سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

سجال الدبيبة وحفتر بشأن دور الجيش الليبي يلقي بظلاله على مبادرة بولس

سجال الدبيبة وحفتر بشأن دور الجيش الليبي يلقي بظلاله على مبادرة بولس

كشف السجال العلني بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» عبد الحميد الدبيبة، والقائد العام للجيش الوطني المشير خليفة حفتر، بشأن حدود دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، جانباً من التباينات المحيطة بالترتيبات المرتقبة للمرحلة الانتقالية في ليبيا.

لكن هذا السجال ألقى بظلال تساؤلات جديدة حول انعكاساته على مبادرة أميركية يقودها كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، تستهدف توحيد السلطة التنفيذية في ليبيا، والدفع نحو الانتخابات.

وكان الاحتفال بالذكرى السادسة والثمانين لتأسيس الجيش الليبي، الأحد، مسرحاً لهذا السجال بين معسكري الانقسام في الشرق والغرب الليبي، بعدما أكد الدبيبة أن توحيد المؤسسة العسكرية «أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل»، لكنه شدد على أن يتم ذلك «دون تدخل العسكريين في السياسة أو صناعة الحكومات»، حفاظاً على إرادة الليبيين.

في المقابل، سارع حفتر إلى تأكيد أن الجيش الوطني «لن يسمح للسياسة بأن تعبث بمصير المواطن»، وأنه «لن يخلي موقعه من الساحة حتى تستقر الأمور»، في رسالة بدت أكثر وضوحاً بشأن الدور الذي يريده الجيش خلال المرحلة القادمة، بل ذهب حفتر إلى الحديث عن التمسك بموقع الجيش في «مركز دائرة صنع القرار»، حفاظاً على «مكتسبات القوات المسلحة».

وعلى وقع هذه التصريحات بدا لمراقبين أن التباين بين الرجلين يتجاوز الخلاف حول وظيفة المؤسسة العسكرية، بل قد يكشف عن منغصات تعترض مسار مبادرة بولس، ضمن صراع أوسع على قواعد تقاسم النفوذ وشكل الدولة المقبلة.

غير أن المحلل السياسي الليبي أيوب الأوجلي يدرج ما حدث بين السلطتين في شرق ليبيا وغربها ضمن «مناوشات تفاوضية لا تعكس الأفعال على الأرض»، متوقعاً أن تتضح ملامحها أكثر مع بدء وضع المبادرة الأميركية موضع التنفيذ.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الدبيبة يسعى من خلال تحركاته إلى «رفع سقف التفاوض والحصول على مميزات أكثر»، خصوصاً أن تفاصيل المبادرة لم تظهر بعد إلى العلن، لافتاً إلى أن رئيس حكومة الوحدة يتجنب الحديث عنها بشكل مباشر.

ويرى الأوجلي أن رسائل حفتر «دائماً ما تحمل مضامين ضمنية للداخل والخارج»، مفادها أن «الجيش الوطني» لن يقف مكتوف الأيدي أمام تصريحات الدبيبة وتحركاته، لكنه مستعد للحوار مع الأطراف التي ترى أن التوافق مصلحة وطنية.

وتستهدف مبادرة بولس، وفق ما يتداول في أوساط سياسية ليبية، توحيد السلطة التنفيذية تمهيداً لإجراء الانتخابات، بينما تشير التسريبات إلى مقترح يقضي بوجود الدبيبة على رأس حكومة موحدة، مقابل تولي صدام حفتر، نائب القائد العام للجيش الوطني، رئاسة المجلس الرئاسي.

ويكتسب الحديث عن موقع الجيش في هذه المبادرة أهمية إضافية في ضوء تصريحات بولس نهاية الشهر الماضي، عندما تحدث عن «مؤشرات مهمة» على طريق توحيد المؤسسة العسكرية، بعد زيارة وفد من الكونغرس إلى ليبيا، وما واكبها من إعلان ليبي عن إنشاء غرفة عمليات مشتركة في سرت، ومركز تدريب موحد للقوات الجوية في مصراتة.

كما سبق وتحدث بولس عن قيادة جوية مندمجة، وأشاد بالتعاون العسكري بين الشرق والغرب، معيداً التذكير بنجاح ليبيا في أبريل (نيسان) الماضي في استضافة أحد محاور تدريب «فلينتلوك 2026» الذي ضم قوات من شرق البلاد وغربها.

خليفة حفتر في احتفالية الذكرى السادسة والثمانين لتأسيس الجيش الليبي يوم الأحد (الجيش الوطني الليبي)

ومن المنظور العسكري، لم يستبعد مدير «المركز الليبي للدراسات العسكرية والأمنية» أشرف بوفرده أن يكون هذا التصعيد الكلامي في سياق «التسريبات المتداولة بشأن مبادرة بولس التي تتضمن مقترحاً لإعادة هيكلة القيادة العامة للجيش الوطني، وصولاً إلى حلها ضمن صيغة تقود إلى تشكيل مؤسسة عسكرية ليبية موحدة».

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الطرح يواجه، بحسب المتداول، رفضاً من خليفة حفتر، الذي يدعو العسكريين في المنطقة الغربية إلى الالتحاق بقواته، إلا أن بوفرده يعتقد أن هذا الموقف لن يؤثر في مسار المبادرة أو فرص استمرارها.

ومع هذا السجال بين معسكري الانقسام في ليبيا، فإن مبادرة بولس لا تزال مرشحة للتبلور خلال الأسابيع القليلة المقبلة، وفق تقديرات الباحث في الشؤون الليبية جلال حرشاوي، الذي أشار إلى «ضرورة عدم أخذ تصريحات الدبيبة وحفتر على ظاهرها، وربطها فقط بالمواقف المعلنة أمام الليبيين».

ويذكّر حرشاوي بأن حفتر سبق أن قال خلال استقباله مشايخ وأعيان مدينة ترهونة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي إن «القيادة العامة للجيش ليست هي من يتخذ القرار الحاسم بشأن الأزمة السياسية، بل الشعب»، وهي لغة تكررت منذ عام 2014 وما قبله.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الدبيبة ينتهج بدوره السلوك نفسه، عبر الإعلان عن رفض الحكم العسكري والتشديد على أولوية السلطة المدنية، معتبراً أن الخطاب المعلن قد لا يعكس بالضرورة كامل ما يدور في الكواليس، أو طبيعة التفاوض الجاري بين الأطراف.

وفي هذا السياق، تبدو تصريحات الرجلين، من منظور مراقبين، أقرب إلى تثبيت مواقع تفاوضية منها إلى إعلان مواقف نهائية، خصوصاً أن شكل التسوية المرتقبة لم يحسم بعد، وأن تفاصيل المبادرة الأميركية لا تزال غير معلنة بصورة رسمية، فيما تستمر الاتصالات بشأنها بعيداً عن الأضواء.

aawsat.com