خبر ⁄سياسي

12 عاما من الحرب.. . كيف تنتقل هشاشة اليمن من جيل إلى آخر

12 عاما من الحرب.. . كيف تنتقل هشاشة اليمن من جيل إلى آخر

بعد قرابة اثني عشر عامًا من الحرب، لم تعد الأزمة اليمنية، وفق ورقة بحثية لمركز المخا للدراسات الإستراتيجية بعنوان "إعادة إنتاج الهشاشة في اليمن خلال حرب ممتدة (2014-2026): النساء والأطفال نموذجًا"، أعدها الدكتور إسماعيل السهيلي مجرد حصيلة للخسائر البشرية والمادية التي خلفها الصراع، وإنما تحولت إلى عملية متواصلة تعيد إنتاج الفقر والجوع والنزوح والعنف والاضطرابات النفسية، وتنقل آثارها من الحاضر إلى المستقبل، ومن جيل إلى آخر. وتنطلق الورقة من أن النساء والأطفال لا يمثلون فقط الفئتين الأكثر تضررًا من الحرب، بل إن ما يتعرضون له اليوم يهدد بتكوين هشاشة طويلة الأمد تمس قدرة المجتمع اليمني نفسه على التعافي مستقبلًا.

وتضع الورقة هذا المسار في سياق حرب بدأت، بحسب توصيفها، بانقلاب جماعة الحوثي في سبتمبر/أيلول 2014، وأدت إلى واحدة من أشد الأزمات الإنسانية عالميًا. ولم يقتصر أثرها على تراجع مستويات المعيشة، وإنما امتد إلى الطرق والجسور ومحطات الطاقة والمستشفيات والمدارس والجامعات والمصانع، فيما يقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن الحرب أعادت التنمية البشرية في اليمن إلى الوراء بنحو 21 عامًا. كما جاء اليمن، وفق مؤشر السلام العالمي لعام 2025، البلد الأقل أمنًا والأكثر خطورة في آسيا.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

لكن السؤال الذي تحاول الورقة الإجابة عنه يتجاوز قياس حجم الدمار: كيف تحولت الحرب إلى آلية تعيد إنتاج الهشاشة نفسها؟ وكيف تفاعلت آثارها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والنفسية بحيث أصبح النساء والأطفال أقل قدرة على مقاومة الصدمات الجديدة والتعافي من القديمة؟

ولهذا تستخدم الورقة مفهومين متكاملين هما الهشاشة والأمن الإنساني. فالهشاشة لا تعني مجرد الفقر أو التعرض للخطر، وإنما الحالة التي يلتقي فيها ارتفاع التعرض للمخاطر مع ضعف القدرة على مواجهتها. وفي الحروب الممتدة تصبح عملية ديناميكية تتراكم عبر الزمن؛ إذ تؤدي الصدمات المتلاحقة وتراجع التنمية وتآكل الموارد ومنظومات الحماية إلى دوائر من الحرمان تعيد إنتاج نفسها. أما الأمن الإنساني فينقل مركز الاهتمام من أمن الدولة والإقليم إلى أمن الإنسان وحياته وكرامته وقدرته على الوصول إلى الغذاء والصحة والتعليم والدخل والحماية والأمان الشخصي.

إعلان

وفي الحالة اليمنية، تتفاعل هذه العناصر كلها: تدمير الموارد والبنية التحتية، وإضعاف المؤسسات والخدمات، وتقييد سبل العيش، والنزوح، وانعدام الأمن الغذائي، والعنف والاستغلال، وتآكل منظومات الحماية. غير أن الأثر لا يتوزع بالتساوي؛ فالنساء يتحملن أعباء إضافية مع فقدان مصادر الدخل أو المعيل ويتعرضن للعنف والنزوح والاستغلال والابتزاز، بينما يواجه الأطفال الانقطاع عن التعليم وسوء التغذية والتجنيد والعمل والتسول. وهنا تكمن الفكرة المركزية للورقة: بعض نتائج الحرب لا تنتهي بزوال سببها المباشر، وإنما تتحول هي نفسها إلى أسباب لهشاشة جديدة تمتد عبر الأجيال.

