خبر ⁄سياسي

المحاماة رسالة العدالة وحصن الحقوق.. الحلقة الأولى: لماذا يحتاج الإنسان إلى محام

المحاماة… رسالة العدالة وحصن الحقوق

الحلقة الأولى: لماذا يحتاج الإنسان إلى محامٍ؟

ميرغني الحبر/ المحامي

كنت قد طلبت من  صحيفة التغيير إجازة قصيرة، نلتقط فيها الأنفاس ونبتعد قليلًا عن صخب الأحداث، ونترك لأنفسنا مساحة للتأمل.

لكنني، خلال هذه الإجازة، رأيت وسمعت ما جعل الصمت أكثر صعوبة من الكتابة.

في هذه الأيام الثقيلة من الحرب والانقسام والاستقطاب، لم يؤلمني فقط ما أصاب وطننا ومجتمعنا، وإنما آلمني كذلك ما رأيته من استخفاف بمهنة المحاماة، وبمكانتها ورسالتها، وكأنها مجرد وسيلة أو وظيفة يمكن اختزالها في صورة لا تشبه حقيقتها.

ولأنني قضيت عمري كله في هذه المهنة، ولأنني أعتز بالانتماء إليها، فقد شعرت أن عليّ أن أعود.

أعود لا للدفاع عن المحامين، وإنما للدفاع عن معنى المحاماة؛ عن رسالتها، وأخلاقها، واستقلالها، وعن دورها في حماية الحقوق وسيادة القانون، خصوصًا عندما تضيق مساحات العدل وتتسع مساحات الخوف والاستقطاب.

لذلك أقطع إجازتي، وأستهل عودتي إلى الكتابة بسلسلة من المقالات أعيد فيها، بهدوء واعتزاز، تعريف الناس بمهنة وهبتها سنوات عمري، وما زلت أرى شرفًا كبيرًا في الانتماء إليها.

يبدو السؤال بسيطاً للوهلة الأولى: لماذا يحتاج الإنسان إلى محامٍ؟

ففي المخيلة العامة، كثيراً ما يرتبط اسم المحامي بقاعة المحكمة، وبالمتهمين والقضايا الجنائية والمرافعات والمذكرات والخصومات. وربما تختزل صورة المحامي عند البعض في ذلك الرجل أو المرأة الذي يقف أمام القاضي ليدافع عن شخص متهم بارتكاب جريمة.

لكن هذه الصورة، على شيوعها، لا تكشف إلا جانباً محدوداً جداً من حقيقة مهنة المحاماة.

فالمحامي لا يظهر في حياة الإنسان عندما تقع المشكلة فقط؛ بل إن من أهم أدواره أن يساعد الإنسان على ألا تقع المشكلة أصلاً.

المحامي هو الذي يقرأ العقد قبل أن توقعه، وينبهك إلى ما قد يترتب عليه من حقوق والتزامات، ويساعدك في تأسيس مشروعك وتنظيم شراكتك، ويحمي مصالحك في معاملتك، ويقدم لك الرأي القانوني قبل أن تتخذ قراراً قد يصعب الرجوع عنه.

وإذا وقع النزاع، فهو لا يبدأ بالضرورة برفع الدعوى؛ فقد يبدأ بالتفاوض، أو المطالبة، أو التسوية، أو الصلح، أو التحكيم، محاولاً الوصول إلى أفضل نتيجة لموكله بأقل قدر من الوقت والجهد والتكلفة.

وإذا أصبح اللجوء إلى القضاء ضرورياً، يتولى المحامي تمثيل موكله أمام المحكمة، ويعرض طلباته ودفاعه وفق القانون، ويتعامل مع الإجراءات والأدلة والمواعيد والمستندات، ويضع خبرته القانونية في خدمة صاحب الحق.

أما في المجال الجنائي، فإن المحامي يؤدي وظيفة أكثر حساسية؛ فهو لا يدافع عن الجريمة، وإنما يدافع عن حق الإنسان في أن يحاكم وفق القانون، وألا يدان إلا بناءً على دليل معتبر، وألا يتعرض للظلم أو التعسف.

وهنا يجب أن نتوقف عند واحدة من أكثر الصور الذهنية خطأً عن المحاماة.

المحامي الذي يدافع عن متهم لا يصبح شريكاً في الجريمة التي اتُّهم بها موكله.

فالمحامي ليس هو المحكمة، وليس هو الجهة التي تقرر الإدانة أو البراءة.

