خبر ⁄سياسي

شرق السودان: فوضى السلاح والعسكرة أم حلم ببناء الدولة ٤ ٤

 

شرق السودان: فوضى السلاح والعسكرة أم حلمٌ ببناء الدولة؟
(٤ – ٤)
صالح عمار
ترتبط تعقيدات قضايا التسليح والمليشيات في الشرق، ومحاولات الوصول إلى حلول لها، بقضايا كبرى؛ في مقدمتها الحرب الدائرة في السودان وتشجيع السلطة التي يقودها الفريق عبد الفتاح البرهان على التسليح، وانعدام الثقة في هذه السلطة لدى قطاعات واسعة من الناس، إضافة إلى مرارات المراحل السابقة التي لم تُعالج، إلى جانب المصالح والمخاوف الإقليمية، وعوامل أخرى لا تقل أهمية مثل الأزمة الاقتصادية وفقدان الأمل لدى فئات من الشباب.
ويبدأ السير في طريق الحلول أولاً بفرز المليشيات نفسها؛ فهي ليست ذات قاعدة واحدة، كما أوضحنا في مقالات سابقة، كما تختلف ظروف وتواريخ تكوينها وتركيبتها الاجتماعية والسياسية.
فيما يتعلق بمليشيات الحركة الإسلامية التي يقودها علي كرتي وأحمد هارون، فإن مستقبلها مرتبط باستمرار حالة الفوضى التي حققت عبرها مكاسب كبيرة، مثل الحصول على المزيد من السلاح، وتكوين الكتائب، ونهب الموارد، وتصفيات المخالفين. وستواصل هذه المليشيات، بكل ما تملك، إثارة الفوضى والاستعداد لمعركتها الكبرى المقبلة: الإطاحة بنظام البرهان والاستيلاء الكامل على السلطة. ومن المؤكد أن هذه الأهداف تتعارض مع مصالح الشعب السوداني كما تتعارض مع حسابات أطراف خارجية، الأمر الذي سيزيد من حدة العنف في كل السودان. وإذا لم تُمنع هذه الجماعة من تحويل الشرق إلى منصة لتحقيق أهدافها، فسيتحوّل الإقليم إلى ساحة خراب شبيهة بما جرى في الخرطوم ودارفور ومناطق أخرى.
أما القوات المشتركة، فإن نقاط تقاطعها مع مصالح الشرق تتمثل في استخدام أراضيه وشبابه وقودًا ومنطلقًا لحروبها، وهي الحروب التي كانت نتيجتها ما حدث ويحدث من دمار في دارفور منذ العام 2003، إضافة إلى تحولها الى شريك اصغر مع مليشيات علي كرتي وبعض الأجهزة العسكرية في نهب موارد الإقليم لمصلحة قادتها. لقد رحّب أهل الشرق بالنازحين جميعًا، وقبلوا بإقامتهم في الإقليم من منطلق أخلاقي وإنساني ووطني، نتيجة ما يتعرضون له من حرب في دارفور، لكن ذلك لا يعطي المشتركة او غيرها حق استخدام الاقليم كمنطلق لحروب عبثية راينا نتيجتها في اقاليم اخرى ولا يعطيها الحق في المشاركة بنهب موارده.
أما حركات الشرق، فهي الأكثر حاجة إلى التعاطي معها بنهج الحكمة والبحث عن فرص الحل، وذلك بسبب ارتباط تكوينها بتركيبة وقضايا الإقليم، وارتباط أفرادها المصيري بالمنطقة وعدم انخراطها في الحرب.
ويبدأ البحث عن الفرص من النقطة الجوهرية: إمكانية الإسهام في معالجة الخلل التاريخي في تركيبة الأجهزة العسكرية المركزية، وهو الخلل الذي كان يجب معالجته منذ العام 1956، ولم تنجح الأنظمة المتعاقبة في إصلاحه حتى باتت البلاد تضم عددًا كبيرًا من الجيوش.
لقد عانت الأجهزة العسكرية، التي ظل مقر قيادتها في الخرطوم قرناً من الزمان، من أربع مشكلات رئيسية ينبغي وضعها في صدارة أي حل:
١ – الانتهاكات الواسعة وصناعة الحروب والمليشيات التي طالت كل أنحاء السودان.
٢ – استحواذها على ميزانيات ضخمة شاب الفساد صرفها وكانت على حساب التنمية.
٣ – اقتصار تجنيدها على أقاليم وقوميات محددة.
٤ – انقلابها على الحكومات المنتخبة ورفضها الانصياع للسلطة المدنية.
واليوم، يتزايد الإجماع على أن الأجهزة العسكرية الحالية التي يقودها البرهان لا تمثل كل السودانيين، وأنها تحتاج إلى مراجعة جذرية إذا أردنا حلولًا حقيقية.
وفي هذا الإطار، يمكن أن تكون حركات الشرق جميعها – بما في ذلك حملة السلاح من منطقة البطانة – جزءًا من وصفة الإصلاح الأمني والعسكري، بما يساعد على وجود مجموعات اجتماعية من مختلف المناطق داخل الجيش المهني الجديد، وخلق تمثيل قومي حقيقي. وهذا الأمر ليس مقصورًا على الشرق وحده، بل مطلوب أيضًا لبقية الكتل الاجتماعية والاقليمية في أنحاء السودان التي ظلت بعيدة عن الانخراط في هذه الأجهزة.
وبمعنى آخر، قد تتحول الأزمة التي تمثلها الحركات المسلحة في الشرق إلى فرصة تحتاج إلى “العقول الكبيرة” لاغتنامها، ضمن الحل الشامل للأزمة السودانية، وصولًا إلى بناء أجهزة عسكرية وأمنية وشرطية مهنية تمثل كل السودانيين وتخضع للسلطة المدنية.
وفي اعتقادي، فإن من مصلحة حركات الشرق استراتيجيا أن تركّز على تصحيح المسار في البنية العسكرية القومية المختلّة، أكثر من تركيزها على المشاركة في تقاسم السلطة. فالتجارب السابقة – وأبرزها اتفاقيتا أسمرا (2006) وجوبا (2020) – أثبتت أنها لم تُحدث تغييرًا يذكر في بنية الدولة بسبب تركيزها على المشاركة السياسية، وهو أمر يظل هامشيًا في بلد تتحكم فيه القوى العسكرية بكل مفاصله، بما في ذلك الاقتصاد.
ولكن وإلى حين ان تنضج الشروط الموضوعية للتسويات الكبرى ويعمّ السلام، وفي إطار التعامل مع الواقع بتعقيداته المعروفة، يجب الإشادة بمواقف كل مسلح يرفض الانخراط في الحرب، وتشجيعه على الاستمرار في هذا النهج الذي يساهم في حقن الدماء وتسريع الوصول إلى حلول. كما يجب إخضاع الحركات لرقابة دقيقة على سلوكها على الأرض، سواء في تعاملها مع المدنيين أو في أنشطتها الاقتصادية، إلى جانب الانخراط في حملات شعبية للتصدي لأي انتهاكات أو تجاوزات قد ترتكبها ويشمل ذلك نهب الموارد والمخدرات.
ختامًا، يحتاج قادة المجتمع في الشرق إلى تعزيز شبكات التواصل بينهم وبناء الثقة، حتى يتم تجاوز هذه المرحلة الحرجة التي نعيشها. نحتاج إلى استحضار سيرة كبارنا الذين ورثنا عنهم الحكمة، والتصدي للمسؤوليات بروح القادة الذين يحافظون على حياة ومستقبل أهلهم، ويضعون في اعتبارهم ذاكرة شعبهم.

altaghyeer.info