قوة أمنية صغيرة تابعة للحكومة اليمنية (الفرنسية)

من الجوع إلى التسول

تضع الورقة انعدام الأمن الغذائي في مقدمة دوائر إعادة إنتاج الهشاشة. فالحرب أضعفت مصادر الدخل وسبل العيش، واضطرت الأسر إلى تقليل كمية الطعام ونوعيته، وصولًا إلى الاكتفاء بوجبتين أو وجبة واحدة يوميًا. وتشير تقديرات البنك الدولي التي تستند إليها إلى أن أكثر من 60% من الأسر تعاني عدم كفاية استهلاك الغذاء، فيما توقعت الأمم المتحدة احتياج أكثر من 22 مليون يمني إلى المساعدات خلال 2026.

وتكشف إحاطة أممية أمام مجلس الأمن في 16 يونيو/حزيران 2026، استندت إليها الورقة، أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون بالفعل من الجوع الحاد، وأن نسبة العاجزين عن توفير الغذاء ارتفعت من 50% إلى نحو 60% خلال شهر واحد، فيما يعاني نحو خمسة ملايين شخص من الجوع الشديد، ويعيش ربع هؤلاء في ظروف طوارئ حرجة. كما يعاني أكثر من 2.2 مليون طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد.

ويضاف إلى ذلك اتساع الفقر متعدد الأبعاد؛ إذ بلغت، وفق البيانات التي تعرضها الورقة، نسبة اليمنيين الذين يعانون منه 82.7%، بينما بلغت شدته 46.7%. ولا تقرأ الورقة هذه الأرقام باعتبارها مجرد مؤشرات اقتصادية، وإنما باعتبارها بداية لسلسلة مترابطة من النتائج: نقص الطعام يرفع سوء التغذية، وسوء التغذية يضر بالنمو الجسدي والمعرفي للطفل، ويؤثر في تحصيله وفرصه المستقبلية، بينما يزيد سوء تغذية النساء، خصوصًا الحوامل والمرضعات، المخاطر الصحية داخل الأسرة. وهكذا ينتقل أثر الجوع من اللحظة الراهنة إلى رأس المال البشري للأجيال المقبلة.

وتتضاعف المشكلة مع تراجع المساعدات الدولية التي أصبحت، بعد سنوات الحرب الطويلة، إحدى أهم آليات تخفيف الضغط عن الأسر. ففي سبتمبر/أيلول 2025 لم يكن قد مول سوى 19% من خطة الاستجابة الإنسانية البالغة 2.5 مليار دولار، بينما لم تحصل خطة 2026، حتى منتصف يونيو/حزيران، إلا على أقل من 15% من التمويل المطلوب، ما اضطر الوكالات الدولية إلى تقليص أو تعليق برامج غذائية وصحية منقذة للحياة.

وهنا ترصد الورقة واحدة من أقسى حلقات إعادة إنتاج الهشاشة: التسول باعتباره تكيفًا قسريًا من أجل البقاء.

فمع فقدان المعيل والعمل، والنزوح، وارتفاع تكاليف المعيشة، وانهيار شبكات التضامن والحماية، دفعت الحاجة أعدادًا من النساء والأطفال إلى الشوارع وأبواب المساجد والمتاجر طلبًا للمساعدة. وما يبدأ بوصفه استجابة اضطرارية مؤقتة قد يتحول، في غياب البدائل، إلى مصدر دخل متكرر.

إعلان

والمفارقة أن وسيلة البقاء نفسها تصبح منتجة لهشاشة جديدة؛ فالطفل الذي يترك المدرسة للتسول قد يخسر مستقبله التعليمي، والمرأة أو الطفل الموجودان في الشارع يصبحان أكثر تعرضًا للعنف والاستغلال وانتهاك الكرامة. ولذلك تعتبر الورقة هذا النوع من التكيف مؤشرًا على عجز برامج الاستجابة ومنظومات الحماية عن احتواء آثار حرب استمرت أكثر من عقد.

