الذهب وتتبع مساراته؛ بهدف إحكام السيطرة على القطاع وضمان دخول عائداته إلى الاقتصاد الرسمي.

فجوة

من جانبه، يرى رئيس شعبة مصدري الذهب، عبد المنعم الصديق عالم، أنّ الذهب يمثل مورداً رئيسياً للصادرات السودانية، وكان يمكن أن يسهم بصورة أكبر في دعم الاقتصاد وتحسين أوضاع المواطنين.

ويشير عالم، في حديثه لـ “راديو دبنقا”، إلى وجود فجوة كبيرة بين حجم إنتاج الذهب والعائدات التي تدخل البلاد عبر التصدير الرسمي، موضحاً أن تقديرات إنتاج الذهب، وفق تصريحات وزير المالية، تصل إلى نحو 70 طناً بقيمة تقارب سبعة مليارات دولار، في حين لا تتجاوز قيمة الذهب المصدّر، بحسب بيانات بنك السودان المركزي، ملياري دولار.

ويعتبر عالم أن هذه الفجوة تعكس هدراً في إنتاج الذهب وعائداته، مشيراً إلى أن السودان كبلد يتحمل الأعباء البيئية والصحية المرتبطة بعمليات التعدين، بما في ذلك استخدام السيانيد والزئبق وما يترتب عليهما من مخاطر صحية وتلوث بيئي، بينما تذهب فوائد جزء من الإنتاج إلى جهات ودول أخرى خارج القنوات الرسمية.

ويحذر رئيس شعبة مصدري الذهب من أن القرارات الاقتصادية الأخيرة قد تؤدي ــ من وجهة نظره ــ إلى زيادة عمليات التهريب، عبر تضييق القنوات الرسمية ورفع تكلفة مدخلات الإنتاج. وقال إن ارتفاع تكلفة التعدين قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج، وبالتالي انخفاض عائدات الذهب الرسمية.

ودعا عالم وزارتي المالية والمعادن وبنك السودان إلى تبني سياسات اقتصادية كفيلة باستيعاب كامل إنتاج الذهب عبر القنوات الرسمية، بما يضمن استفادة الاقتصاد والمواطن السوداني من عائدات هذه الثروة.

ضبط ذهب مهرب-فبراير 2026

فجوة كبيرة بين الإنتاج والصادرات الرسمية

ويرى الباحث والمحلل الاقتصادي د. أحمد بن عمر أنّ الحديث عن الفجوة بين إنتاج الذهب وعائداته الحكومية يحتاج إلى التمييز بين ثلاثة مؤشرات مختلفة: قيمة الذهب المنتج، وحصيلة صادرات الذهب، وإيرادات الخزانة العامة. وأوضح بن عمر لـ “راديو دبنقا” أن الذهب المنتج داخل السودان لا يتحول بالكامل إلى إيرادات حكومية، باعتبار أن جزءاً كبيراً من الإنتاج يأتي عبر شركات خاصة ومعدنين تقليديين، وتذهب قيمة الذهب أساساً إلى المنتج بعد خصم تكاليف التعدين والرسوم والضرائب ونصيب الحكومة.

وأضاف أن الخزانة العامة تحصل على مواردها من الذهب عبر العوائد والضرائب والرسوم المرتبطة بالإنتاج والتصدير، ونصيب الدولة من اتفاقيات الامتياز، إلى جانب الأرباح الناتجة عن عمليات شراء الذهب عندما يتدخل بنك السودان في السوق.

وذكر أن تسجيل الذهب كصادر رسمي لا يعني بالضرورة دخول كامل قيمته إلى وزارة المالية، إذ يمكن أن تعود حصيلة الصادر إلى شركة التصدير أو المصرف، أو تُستخدم في تمويل واردات أو تُباع داخل الجهاز المصرفي وفق الضوابط المعمول بها.

14.7 طناً مقابل 70.15 طن إنتاجاً معلناً

ويقول الباحث والمحلل الاقتصادي بن عمر إنّ المشكلة تظهر بصورة أكبر عند مقارنة حجم الإنتاج المعلن بالكميات التي تظهر في سجلات الصادرات الرسمية. وأوضح أنه في عام 2025 أعلنت الجهات المختصة إنتاج نحو 70.15 طناً من الذهب، بينما أظهرت بيانات بنك السودان تصدير نحو 14.7 طناً فقط، بعائدات بلغت قرابة 1.536 مليار دولار.