قد يكون المحامي غير مقتنع ببراءة موكله، وقد يكون غير متفق معه في أفعاله أو أفكاره أو مواقفه، ومع ذلك يبقى من واجبه المهني أن يؤدي دوره في إطار القانون، وأن يضمن ألا يعاقب الإنسان إلا وفق الإجراءات التي قررها القانون.

وهذه ليست خدمة للمتهم وحده؛ وإنما هي حماية للمجتمع كله.

فالقانون الذي يحمي خصمك اليوم قد تحتاج إلى حمايته غداً، والضمانة التي تراها ضرورية لشخص لا تحبه قد تصبح في يوم آخر ضمانتك أنت.

ومن هنا نفهم أن المحاماة ليست مجرد دفاع عن أشخاص، وإنما هي في جوهرها دفاع عن القواعد التي تجعل العدالة ممكنة.

 المحامي… خبير يوفر على الإنسان وقته وجهده

القانون، مثل الطب والهندسة والمحاسبة وغيرها من المهن المتخصصة، له لغته وأدواته وإجراءاته.

والمواطن العادي قد يكون صاحب حق واضح، لكنه لا يعرف كيف يطالب به، ولا أمام أي جهة، ولا في أي وقت، ولا بأي مستند، ولا وفق أي إجراء.

وقد يضيع الإنسان حقه لا لأنه لا يملكه، وإنما لأنه لم يعرف الطريق الصحيح للمطالبة به.

وهنا تأتي قيمة المحامي.

فالاستعانة بالمحامي ليست دليلاً على عجز الإنسان، وإنما اعتراف بأن الخبرة المتخصصة تختصر الطريق وتقلل الأخطاء.

والمحامي لا يوفر لموكله المعرفة القانونية فحسب؛ بل يوفر عليه الوقت والجهد، ويجنبه كثيراً من الإجراءات غير الضرورية، ويساعده على فهم مركزه القانوني قبل اتخاذ القرار.

وهذا أكثر أهمية في عالم الأعمال.

فالشركات والمؤسسات وأصحاب الأعمال لا يحتاجون إلى المحامي فقط عندما تنشأ الدعاوى؛ بل يحتاجونه قبل ذلك بكثير: عند تأسيس النشاط، وإبرام العقود، وتنظيم العلاقات بين الشركاء، والتعامل مع العاملين، ومراجعة الالتزامات، وإدارة المخاطر القانونية.

ولهذا يمكن القول إن المحامي بالنسبة إلى المؤسسة ليس مجرد رجل إطفاء تستدعيه بعد اشتعال الحريق؛ بل هو أحد الذين يساعدونها على منع الحريق من الأصل.

المحاماة… خدمة للمجتمع قبل أن تكون خدمة للخصومة

حين ننظر إلى المحاماة بهذه الصورة، ندرك أن أثرها يتجاوز العلاقة بين المحامي وموكله.

فكل عقد صحيح يمنع نزاعاً محتملاً، وكل تسوية تنهي خصومة، وكل استشارة تمنع قراراً خاطئاً، وكل حق يتمكن صاحبه من الوصول إليه عبر الطريق القانوني، هو في النهاية إسهام في استقرار المجتمع.

 المحامي يساعد على تحويل النزاع من صراع مفتوح إلى مسألة تحكمها قواعد.

ويساعد الإنسان على أخذ حقه بالوسائل القانونية بدلاً من اللجوء إلى القوة أو الانتقام أو أخذ الحق باليد.

ومن هنا فإن وجود محاماة مهنية ومستقلة ليس مصلحة للمحامين وحدهم، وإنما مصلحة للمجتمع كله.

 ولكن… هل المحاماة مجرد مهنة؟

هنا نصل إلى السؤال الأكبر الذي ستتناوله حلقة قادمة.

المحامي يتقاضى أجراً عن عمله، كما يتقاضى الطبيب والمهندس والمحاسب وغيرهم أجورهم.

لكن قيمة المهنة لا تقاس بالأجر وحده.

فالمحاماة تتصل بالحرية والمال… والملكية والكرامة… والسمعة والأسرة… والعمل والتجارة، وفي بعض الأحيان تتصل بحياة الإنسان وحريته.

ولهذا فإن المحامي يحمل مسؤولية تتجاوز مجرد تقديم خدمة مدفوعة الأجر.