موالون لعبد الملك الحوثي في صنعاء احتفالا بالمولد النبوي في 25 أغسطس (الأناضول)

عندما تسقط الحماية

لا تعمل الأزمة الاقتصادية منفصلة عن بقية الأزمات. فالحرب، وفق الورقة، أضعفت منظومات الحماية الرسمية والمجتمعية، ووسعت نطاق العنف والاستغلال الذي تتعرض له الفئات الأضعف.

وتقدر الأمم المتحدة أن نحو 6.2 ملايين امرأة وفتاة في اليمن يواجهن مخاطر مرتفعة للعنف، وأن واحدة من كل ثلاث نساء تتعرض لأحد أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي. وترتبط هذه الظاهرة، في تحليل الورقة، بضعف التشريعات وأجهزة إنفاذ القانون وحالة الإفلات من العقاب، بحيث لا تعود المشكلة في وقوع الانتهاك وحده، وإنما في البيئة التي تسمح باستمراره وتكراره.

وتضيف الحرب شكلًا آخر من أشكال العنف لم يكن حاضرًا بهذه الحدة، وهو الابتزاز الإلكتروني للنساء والفتيات. وتنقل الورقة عن تقرير "بين القهر والخذلان" الصادر في أكتوبر/تشرين الأول 2025 أن ما لا يقل عن 22% من حالات الانتحار بين النساء والفتيات ارتبط بالابتزاز الإلكتروني والعاطفي، عبر اختراق الحسابات أو الحصول على الصور والبيانات الشخصية وتهديد الضحايا بنشرها. كما تشير إلى تسجيل نحو خمسة آلاف حالة ابتزاز خلال عامي 2020 و2021.

وتكتسب الظاهرة خطورتها، وفق الورقة، من طبيعة المجتمع المحافظ وشدة حساسيته تجاه خصوصية النساء والفتيات؛ فالتهديد بالنشر والتشهير قد يتحول إلى ضغط نفسي واجتماعي بالغ، بينما يزيد غياب الحماية والإفلات من العقاب من مخاطره، وصولًا إلى الانتحار أو التعرض للقتل من الأقارب تحت ذريعة التخلص من "العار".

أما بالنسبة إلى الأطفال، فتبرز الورقة التجنيد بوصفه نموذجًا شديد الوضوح لكيفية تحول الهشاشة إلى مورد تستخدمه أطراف النزاع. فالفقر والنزوح وفقدان المعيل والانقطاع عن التعليم تجعل الطفل أكثر قابلية للاستغلال والتجنيد، وبذلك يصبح في الوقت نفسه ضحية لظروف الحرب وأداة داخلها.

وتنقل الورقة عن تقرير الأمم المتحدة بشأن الأطفال والنزاعات المسلحة التحقق من 1056 حالة تجنيد خلال 2022، بينها 933 فتى و123 فتاة، استخدموا في القتال والحراسة ونقل الذخائر ونقاط التفتيش، وكان بعضهم دون الخامسة عشرة. كما تحققت الأمم المتحدة من 544 حالة قتل و158 حالة تشويه، فضلًا عن العنف الجنسي.

وتشير الورقة كذلك إلى بيانات تفيد بأن 80% من حالات التجنيد التي تقوم بها جماعة الحوثي تتم عبر المراكز الصيفية لطلاب المدارس في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وإلى ما رصده فريق الخبراء المعني باليمن التابع لمجلس الأمن من ثماني دفعات تجنيد لنحو 56 ألف طفل في عدة محافظات، إلى جانب تجنيد فتيات لأدوار لوجستية واستخباراتية، وتوثيق 21,342 انتهاكًا بين 2015 و2025، واستخدام 852 مدرسة للتعبئة الطائفية.

وبهذا يصبح انهيار الحماية حلقة وصل بين الأزمات: الفقر يدفع إلى التجنيد، وترك التعليم يسهل التجنيد، والتجنيد يعيد إنتاج العنف، والعنف بدوره يخلق أجيالًا جديدة من الضحايا ويعمق هشاشة المجتمع.

الهشاشة التي تنتقل مع أصحابها

تتعامل الورقة مع النزوح الداخلي باعتباره أكثر من انتقال جغرافي من مكان إلى آخر؛ فهو عملية يفقد خلالها الإنسان المسكن ومصدر الدخل والأصول وشبكات العلاقات والدعم التي كان يعتمد عليها.

