«ترند» شيخ الزين.. من يحاكم من؟
أحمد عثمان جبريل
❝حين تتقدم الحكاية على الحقيقة، يصبح السؤال الصحفي أشد إيلاماً من الإجابة.. لأن السؤال لا يبرئ أحداً ولا يدين أحداً، وإنما يفتح الأبواب التي أُغلقت طويلاً.❞
تقول الحكاية التي روتها كتب التاريخ الإسلامي. أن سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجه وارضاه، وجد درعه عند رجل يهودي، فاحتكم معه إلى القاضي شريح.. فجلس أمير المؤمنين والخصم أمام القاضي سواء.
لم تقل مكانة علي: صدقوه.. ولم تقل دعوى خصمه: كذبوه.
بقيت القضية بين رجلين، وبينهما قاض لا يملك إلا ما بين يديه من حجة.
هذه الرواية التي جاءت تفاصيلها على لسان أهل العلم، بقي معناها حاضراً ليقول: حين يدخل الناس باب العدالة، لا ينبغي أن تدخل معهم الألقاب، أمير المؤمنين، أو صحابي، أو شريف، أو والياً، أو قائدا للجيش، حامل قرأن.
ومن هنا نبدأ..
(1)
لم نكن نريد أن نكتب عن قضية شيخ الزين..
ليس خوفاً من السؤال، ولا رغبة في الصمت، وإنما لأن «أفق الحرف» لا يجعل من حياة الناس فرجة، ولا من التسجيلات المتداولة أحكاماً جاهزة.
لكن مناشدات كثيرة وصلت إلينا: لماذا صمت «أفق الحرف»؟ لماذا لا يكتب؟ لماذا غابت كلمتنا؟ لماذا ولماذا؟.
فاستجبنا.. لا لنقول قولاً عابراً نتهم به أحداً أو نبرئه ثم نمضي، وإنما لنمارس الصحافة كما ينبغي أن تكون: أن نسأل حين يعجز الضجيج عن الإجابة.
(2)
التسجيلات المنسوبة إلى الشيخ الزين انتشرت بسرعة هائلة، وانقسم الناس قبل أن يبدأ التحقيق..
منهم من أدانه لأنه سمع..
ومنهم من برأه لأنه يحب..
وبين الاثنين ضاعت المسافة التي تحتاجها الحقيقة.
فالشيخ لا تدينه التسجيلات بمجرد تداولها، ولا تبرئه مكانته الدينية كونه حاملا للقرآن الكريم.
لكن السؤال أيضاً: إذا كانت التسجيلات مفبركة كما نُقل عنه عبر الصحفي والمصور ياسين عمر، فلماذا لا تظهر الحقيقة في مواجهة مباشرة أمام الإعلام والجهات العدلية؟ وإذا كان ثمة اتهام حقيقي، فلماذا لا تخرج صاحبته من فضاء التسجيلات إلى فضاء القانون؟.
(3)
وهنا السؤال الذي لا ينبغي أن يهرب منه المقال: أين الفتاة؟
تسع سنوات مرت، بحسب الرواية المنقولة عن الشيخ، منذ 2017..
فماذا جرى لها خلال هذه السنوات؟
من أسكتها إن كانت قد حاولت الكلام؟
هل ظلت تحمل رواية لم تجد طريقها إلى العدالة؟
هل كانت هناك واقعة حمل أصلاً؟
وإن كان قد وُلد طفل، فأين أصبح بعد تسع سنوات؟
وإن لم يولد، فماذا حدث؟
نحن لا نملك إجابة عن أي سؤال من هذه الأسئلة.. ولذلك لا نحولها إلى اتهامات.
لكن الصحافة التي لا تسألها لا تستطيع أن تدعي أنها بحثت عن الحقيقة.
(4)
وفي الجهة الأخرى، هناك أسئلة لا تقل قسوة:
لماذا شيخ الزين تحديداً؟
لماذا خرجت هذه المواد الآن؟
من أخرجها من الظل بعد تسع سنوات؟
هل هي واقعة قديمة تبحث صاحبتها عن حق؟
أم حملة استهداف وراءها جهة ما؟
أم تصفية حسابات؟ عنوانها :«فخار يكسر بعضه البعض» ..
أم مواد جرى إخراجها في توقيت يخدم غرضاً لا نعرفه؟
كل الاحتمالات مفتوحة..
ولا يجوز للصحفي أن يحول احتمالاً إلى حقيقة، كما لا يجوز له أن يخاف من طرحه.