وبحسب تحليله، فإن الصادرات الرسمية غطت نحو 21% فقط من الإنتاج المعلن، لكنه شدد على ضرورة عدم اعتبار الفرق بين الرقمين تهريباً بصورة تلقائية؛ لوجود عوامل أخرى مثل المخزون، والذهب المحتفظ به داخل البلاد، والاستهلاك المحلي، والفارق الزمني بين الإنتاج والتصدير.

ويشير بن عمر إلى أن تقديرات فقدان أكثر من 100 طن من الذهب سنوياً تحتاج إلى قدر كبير من الحذر، ولا يمكن اعتبارها رقماً نهائياً ما لم تُحدد السنة والمنهجية التي بُني عليها التقدير. ويطرح الخبير معادلة للتحقق من حجم الذهب غير الظاهر في البيانات الرسمية، تقوم على مقارنة الإنتاج المقدر مع الصادرات الرسمية والاستهلاك المحلي والتغير في المخزون، ثم تحديد الكميات المتبقية باعتبارها ذهباً مهرباً أو غير مسجل.

ويؤكد أن الوصول إلى تقدير دقيق يتطلب الاستعانة بمصادر متعددة؛ تشمل سجلات المناجم ومصانع المعالجة والأسواق، وكميات الزئبق والسيانيد والوقود المستخدمة في التعدين، وبيانات بنك السودان والجمارك، وبيانات الدول المستوردة، وحركة الذهب عبر المطارات والمنافذ البرية، إلى جانب صور الأقمار الصناعية والمسوح الميدانية.

أين تتركز الفجوة؟

بحسب بن عمر، لا تكمن المشكلة بالضرورة في عدم تسجيل الإنتاج، إذ ترصد الشركة السودانية للموارد المعدنية جانباً كبيراً من الذهب المنتج عبر مكاتبها في مناطق التعدين. لكن الفجوة، في تقديره، تظهر بصورة أكبر في المراحل اللاحقة من سلسلة الذهب، خصوصاً عند الشراء والتجميع والتصدير ودخول حصيلة الصادر إلى الجهاز المصرفي.

وأوضح أن الذهب بعد استخراجه يسلك مسارات متعددة؛ إذ يُشترى جزء منه ويُصدّر عبر القنوات الرسمية، بينما يحتفظ التجار والأفراد بجزء آخر داخل البلاد باعتباره وسيلة لحفظ القيمة، خصوصاً في ظل تراجع قيمة الجنيه وارتفاع حالة عدم اليقين الاقتصادي.

أما الجزء الآخر، وفقاً لبن عمر، فيخرج عبر التهريب ولا يظهر في سجلات الصادرات الرسمية، وبالتالي لا تتحول قيمته إلى حصيلة نقد أجنبي تدخل النظام المصرفي. ويحذر من أن مقارنة إنتاج سنة معينة بصادرات السنة نفسها قد تكون مضللة؛ لأن جزءاً من الذهب المنتج قد يُخزن أو يبقى لدى الشركات والتجار قبل تصديره في وقت لاحق.

الحرب وسّعت اقتصاد الذهب غير الرسمي

ويرى بن عمر أن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 أسهمت في توسيع اقتصاد الذهب غير الرسمي عبر عدة مسارات، أبرزها: انهيار الرقابة الحكومية في مناطق واسعة، وخروج مناجم وأسواق ومنافذ حدودية من السيطرة المركزية. كما أشار إلى حاجة أطراف الحرب إلى مصادر تمويل سريعة لشراء الوقود والسلاح ودفع رواتب المقاتلين، فضلاً عن انتقال التجارة من الطرق والمطارات الرسمية إلى مسارات برية عبر مصر وتشاد وليبيا وجنوب السودان. ويضيف أن تراجع قيمة الجنيه وتعطل الجهاز المصرفي دفعا المواطنين والتجار إلى استخدام الذهب وسيلة لحفظ القيمة.

وبحسب بن عمر، أصبح الذهب خلال الحرب جزءاً من شبكات إقليمية تربط مناطق الإنتاج داخل السودان بأسواق التصفية والتجارة الخارجية، خصوصاً في الإمارات ودول الجوار.

لكنه يشدد على أن الحرب لم تنشئ تهريب الذهب من الصفر، إذ كان النشاط موجوداً قبلها، إلا أنها نقلته من نشاط تجاري غير قانوني إلى أحد مكونات اقتصاد الحرب ومصدر مهم للإيرادات التي يمكن أن تُستخدم في دعم الأولويات العسكرية.

