خبر ⁄سياسي

شرق السودان: فوضى السلاح والعسكرة أم حلم ببناء الدولة ٣ ٤

 

شرق السودان: فوضى السلاح والعسكرة أم حلمٌ ببناء الدولة؟ 

(٣ – ٤)

صالح عمار

تُمثّل قضية صعود المليشيات وانتشار السلاح تحدياً متصاعداً اليوم، ليس في السودان وحده، بل في عدد من بلدان الشرق الأوسط وإفريقيا نتيجة لانهيار مؤسسات الدولة أو عجزها. وتُحيل دراسة أكاديمية هذا التنامي في قوة الميليشيات إلى عدة عوامل، من أهمها “ضعف الدولة الوطنية وريثة الاستقلال، ذات البنية العسكرتارية الهشة، وما أحدثته الثورات الاجتماعية، والحروب الأهلية، إلى خلق فراغ في السلطة استغلّته الميليشيات المسلحة للسيطرة على الأراضي والسكان، كما في العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003، وسوريا واليمن وليبيا بعد ثورات الربيع العربي وحالياً في جزء كبير من السودان”[1].

وتشير دراسة أخرى تناولت عدداً واسعاً من البلدان التي تنشط فيها المليشيات – بما فيها السودان – إلى أن نشوء المليشيات يرتبط بمخاطر عالية تشمل “استنزاف موارد الدولة وإقامة كيانات إقتصادية موازية واحتكار ثروات البلاد لمصلحتها الخاصة”. وان “المليشيات ممكن أن تكون واحدة من “الأذرع” التي تقاتل بالنيابة لصالح أطراف اقليمية ودولية في النزاعات والحروب. ويمكن ان تقاتل هذه المليشيات ضد بعضها البعض أو لفرض السيطرة على الدولة وبالتالي تعزيز النفوذ الإقليمي من خلال نهج غير مباشر وأقل تكلفة للقوى الخارجية”[2].

ولا تختلف مخاطر المليشيات والتسليح في شرق السودان عن غيرها في بقية أنحاء البلاد أو الدول الأخرى في المنطقة، حتى وإن تفاوتت الدرجات. فجميعها، في نهاية المطاف، تسعى إلى إنشاء دولة خاصة بها لا تخضع للمعايير التي تتوافق عليها المجتمعات، وهي صاحبة الحق الأول والأخير في وضع القوانين والضوابط.

كنا قد قسّمنا المليشيات في الشرق إلى ثلاثة أنواع: المليشيات التابعة للحركة الإسلامية، والحركات المندرجة تحت مسمى “القوات المشتركة”، والحركات التي تتركز في الشرق. وقد أوضحنا مسبقاً المخاطر الكبيرة لمليشيات الحركة الإسلامية وحركات “القوات المشتركة”، وسنركز هنا على حركات الشرق، التي أشرنا إلى أن عددها يتجاوز العشرة اليوم، وأنها مرشحة للزيادة بلا شك إذا استمر الوضع الحالي.

واحدة من أبرز مخاطر هذه الحركات أنها تُثير الخوف داخل مجتمعات الإقليم، وهو ما يُفضي بدوره إلى المنافسة في إنشاء حركات مسلحة جديدة. يشبه ذلك في العلاقات الدولية مفهوم “معضلة الأمن”، حيث تتخذ دولة ما إجراءات لتعزيز أمنها في منطقة معينة، لكن الدول الأخرى لا تعلم إن كانت هذه الإجراءات دفاعية أم هجومية، فتضطر لاتخاذ تدابير احترازية تُفاقم بدورها انعدام الأمن للجميع. بمعنى أن معظم هذه الحركات قد تكون نشأت في سياقات الدفاع عن النفس أو لغرض بسيط ضمن إطار الصراع السياسي المحلي، لكن مشاهد الاستعراضات العسكرية قد تُفهم لدى أطراف اجتماعية أخرى على أنها تشكيلات هجومية، ما يدفعها للإسراع إلى التسليح والتجنيد.