إنه يتعامل مع حقوق الناس، ومع مصالحهم، ومع أسرارهم، ومع حرياتهم، ويقف في مواجهة السلطة أحياناً، ويمثل أضعف طرف أمام أقوى طرف أحياناً أخرى.

ومن هنا نشأت الحاجة إلى أخلاقيات خاصة بالمهنة، وإلى الاستقلال، وإلى قواعد تحكم سلوك المحامي، وإلى مساءلته عندما يسيء استخدام هذه المكانة.

فالمهنة التي تطلب من المجتمع أن يثق بها يجب أن تكون جديرة بهذه الثقة.

 والمحاماة ليست امتيازاً للمحامي

من المهم أن نفهم أيضاً أن استقلال المحامي ليس امتيازاً شخصياً له.

حين يكون المحامي مستقلاً، يستطيع أن يقول لموكله ما يراه صحيحاً ولو لم يعجبه، ويستطيع أن يدافع عنه أمام السلطة دون خوف، ويستطيع أن يرفض مخالفة القانون ولو كان ذلك يحقق مصلحة موكله.

وحين تكون النقابة مستقلة، تستطيع أن تدافع عن المهنة، وعن سيادة القانون، وعن حق المجتمع في العدالة، دون أن تتحول إلى أداة في يد أي سلطة أو تيار أو حزب.

لذلك فإن حماية المحاماة واستقلالها ليست حماية لفئة مهنية محدودة، وإنما هي جزء من حماية سيادة القانون نفسها.

وفي السودان… يصبح السؤال أكثر إلحاحاً

في بلد عاش عقوداً من الصراعات السياسية، ثم دخل في حرب مدمرة، وأصبح فيها القانون والحقوق والحريات أمام اختبارات قاسية، لم تعد الأسئلة المتعلقة بالمحاماة أسئلة مهنية محضة.

من يدافع عن الإنسان عندما يُتهم؟

من يحمي حقه في المحاكمة العادلة؟

من يقف إلى جانب صاحب الحق عندما لا يستطيع الوصول إلى حقه؟

من يواجه التعسف بالقانون؟

ومن يحافظ على المسافة المهنية اللازمة عندما ينقسم المجتمع نفسه إلى معسكرات متصارعة؟

هذه الأسئلة وغيرها تجعل من الضروري أن نعيد تقديم مهنة المحاماة للمجتمع في صورتها الحقيقية باعتبارها إحدى الأدوات التي يحتاجها المجتمع لحماية حقوقه؛ مهنةً تقوم على المعرفة والخبرة، ورسالةً في خدمة العدالة، ومسؤوليةً في حماية الحقوق والحريات.

وفي الوقت نفسه، فإن الدفاع عن المهنة لا يعني إعفاء المحامين من النقد أو المساءلة.

بل العكس تماماً.

فكلما طالبنا المجتمع باحترام المحامي، وجب علينا أن نطالب المحامي باحترام القانون.

وكلما طالبنا باستقلال المهنة، وجب علينا أن نطالب أهلها بالنزاهة.

وكلما طالبنا بحماية المحامي من التعسف، وجب علينا أن نرفض أن يستخدم أي محامٍ سلطته المهنية للإضرار بالناس أو تضليل العدالة أو الإساءة إلى زملائه أو خصومه.

 المحاماة حقوق ومسؤوليات في آن واحد .

وهذه هي الفكرة التي سنحاول أن نبحثها في هذه السلسلة.

سنحاول أن نخرج بالمحاماة من صورتها الضيقة باعتبارها مهنة تقف في قاعات المحاكم فقط، إلى معناها الأوسع: خدمة قانونية، ورسالة عدالة، وحماية للحقوق، وضمانة للحريات، ومسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع.

وسنسأل في الحلقات القادمة:

من أين جاءت فكرة المحاماة؟

وهل لها جذور في الشريعة والقيم الدينية والإنسانية؟

وهل المحاماة مهنة أم رسالة؟

وماذا يقدم المحامي للناس بعيداً عن قاعة المحكمة؟

ولماذا يجب أن يكون المحامي مستقلاً؟

وما حدود واجبه تجاه موكله والقانون والقضاء؟

وكيف ينبغي للمحاماة السودانية أن تتعامل مع الحرب والاستقطاب السياسي؟

ثم نصل إلى السؤال الأصعب:

أي محاماة نريد لبلادنا؟

تلك هي الأسئلة التي نحاول أن نفتح أبوابها في هذه السلسلة.

المحاماة… رسالة العدالة وحصن الحقوق.

altaghyeer.info