أثر التهريب في الجنيه والنقد الأجنبي

ويحذر بن عمر من أن خسارة الذهب عبر القنوات غير الرسمية لا تعني فقط فقدان الدولة للرسوم والضرائب والعوائد، وإنما تعني أيضاً فقدان الاقتصاد حصائل الصادرات من العملات الأجنبية. وذكر أن تصدير الذهب رسمياً يوفر للجهاز المصرفي موارد من الدولار والعملات الأجنبية يمكن استخدامها في تمويل الواردات، بينما يؤدي تهريب الذهب إلى حصول التجار على العملات الأجنبية خارج النظام المصرفي، لتبقى في الخارج أو تدخل السوق الموازية.

ويؤدي ذلك، وفق تحليله، إلى اتساع الفجوة بين الطلب والعرض من العملات الأجنبية، وارتفاع سعر الدولار وانخفاض قيمة الجنيه.

ويلخص بن عمر العلاقة في حلقة اقتصادية متصلة: ضعف الجنيه يزيد جاذبية الذهب، وارتفاع جاذبية الذهب يشجع على الشراء والتهريب، وانخفاض حصيلة النقد الأجنبي الرسمية يؤدي بدوره إلى مزيد من الضغط على الجنيه.

إصلاح السياسات بدلاً من الاعتماد على الرقابة وحدها

ويرى بن عمر أن مواجهة التهريب لا يمكن أن تعتمد على الإجراءات الأمنية وحدها؛ لأن ما أسماها بالحوافز الاقتصادية هي أحد أهم أسباب توجه المنتجين والتجار إلى السوق غير الرسمية. ويقول إن المنتج يختار القناة التي توفر له سعراً أفضل، ودفعاً أسرع، وإجراءات أبسط، وقدرة أكبر على استخدام حصيلة الذهب. ويقترح لذلك اعتماد سعر شراء تنافسي مرتبط بالسعر العالمي وسعر الصرف السائد، إلى جانب مراجعة الرسوم والجبايات، وتقليل الإجراءات الإدارية، وتوفير سياسات مستقرة بشأن شراء الذهب واستخدام حصائل الصادر.

كما يدعو إلى إنشاء منصة وطنية موحدة لتداول الذهب وربط المناجم والأسواق ومصانع المعالجة والجمارك والمصارف والشركة السودانية للموارد المعدنية في قاعدة بيانات رقمية واحدة.

ويقترح كذلك تطبيق نظام لتتبع السبائك منذ موقع التعدين وحتى التصدير، والاستفادة من تقنيات مثل سلاسل الكتل (Blockchain) ونظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد لمراقبة مواقع التعدين وربط الإنتاج الفعلي بالبيانات الرسمية. ويشدد على أهمية توسيع مراكز شراء الذهب الرسمية بالقرب من مناطق التعدين، وتوفير أسعار تنافسية وخدمات مصرفية للمعدنين، وتعزيز التعاون مع الدول المجاورة والدول المستوردة لتبادل البيانات الجمركية والمعلومات المتعلقة بالذهب العابر للحدود. ويرى أن جهود إنفاذ القانون ينبغي أن تركز بصورة أكبر على الشبكات المنظمة والممولين الكبار وعمليات غسل الأموال، بدلاً من التركيز على صغار المعدنين فقط.

الحل الأكثر استدامة

ويخلص بن عمر إلى أن الحل الأكثر استدامة يتمثل في جعل القنوات الرسمية الخيار الاقتصادي الأفضل أمام المنتجين والتجار، من خلال سعر عادل، وسداد سريع، وإجراءات بسيطة وسياسات مستقرة، بالتزامن مع الرقابة الرقمية والأمنية.

ويقول إن المطلوب في النهاية أن تتمكن الدولة من الإجابة بدقة عن سلسلة الأسئلة الأساسية: أين أُنتج الذهب؟ ومن اشتراه؟ وأين صُفّي؟ وكيف صُدّر؟ وأين دخلت حصيلته؟

وبينما تتباين التقديرات بشأن حجم الذهب الذي يخرج بعيداً عن القنوات الرسمية، تتفق الإفادات على اتساع الفجوة بين الإنتاج والتصدير الرسمي. وفي ظل الحرب وتراجع قيمة الجنيه، لا تبدو معالجة الأزمة مرتبطة بالرقابة وحدها، بل بإصلاح منظومة الذهب كاملة؛ من موقع الإنتاج والشراء وحتى التصدير ودخول الحصائل إلى الجهاز المصرفي، بما يضمن أن تتحول هذه الثروة من مصدر للفقد الاقتصادي إلى مورد حقيقي يدعم استقرار السودان واقتصاده.

dabangasudan.org