وإذا كانت حركات الشرق بعيدة حتى الآن عن المشاركة في القتال بفعالية، وسلاحها تحت السيطرة، وانخراطها في الانتهاكات محدوداً، وأنشطتها الاقتصادية لا تزال ضيقة، فإنها بلا شك ستواجه الأسئلة والتحديات نفسها التي تواجه نظيراتها في السودان ودول المنطقة، مثل:

هل تمتلك هذه الحركات مشروعاً وطنياً يعبر عن إنسان الشرق، أم ستكون مدخلاً لتمرير أجندات ضارة أخرى؟ هل ستوجّه سلاحها نحو أبناء الإقليم أو ضد بعضها البعض أم ستلتزم الحكمة؟

من أين ستموّل نفسها؟ وهل ستنخرط في نهب موارد المجتمع وأنشطة مثل الاتجار بالسلاح وتهريب البشر والمخدرات وأنواع الجريمة المنظمة الأخرى؟

إن قدرة هذه الحركات على النجاة من هذه الأفخاخ محدودة، شأنها شأن غيرها من المجموعات المسلحة التي لم تنشأ نتيجة مشروع سياسي حقيقي، بل كانت في أغلب الأحيان نتاج خطاب سياسي عاطفي بسيط يستند إلى القبيلة أو إلى مظالم حقيقية لم تُترجم إلى حراك جماهيري راسخ. وهو ما سيفتح الباب أمام تناسل حركات قبلية جديدة كل يوم، يستخدمها العقل المركزي الحاكم لتقاتل بعضها بعضًا. والتاريخ، هنا، يكرر نفسه في أقاليم الهوامش الأخرى التي فقدت الملايين في الصراعات الاهلية بينما كان جنرالات الاستخبارات يبتسمون حينا علنا وتصل بهم الوقاحة في احيان اخرى الى تقمص دور الوسيط.

وكما أنّ حركات الشرق لن تكون، في نهاية المطاف، استثناءً عن المسار التاريخي لتطوّر الحركات المسلحة في السودان منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي وحتى اليوم؛ إذ تتجه هذه الحركات، عاجلًا أو آجلًا، نحو تحويل أهدافها إلى المشاركة في السلطة والثروة. فالتاريخ يُظهر أنّ التمرد والحركات المسلحة يبدأ غالبًا بقضايا مطلبية أو سياسية مشروعة او مفتعلة، ثم ينتهي بتوقيع اتفاقيات تقاسم للسلطة تصبح بمثابة سدرة المنتهى لمشروعها.

وليس مبدأ المشاركة في السلطة والثروة محرّمًا على أحد، لكنّ الإشكال يكمن في المحاصصة، وفي إدخال السلاح كوسيلة للوصول إلى السلطة بدل الركون إلى معادلتها المتعارف عليها عالميًا: الانتخابات ضمن نظام ديمقراطي حر والتوافق. وشبهة السعي إلى السلطة عبر حمل السلاح ليست بعيدة عن حركات الشرق؛ فمن بين قيادات هذه الحركات شخصيات مخضرمة جرّبت هذا الطريق سابقًا، ويبدو أنها تعيد إنتاج نفسها بالطريقة ذاتها، اي الوصول الى السلطة في هامشها بدل المراهنة على السياسة والجماهير وبناء الدولة على اسس جديدة تتغير فيها جذريا المعادلات الجائرة السائدة حاليا.

 

‐————————————-

 

[١] – ورقة بعنوان “عصر الميليشيات وانصهار الدولة الوطنية”، أغسطس 25, 2023 مركز كاندل candlegrup.com [٢] – ورقة بعنوان “الميليشيات ـ اقتصاديات موازية للدولة وتهديد للأمن القومي”، سبتمبر 23, 2022 المركز الاوروبي لدراسة مكافحة الإرهاب والاستخبارات

altaghyeer.info