(5)
ثم نصل إلى السؤال الأوسع:
هل يمكن أن تكون هذه الضجة قد جاءت في لحظة يستفيد فيها أحد من انشغال الناس بها؟
السوداني الذي يراقب انهيار عملته الورقية، ويبحث عن كهرباء غائبة، ويمضي ساعات بحثاً عن ماء نظيف يشربه، ويطارد لقمة يومه وسط حرب ونزوح بين المدن والعواصم، وانهيار متواصل في كل شيء.. وجد نفسه فجأة أمام قضية شخصية تستولي على الهاتف والمجلس والحديث.
هل القضية تستحق الحقيقة؟ نعم.
لكن هل تستحق أن تسرق من الناس واقعهم؟..
هنا يجب أن نسأل: من المستفيد من الضجيج؟
ولا يعني السؤال أن هناك جهة وراءه.. وإنما يعني أن الصحافة لا تكتفي بملاحقة الحدث، بل تسأل عما يفعله الحدث بالناس.
(6)
قد تكون التسجيلات صحيحة..
وقد تكون مفبركة..
وقد تكون الفتاة صاحبة حق..
وقد تكون ضحية رواية غير صحيحة..
وقد يكون الشيخ مستهدفاً..
وقد يكون مطالباً بالإجابة..
وقد تكون القضية كلها مجرد مادة قديمة عادت إلى التداول في توقيت عشوائي.
كل ذلك ممكن..
والمستحيل الوحيد أن نعرف الحقيقة من عدد المشاهدات.
لذلك لا نطلب من الجمهور أن يبرئ، ولا أن يدين..
نطلب منه أن يتوقف عن لعب دور المحكمة.
(7)
أما نحن، فقد كتبنا لأن الناس طلبوا منا الكتابة..
لا لنكون محامي الشيخ، ولا محامي الفتاة، ولا وكلاء جهة مجهولة.
كتبنا لنقول إن الصحافة حين تسأل، فإنها لا تخون أحداً..
تسأل الشيخ: لماذا لم تضع القضية أمام العدالة؟
وتسأل الفتاة: أين روايتك وأين بينتك؟
وتسأل من نشر التسجيلات: لماذا الآن؟
وتسأل المجتمع: لماذا اندفعنا إلى الإدانة قبل التحقيق؟
وتسأل الجهات المختصة: لماذا بقيت القضية في الهواتف إن كانت تستحق القضاء؟
ثم تسأل السؤال الذي يعلو فوق الجميع:
«ترند» شيخ الزين متى يصبح ملفاً في محكمة؟.. ومن يحاكم من؟
ما نود قوله هنا، أن حكاية الدرع لا تعلمنا أن سيدنا علياً كان بريئاً أو خصمه مذنباً.. وإنما تعلمنا أن المكانة لا تكفي، وأن الدعوى لا تكفي، وأن الحقيقة تحتاج إلى طريق.
ولذلك لن نقول إن شيخ الزين مذنب.. ولن نقول إنه بريء.
ولن نقول إن الفتاة صادقة.. ولن نقول إنها كاذبة.
سنترك لكل طرف حقه في أن يجيب، وللقانون حقه في أن يفحص، وللصحافة حقها في أن تسأل.
لكننا لن ننسى الفتاة..
ولن ننسى السنوات التسع..
ولن ننسى الطفل إن كان قد جاء إلى الدنيا، ولا الروح إن كانت قد تخلقت ثم انتهت قصتها قبل أن تبدأ.. فهذه ليست تفاصيل هامشية، وإنما أسئلة حياة.
ولن ننسى أيضاً شعباً يطارد خبزه وماءه وكهرباءه وعملته المنهارة، بينما تسرقه المنصات من يومه إلى معركة جديدة.
ومضة:
❝ليست مهمة الصحافة أن تقول للناس: صدقوا هذا أو كذبوا ذاك.. مهمتها أن تجعل السؤال مستحيلاً على الهروب، حتى تقف الحقيقة وحدها حين يسقط عنها كل صخب.❞
توقيع أفق الحرف:
أفقٌ يترفق باتساعه.. لا يقف مع متهم ولا ضد مدّعٍ.. لا يرفع سيفاً ولا يصنع هالة.. يسأل حتى يسمع الجميع، ثم ينسحب خطوةً إلى الوراء.. ليترك للحقيقة أن تتقدم.
إنا لله ياخ.. الله غالب.
altaghyeer.info