مصطفى البطل يكتب: مصافحة البرهان وصمود الدولة

رغم أنني كنت أجلس في الصف الثاني، مباشرةً خلف الفريق إبراهيم جابر، وإلى يميني الدكتور مزمل أبو القاسم، فإنني لم أكن من الذين حرصوا على مصافحة الفريق أول البرهان بعد انتهاء خطابه، قبل أن ينتقلوا إلى القنوات والمنصات الإعلامية للحديث عن انطباعاتهم حول خطاب الرئيس، ثم ظهرت صورهم بعد ذلك في المنصات الرسمية وغير الرسمية، فملأت الدنيا وشغلت الناس!
السبب هو أن شخصية رفيعة في قيادة جهاز المخابرات العامة طلبت مني ألا أفعل وأن أمتنع عن مصافحة الرئيس والتعليق على خطابه. ذكّرتني هذه الشخصية بأنني عندما ذهبت من قبل إلى الرئيس عمر البشير في القصر الجمهوري، وصافحته وجلست معه، ثم خرجت لأتحدث إلى أجهزة الإعلام وأمدحه، لم يمضِ وقت طويل حتى انهار النظام وسقط الرئيس!
ومن هنا نشأت خشية حقيقية من أن أكرر التجربة مع الرئيس البرهان: أصافحه ثم أتحدث إلى الإعلام مشيداً بخطابه، فتقع الكارثة من جديد وتنقلب الأمور على رأس الرجل، وينتهي به الأمر، لا قدر الله، نزيلاً في سجن كوبر!
ولذلك آثرت أن أتنحّى عن المصافحة والمديح، حفاظاً على سلامة القائد وأمانه في هذا الظرف الدقيق. على الأقل إلى أن يتمكن من إنجاز مهمته في دحر التمرد وصد العدوان وتحرير الأجزاء المحتلة من البلاد.
ولكن البركة في صديقي الصدوق محمد عثمان إبراهيم «أوكاك»، الذي تصدّرت صوره مع الرئيس البرهان المشهد، وتناقلتها المنصات فلم تترك موضعاً في الأسافير إلا وبلغته!
هذا عن مصافحة الرئيس البرهان والتقاط الصور معه. ثم:
في أول زيارة لي إلى السودان بعد اندلاع الحرب، أسعدني غاية السعادة، بوصفي موظفاً عاماً ورجل خدمة عامة سابقاً، أن أرى، من خلال مشاهداتي وزياراتي الميدانية ولقاءاتي بعدد من الوزراء والقيادات التنفيذية، أن جهاز الدولة ما يزال قائماً، ثابتاً وصامداً، يؤدي واجبه بكفاءة وفاعلية رغم قسوة الظروف وتحديات الحرب.
تحدثت إلى عدد من وزراء حكومة الدكتور كامل إدريس، فوجدتهم أصحاب علم ورؤية، ويتمتعون بالقدرة والمهارات القيادية اللازمة لتحمل مسؤولياتهم. كانوا يعرفون ما يفعلون، ويتحدثون بثقة كاملة عن مهامهم وما يتعين إنجازه.
استمعت باهتمام إلى الدكتور عصمت قرشي وزير الزراعة، والدكتور التهامي الزين حجر وزير التربية والتعليم، وإلى مسؤولين آخرين على رأس الأجهزة التنفيذية. وكنت ضمن مجموعة تلقت تنويراً شاملاً ودقيقاً من وكيل وزارة الخارجية، الكادر الدبلوماسي الرصين المتمرس، الاستاذ معاوية عثمان خالد حول السياسة الخارجية وموقف السودان في مواجهة التحديات المهولة التي تحيط به. وكان ما سمعته منهم وما لمسته خلال تلك اللقاءات باعثاً على الاطمئنان، ومعززاً للثقة بأن مؤسسات الدولة تمضي في أداء واجبها، وأن الأمور تسير، رغم كل الصعاب، في الاتجاه الصحيح.
المهم هو أن السودان، رغم فداحة الحرب وما خلّفته من خراب، ما يزال يملك دولة ومؤسسات ورجالاً قادرين على حمل أعباء المرحلة. وهذا، في تقديري، هو مبعث الأمل الحقيقي.
Bajnews.net