خبر ⁄سياسي

بين القدح واغتيال الشخصية.. ماذا تعني 29 ألف قضية إلكترونية في الأردن

بين القدح واغتيال الشخصية.. ماذا تعني 29 ألف قضية إلكترونية في الأردن

عمّان – من قصر العدل في العاصمة الأردنية عمّان، أعلن الصحفي زياد نصيرات أنه يواجه دعوى حق عام على خلفية مقاطع مصورة نشرها بشأن "الصواريخ الإيرانية"، في قضية تعيد إلى الواجهة الجدل المستمر حول قانون الجرائم الإلكترونية وحدود الفصل بين المحتوى الذي يعاقب عليه القانون وحرية الصحافة والتعبير.

ويقول نصيرات للجزيرة نت إن التهمة المسندة إليه، وفق لائحة الدعوى، تتعلق بالمادة 17 من قانون الجرائم الإلكترونية رقم 17 لسنة 2023، التي تجرّم استخدام الشبكة المعلوماتية لنشر محتوى من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات أو استهداف السلم المجتمعي أو الحض على الكراهية أو العنف أو ازدراء الأديان، بعقوبات تصل إلى الحبس من سنة إلى 3 سنوات، أو غرامة بين 5 آلاف و20 ألف دينار (من نحو 7 آلاف إلى 28 ألف دولار)، أو بكلتا العقوبتين.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

قضية نصيرات تمثل أحد أوجه النقاش حول تطبيق القانون، لكن الوجه الآخر يظهر في قضايا التشهير والابتزاز والاحتيال والاختراق وسرقة البيانات والإساءة للأطفال، وهي جرائم أوجد الانتشار المتسارع للمنصات الرقمية مساحة أوسع لارتكابها.

ومن الأمثلة على ذلك إعلان النائب السابق فواز الزعبي تقديم شكاوى بحق 86 موقعا إلكترونيا ومواطنين، عبر 4 محامين، على خلفية منشورات وتعليقات ومقاطع مصورة قال إنها تضمنت إساءات وتشهيرا بحقه. وبحسب لائحة الشكوى، شمل المحتوى المتداول -وفق الزعبي- سبا وشتما وقدحا وذما ألحق به أضرارا معنوية ونفسية وسياسية واجتماعية.

وحدة الجرائم الإلكترونية التابعة لمديرية الأمن العام (الجزيرة)

أما الطالبة الجامعية سهى حمادة فلجأت إلى وحدة الجرائم الإلكترونية بعد تعرضها لمحاولة ابتزاز من شخص استغل صورا كانت قد نشرتها على حسابها في "إنستغرام"، وأجرى تعديلات عليها ودمجها مع صور أخرى في محاولة لابتزازها.

إعلان

وتقول حمادة للجزيرة نت إنها تقدمت بشكوى لدى الوحدة، التي تمكنت خلال نحو شهر من إلقاء القبض على المتهم، مشيرة إلى أنه موقوف حاليا على ذمة القضية.

زيادة بنحو 19%

وتكشف أحدث أرقام المركز الوطني لحقوق الإنسان اطلعت عليها الجزيرة نت اتساع حجم القضايا، فقد تعاملت وحدة الجرائم الإلكترونية خلال عام 2025 مع 29 ألفا و389 قضية، مقابل 24 ألفا و737 قضية في عام 2024، بزيادة بلغت 18.8%.

لكن الرقم الإجمالي وحده لا يفسر طبيعة الظاهرة، فتصنيف المركز يضع تحت مظلة الجرائم الإلكترونية طيفا واسعا يبدأ بالاختراق والتهديد والابتزاز والاحتيال المالي وسرقة البيانات وانتحال الصفات والإساءة للأطفال عبر الإنترنت، ويمتد إلى الذم والقدح والتحقير والقضايا المرتبطة بالسلم المجتمعي.

وفي المقابل، بلغ عدد الجرائم المتعلقة بخطاب الكراهية وإثارة النعرات 306 قضايا، أحيل منها 120 إلى القضاء، وفق التقرير ذاته. وهذه الأرقام تعني أن النقاش بشأن القانون لا يمكن اختزاله في قضايا حرية التعبير وحدها، لأن جانبا من عمل وحدة الجرائم الإلكترونية يتعلق بجرائم رقمية ذات طبيعة جنائية مباشرة.

ويرى المحامي والمستشار القانوني صخر الخصاونة للجزيرة نت أن ارتفاع الأعداد "طبيعي" ولا يشكل بحد ذاته ظاهرة مقلقة، مرجعا الزيادة إلى توسع مظلة الجرائم المشمولة بالقانون، وارتفاع الوعي القانوني بآليات تقديم الشكاوى، فضلا عن سهولة إجراءات التقدم بها، بالتزامن مع التسارع التكنولوجي.

أين تبدأ حرية التعبير؟

المعضلة تظهر بصورة أكبر عندما تنتقل القضايا من الاحتيال والابتزاز والاختراق إلى المحتوى الصحفي والسياسي والنقد المنشور على المنصات الرقمية.