وبحسب التقرير العالمي عن النزوح الداخلي لعام 2023، كان اليمن يضم نحو 4.5 ملايين نازح داخلي، تشكل النساء والأطفال قرابة 75% منهم. وتقول الورقة إن الرقم ارتفع، وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، إلى نحو 5.2 ملايين نازح حتى مارس/آذار 2026، بما يعني أن النزوح لم يعد حالة طارئة عابرة، وإنما تحول بالنسبة إلى ملايين اليمنيين إلى نمط حياة طويل الأمد.

إعلان

فالأسرة النازحة لا تفقد منزلها وحده؛ بل قد تفقد الدخل وشبكات الأقارب والجيران ومصادر الدعم، ثم تنتقل إلى بيئة جديدة لا تمتلك فيها الموارد التي تسمح بإعادة بناء حياتها. ويقود ذلك إلى مزيد من الاعتماد على المساعدات أو إلى أنماط تكيف سلبية.

وتتحمل النساء عبئًا مضاعفًا، خصوصًا عندما تفقد الأسرة معيلها، كما يزداد تعرضهن للعنف والاستغلال. أما الأطفال فيواجهون مخاطر الانقطاع عن التعليم والعمل والتسول والتجنيد، إلى جانب تراجع فرص الحصول على الرعاية الصحية والغذاء المناسب.

لكن الورقة تؤكد أن النزوح لا ينتج الهشاشة منفردًا. فخطورته تأتي من تفاعله مع الفقر والجوع وتراجع الخدمات وانهيار الحماية؛ أي إن الصدمة الأولى المتمثلة في مغادرة المنزل تتحول إلى سلسلة من الصدمات المتراكمة، بحيث يصبح النازح أقل قدرة على مواجهة كل أزمة تالية.

يمنيون وأفراد من طواقم السفن يتظاهرون في ميناء المخا على البحر الأحمر، احتجاجًا على هجمات الحوثيين على سفن الشحن.(الأناضول)

جيل خارج المدرسة.. ورأس مال بشري يتآكل

من أخطر نتائج الحرب التي ترصدها الورقة ما تسميه "هشاشة رأس المال البشري"، وهي نتيجة تفاعل ثلاث دوائر: التعليم والصحة والتغذية.

فقد أدى تدمير المدارس وإغلاق بعضها والنزوح وتدهور الأوضاع الاقتصادية وانقطاع رواتب المعلمين ونقص الكوادر والموارد التعليمية إلى حرمان أعداد كبيرة من الأطفال من التعليم. وتشير البيانات التي تعتمد عليها الورقة إلى أن نحو 34.5% من الأطفال في سن التعليم غير ملتحقين بالمدارس، مع ارتفاع الحرمان بين الأطفال النازحين وذوي الإعاقة.

ولا تنظر الورقة إلى ترك المدرسة باعتباره خسارة تعليمية آنية فحسب؛ فالطفل الذي لا يحصل على التعليم يفقد جزءًا من فرص اكتساب المهارات والمؤهلات التي يحتاج إليها مستقبلًا، كما يصبح أكثر عرضة للعمل والتسول والتجنيد. وهكذا تتحول خسارة المدرسة اليوم إلى ضعف في القدرة الاقتصادية والاجتماعية غدًا.

ويتقاطع ذلك مع انهيار الخدمات الصحية وسوء التغذية. وتشير البيانات التي تستند إليها الورقة إلى معاناة نحو 2.4 مليون طفل و1.5 مليون امرأة حامل ومرضعة من سوء التغذية الحاد، مع ارتفاع الهزال ونقص الوزن لدى الأطفال ووفيات الأمهات. ولهذا تعتبر استعادة رأس المال البشري شرطًا أساسيًا لكسر دوائر الهشاشة، لأن الحرمان من التعليم والصحة والتغذية يقوض القدرات اللازمة للتعافي وينقل الفقر والحرمان إلى الأجيال المقبلة.

سبعة ملايين يحتاجون دعمًا نفسيًا

ولا تقف آثار الحرب عند الجوع أو النزوح أو التعليم، بل تصل إلى الصحة النفسية، التي تقدمها الورقة باعتب