روسيا تنزف اليوم والناتو يخشاها غدا.. ماذا يحدث إذا توقفت حرب أوكرانيا

تكشف ثلاثة تقارير نشرتها غارديان البريطانية ونيويورك تايمز ونيوزويك الأمريكيتان صورة متناقضة لروسيا في السنة الخامسة من حرب أوكرانيا: جيش يتكبد خسائر بشرية متزايدة، واقتصاد يتحمل أعباء حرب طويلة، ومجتمع بدأ يشعر بوطأة الصراع، لكن في المقابل قوة عسكرية لا تزال قادرة على إنتاج الصواريخ وتهديد خصومها، وقيادة لا تبدو مستعدة للتراجع عن أهدافها.
وبحسب غارديان، نقل الكاتب بيتر ووكر عن مسؤولين غربيين أن فجوة الخسائر البشرية الروسية تبلغ حاليا نحو 6 آلاف جندي، أي أن روسيا لا تستطيع تعويض 6 آلاف جندي تفقدهم كل شهر (قتلى وجرحى) مقارنة بعدد الأشخاص الذين تستطيع تجنيدهم، مع أن موسكو تستقطب نحو ألف مجند يوميا.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsويشير ذلك إلى مشكلة إستراتيجية متنامية أمام الكرملين، لأن استمرار الحرب بالمعدل الحالي يتطلب موارد بشرية يصعب توفيرها من دون إجراءات أكثر تكلفة سياسيا واقتصاديا.
محدودية الخيارات الروسية
وترى غارديان أن بوتين يواجه خيارات محدودة لتعويض هذه الخسائر. فالتعبئة العسكرية الجديدة قد تكون محفوفة بالمخاطر، بعدما أدت التعبئة السابقة في خريف 2022 إلى هجرة نحو مليون روسي، كثير منهم من أصحاب المهارات، ولم يعد أكثر من نصفهم. كما أن الجيش الروسي قد لا يمتلك المعدات والضباط اللازمين لاستيعاب مئات الآلاف من المجندين الجدد.
لكن نيويورك تايمز -في تحليل بول سون- تشير إلى أن هذه الضغوط لم تقنع بوتين بأن الوقت حان لإنهاء الحرب. فالرئيس الروسي يبدو مقتنعا بأن وضع أوكرانيا أسوأ من وضع روسيا، وأن استمرار القتال سيؤدي في النهاية إلى إنهاك كييف وإجبارها على تقديم تنازلات.
وينقل تحليل بول سون عن مدير "مركز كارنيغي روسيا وأوراسيا" ألكسندر غابويف أن بوتين يعتقد أن المطلوب هو أن تكون روسيا أفضل من أوكرانيا، لا أن تحقق نصرا عسكريا ساحقا.
إعلانوتضيف نيويورك تايمز أن لدى موسكو بالفعل بعض الأوراق التي تعزز هذا الاعتقاد. فروسيا تنتج عشرات الصواريخ الباليستية شهريا، بينما تعاني أوكرانيا نقصا في وسائل الدفاع الجوي. كما أدى استنزاف المخزونات الغربية من الصواريخ الاعتراضية بسبب حرب إيران إلى تضييق قدرة الحلفاء على تقديم دعم إضافي لكييف. ومن هنا قد يرى بوتين فرصة لمحاولة إضعاف أوكرانيا خلال الشتاء عبر ضرب بنيتها التحتية المدنية ومنشآت الطاقة والإنتاج العسكري.
ضغوط عسكرية واقتصادية على موسكو
لكن المشكلة لا تقتصر على الجبهة الأوكرانية. فوفقا لنيويورك تايمز، تغيرت الأوضاع داخل روسيا نفسها بصورة ملحوظة مقارنة بالعام الماضي. فقد تباطأت المكاسب الإقليمية الروسية، وازدادت الضربات الأوكرانية داخل الأراضي الروسية، وظهرت مشكلات في إمدادات الوقود، في حين تعرضت مستودعات كبرى للتجارة الإلكترونية لهجمات متكررة. كما أدى ارتفاع الضرائب وتمدد الإنفاق العسكري إلى زيادة القلق بشأن المستقبل الاقتصادي.
وتشير الصحيفة إلى أن نسبة الروس الذين يعبّرون عن تأييدهم للعملية العسكرية تراجعت إلى أدنى مستوى منذ بدء الغزو، وفقا لاستطلاع مركز ليفادا.
تململ وسط النخبة الروسية
كما بدأت تظهر إشارات محدودة إلى التململ داخل النخبة الاقتصادية، إذ دعا رئيس "سبيربنك" هيرمان غريف إلى إنهاء الحرب سريعا، وحذر عمدة موسكو سيرغي سوبيانين من أن تحويل الاقتصاد الروسي بالكامل إلى اقتصاد حرب قد يؤدي إلى تدمير البلاد.