عضو مجلس نقابة الصحفيين الأردنيين السابق خالد القضاة يرى أن القانون يمس العمل الصحفي بصورة مباشرة، لأن غالبية المواد الصحفية أصبحت تُنشر بصيغة رقمية سواء على المواقع الإخبارية أو شبكات التواصل الاجتماعي.

ويشير القضاة في تصريح للجزيرة نت إلى دقة الحدود بين القدح والذم والنقد المباح، معتبرا أن المشكلة لا تتعلق بوجود حاجة إلى مكافحة الإساءة والابتزاز وخطاب الكراهية، وإنما بكيفية صياغة بعض المفاهيم وتطبيقها، محذرا من أن الخوف من الملاحقة قد يؤدي إلى تراجع المحتوى النقدي والرقابة الذاتية لدى الصحفيين والمستخدمين.

ويرى القضاة أن "اغتيال الشخصية" من أكثر المفاهيم تعقيدا في العمل الصحفي، وقد يشمل الاستهداف الممنهج والمتكرر لشخص بالذم والقدح، بما في ذلك إعادة نشر المادة ذاتها بصيغ مختلفة وعبر منصات متعددة.

أحد أفراد وحدة الجرائم الإلكترونية التابعة لمديرية الأمن العام (الجزيرة)

ويوضح أن خطاب الكراهية يقوم على مهاجمة الشخص استنادا إلى دينه أو عرقه أو لونه أو جنسه بدلا من نقد أدائه، محذرا من أن خطورته تتجاوز الفرد إلى المكوّن المجتمعي الذي ينتمي إليه، بما قد يعزز الانقسام والاصطفاف على حساب الكفاءة والتنوع المجتمعي.

ويقول مصدر في وزارة العدل للجزيرة نت إنه لا يمكن تصنيف الشكاوى المتعلقة بالجرائم الإلكترونية مسبقا بين قضايا جنائية مرتبطة بالذم والقدح والتحقير، وأخرى تمس حرية التعبير، موضحا أن تقديم الشكوى حق متاح للمواطن، سواء كان المشتكي مسؤولا عاما أم غيره.

إعلان

ويضيف المصدر أن تحديد الوصف القانوني للجريمة وتكييفها من اختصاص القضاء، إذ تخضع كل قضية لوقائعها ومسارها القانوني الخاص، وهو ما يجعل من الصعب إحصائيا فصل القضايا وتصنيفها على أساس أنها مرتبطة بحرية التعبير أو تندرج ضمن الجرائم الجنائية الأخرى.

وهذه المخاوف سبق أن أثارتها منظمات حقوقية دولية، فقد انتقدت هيومن رايتس ووتش مواد في قانون الجرائم الإلكترونية الذي أُقر عام 2023 بسبب ما رأته استخداما لعبارات فضفاضة وغير محددة بما يكفي، مثل "إثارة الفتنة" و"اغتيال الشخصية" و"الأخبار الكاذبة"، ورأت أن عدم الدقة قد ينعكس على حرية التعبير والوصول إلى المعلومات.

كما قالت منظمة "مراسلون بلا حدود" إن الصياغات الفضفاضة لبعض الجرائم تترك مجالا واسعا للتفسير، مشيرة إلى ملاحقات طالت صحفيين بموجب القانون، ومحذرة من انعكاس ذلك على حرية الصحافة.

‎⁨وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية تضبط شبكة احتيال مالي في الأردن (مديرية الأمن العام)⁩

أرقام لا تحسم الجدل

ودعا المركز الوطني لحقوق الإنسان في تقريره إلى مراجعة وتحديث التشريعات، وتوسيع بدائل العقوبات السالبة للحرية، ووضع إستراتيجية وطنية للإعلام تضمن الحريات الصحفية، إلى جانب رفع الوعي بضوابط حرية التعبير وحماية البيانات الشخصية.

وتكشف قراءة الأرقام والتصنيفات أن قانون الجرائم الإلكترونية يعمل في مساحتين متداخلتين: الأولى تتصل بجرائم واضحة الضرر كالابتزاز والاحتيال والاختراق وسرقة البيانات والإساءة للأطفال، حيث تبرز الحاجة إلى الحماية القانونية، والثانية تتعلق بالنشر والنقد والتشهير وخطاب الكراهية والسلم المجتمعي، وهي المساحة التي يتركز حولها الجدل الحقوقي والصحفي.

وبين المساحتين، لا تكفي الزيادة البالغة 18.8% وحدها للحكم بأن المجتمع أصبح أكثر ارتكابا للجرائم الإلكترونية، كما لا تكفي الملاحقات المرتبطة بالنشر للقول إن جميع تطبيقات القانون تستهدف حرية التعبير.

لكن اتساع أنواع الجرائم المشمولة بالقانون، بالتوازي مع المخاوف الحقوقية من بعض صياغاته، يجعل معيار التناسب ودقة التكييف القانوني لكل قضية عاملا حاسما في تحقيق المعادلة الأصعب: حماية المجتمع من الجريمة الرقمية من دون تحويل الحماية إلى قيد على النقد والعمل الصحفي.

aljazeera.net