ومع ذلك، فإن السؤال الأخطر قد لا يكون فقط: هل تستطيع روسيا مواصلة الحرب؟ بل: ماذا ستفعل روسيا إذا توقفت الحرب؟
هنا تركز نيوزويك -في تحليل ديفيد أفير- على مفارقة أساسية. فالحرب أضعفت روسيا واستنزفتها، لكنها في الوقت نفسه دفعت موسكو إلى إعادة بناء قواتها وتغيير العقيدة العسكرية الأوروبية وتسريع إعادة تشكيل التحالفات.
والأهم أن جوهر الخلاف بين روسيا والناتو لم يتغير. فالغرب يؤكد حق الدول الأوروبية بما فيها أوكرانيا في اختيار ترتيباتها الأمنية، بينما تعد موسكو توسع الناتو شرقا تهديدا لأمنها القومي.
هواجس روسية من الناتو
ولهذا السبب لا ترى نيوزويك أن وقف الحرب سيؤدي تلقائيا إلى انتهاء المواجهة بين موسكو والغرب. فقد أعلن رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام خلال زيارته كييف أن بريطانيا ستساعد أوكرانيا في إنتاج صواريخ ستورم شادو/سكالب بعيدة المدى، في حين تستعد دول أوروبية لنشر قوة متعددة الجنسيات داخل أوكرانيا بعد وقف إطلاق النار. ومن منظور موسكو، لا يمثل ذلك نهاية الحرب، بل استمرار الضغط العسكري الغربي على روسيا بصيغة جديدة.
ويحذر أفير من أن اهتمام موسكو قد ينتقل بعد توقف القتال إلى اختبار تماسك الناتو نفسه، خصوصا في منطقة البلطيق. وتشمل المخاوف هجمات سيبرانية وعمليات حرب هجينة أو حتى توغلا عسكريا محدودا في أراضي دولة عضو في الحلف.
وتقول إستونيا -وفقا لنيوزويك- إن تقييمها للتهديد الروسي لم يتغير، لكنها رفعت إنفاقها الدفاعي إلى مستويات كبيرة، وتبني خطا دفاعيا يضم مئات المخابئ، بينما تستضيف قوات للناتو بقيادة بريطانيا.
نيوزويك:
كيف يمكن إقناع بوتين بأن أي محاولة لاختبار تماسك الناتو، حتى لو كانت محدودة، ستفرض على روسيا ثمنا لا تستطيع تحمله؟ هذا هو الاختبار الحقيقي الذي قد يواجه أوروبا بعد انتهاء الحرب
هل يخاطر الناتو؟
وتكمن الخطورة -بحسب أفير- في أن بوتين قد لا يحتاج إلى مواجهة عسكرية واسعة مع الناتو لإضعافه. وينقل الكاتب عن إد أرنولد من المعهد الملكي للخدمات المتحدة أن بوتين يدرك أنه لا يستطيع مواجهة الناتو عسكريا، لكنه يستطيع محاولة إضعافه سياسيا. وقد يكون اختبار صغير ومدروس في منطقة حساسة كافيا لطرح السؤال الأصعب: هل سيخاطر الحلف بحرب شاملة لتطبيق مبدأ الدفاع الجماعي؟
إعلانومن هنا تبدو مفارقة المرحلة المقبلة. فروسيا تنزف بشريا واقتصاديا داخل أوكرانيا، لكنها لا تزال تمتلك قدرات صاروخية وعسكرية ونووية، وتستطيع استخدام الهجمات السيبرانية والحرب الهجينة والضغط السياسي لتهديد أوروبا.
وفي المقابل، يخرج الناتو من الحرب أكثر تسلحا وأكثر وعيا بالخطر الروسي، لكنه يواجه أيضا اختبارا سياسيا يتمثل في الحفاظ على وحدته ومنع موسكو من استغلال الانقسامات بين أعضائه.
الاختبار الحقيقي للناتو
لذلك فإن توقف الحرب قد لا يكون خاتمة الصراع، بل بداية فصل جديد منه. فإذا نجحت تسوية ما في أوكرانيا، فسيكون التحدي أمام الغرب هو منع فترة الهدوء من التحول إلى فرصة لروسيا لإعادة بناء قواتها واختبار حدود النفوذ الغربي. أما إذا استمرت الحرب، فإن استنزاف روسيا وأوكرانيا معا سيزيد المخاطر الاقتصادية والعسكرية والسياسية على أوروبا.
وفي الحالتين، يبقى السؤال الذي تطرحه نيوزويك الأكثر إلحاحا: كيف يمكن إقناع بوتين بأن أي محاولة لاختبار تماسك الناتو، حتى لو كانت محدودة، ستفرض على روسيا ثمنا لا تستطيع تحمله؟ هذا هو الاختبار الحقيقي الذي قد يواجه أوروبا بعد انتهاء الحرب، وليس مجرد السؤال عن شكل السلام الذي سينهي القتال.
aljazeera.net